مقالات

“الشرير المحبوب” في السينما والمسرح العالمي؟!

هايل علي المذابي

 

في حكايات “ألف ليلة وليلة”، تبرز شخصية “علي الزئبق” لـتؤدي وظيفة الشرير المحبوب لدى الجماهير، ويسري هذا التقليد نفسه على شخصية “روبن هود” في الغرب، لتؤدي الوظيفة ذاتها على نسق شخصية الزئبق. وفي العصور الحديثة، وقبل ازدهار السينما، نجد شخصية الشاعر الفرنسي بودلير تعلنها صراحة حباً في الشر وتمجيداً له في ديوانه العمدة “أزهار الشر” بالقول: “المجد لك يا شيطان يا معبود في أعالي السماء”. وبعده، وتمجيداً للشر، يعلنها أمل دنقل في قصيدته “كلمات سبارتاكوس الأخيرة”: “المجد للشيطان معبود الرياح.. من قال لا في وجه من قالوا نعم..”. ومثل هذا وغيره من حب للشر نجده كثيراً في شعر أبي العلاء المعري، وفي أسطورة “برومثيوس” الذي عصى زيوس كبير الآلهة وسرق النار من جذوة الشمس وحملها إلى البشر، النار التي تعني المعرفة، فعاقبه زيوس عقابا أبديا، وقد عبر عن هذه الأسطورة وهذا المذهب “البرومثي الشيطاني الثائر المناظل” نزار قباني بقوله في واحدة من قصائده:

“هل عندكِ شكٌ أنكِ عمري وحياتي

وبأني من عينيكِ سرقت النار

وقمت باخطر ثوراتي.”

من هذا وذاك، نلمس الجذور المعنوية لمفهوم الشرير التي تعني في العبرية “المعارض”، ويوصف بها الشيطان الذي عارض كلام الله؛ وهذا يفسر معنى الإعجاب بالشر في أدبيات التاريخ من قبل النخبة، فـ “جون ميلتون” صاحب “الفردوس المفقود” يرى، مثل لاحقه بودلير، أن الشيطان هو النموذج الكامل للجمال الرجولي، فقط لأنه قال: “لا”.

وبناءً على هذه الرؤية، يمكن التأسيس لظاهرة الشرير المحبوب في السينما أو المسرح أو التلفزيون؛ أي أن الجمهور قد يتعاطف مع الشرير أو يحبه عندما يكون لديه قيمة يدافع عنها ويناضل من أجلها. إنها “جماليات التمرد” أو “جاذبية الشرير”، حيث يتحول الشر من كونه نقيضاً أخلاقياً للخير، إلى كونه رمزاً للمغايرة، والاحتجاج، والتحرر من قيود السلطة، سواء كانت سلطة إلهية، اجتماعية، أو سياسية.

إن الإعجاب بالشرير لا ينبع من حب الأذى لذاته، بل من “الموقف” الذي يتخذه. فالشرير “النموذجي” في الدراما الحديثة لا ينجذب إليه الجمهور لأنه يقتل أو يسرق، بل لأنه يمتلك رؤية للعالم تتصادم مع “المسلمات”، فيتحول إلى “بطل تراجيدي” لديه منطق داخلي يدافع عنه، ونحن إذ ندين أفعاله أخلاقياً، نتفهم دوافعه نفسياً، ونتعاطف معها خصوصا إذا كان الشرير يمارس الشر ضد سلطة ظالمة أياً كان نوعها، أو ضد بيئة أكثر شرا منه.

هذا التوجه قديم وليس جديداً، فنحن نجده في المسرح العالمي قبل السينما؛ فشخصيات مسرحيات شكسبير وأبطالها كانت تؤدي نفس المهمة تحت غطاء التراجيديا، مثل “ماكبث” و”عطيل” و”هاملت” وغيرها. في عالم شكسبير، لا وجود للشرير الساذج أو البطل النقي؛ فالتراجيديا الشكسبيرية تقوم في جوهرها على “الخطيئة النابعة من القوة”، حيث يصبح الشرير أو البطل التراجيدي ضحية لإرادته الخاصة، مما يولد لدى الجمهور شعوراً عميقاً بالتعاطف الممزوج بالرهبة، وهو ما أسماه أرسطو قديماً بـ “التطهير” (Catharsis).

نحن لا نحب “ماكبث” لأنه يقتل، بل نحب صراعه الداخلي وقدرته على مواجهة مصيره المحتوم بشجاعة تراجيدية، حتى وهو يعلم أنه على طريق الهلاك. و”عطيل” يتحول من بطل مغوار إلى شرير قاتل بسبب الغيرة، فنشفق على السذاجة التي أوصلته للشر. لقد امتلك المسرح ميزة “المونولوج الداخلي” (Soliloquy)؛ فحين يقف الشرير وحيداً على الخشبة ويتحدث للجمهور مباشرة، فإنه ينزع عنه قناع “العدو” ليتحول من كتلة صماء من الشر إلى كائن مفكر وموجوع، وهنا تسقط الحواجز الأخلاقية ويحل محلها فهمٌ إنساني عميق.

في العصر الحديث، انتقلت هذه التيمة إلى السينما والتلفزيون عبر آليات صناعة الجذب، وتجلت في ما يمكن تسميته بـ “متلازمة ستوكهولم الجماهيرية”، أو في تعمد المخرج تصميم شخصية الشرير لتكون محبوبة ومثيرة للتعاطف.

لذلك، تصبح شخصيات مثل “ألونزو هاريس” (دينزل واشنطن) في فيلم Training Day، وجوكر (هيث ليدجر) في فيلم The Dark Knight، نماذج للشرير الجذاب درامياً؛ شخصيات تُدان أفعالها، لكن حضورها يفرض التأمل. في فيلم Training Day، السر هو “السلطة الفاسدة الممزوجة بالمنطق”؛ ألونزو رجل قانون يؤمن بأن “للبقاء في الغابة، يجب أن تكون الأسد”، فالجمهور لا يحب جرمه بل يحب قوته وقدرته على السيطرة. أما “الجوكر”، فهو النموذج الأكمل؛ لم يكن يدافع عن قضية شخصية بل كان “عامل فوضى”، ويمثل التحرر الكامل من قيود المجتمع وكسر الأقنعة التي يرتديها الناس يومياً.

السينما هنا تستغل فينا ما يسمى بـ “الظل” (The Shadow) حسب مصطلحات كارل يونغ؛ فنحن جميعاً نملك في داخلنا نزعات تمرد وغضب ورغبة في كسر القواعد، وعندما نشاهد هؤلاء، نحن لا نحب شرهم، بل نشاهد نسختنا المحررة من القيود وهي تعيش على الشاشة.

إن ما يربط “شيطان ميلتون” بشخصيات شكسبير، وصولاً إلى “الجوكر” في السينما الحديثة، هو “مأساة الوعي”. الشرير في هذا السياق هو الشخص الذي “يعي” أن العالم فاسد، وبدلاً من أن يخضع للنظام، يقرر أن يكون أداة لتدميره أو كشفه. المسرح والسينما علما الإنسان أن الشر ليس غياباً للخير، بل هو فائض في الإرادة، وأن هذا الشرير المحبوب ليس دعوة للجريمة، بل هو مرآة للتمرد الإنساني؛ ملاكٌ سقط، أو بطلٌ مهزوم يتحدث بصوت عالٍ عما نحاول نحن إخفاءه في أعماق أنفسنا.

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية