مقالات

المسرح… لمن؟

 د. زينب عبد الامير

 

سؤال يبدو بسيطاً، لكنه في الوقت ذاته يحمل عمقاً كبيراً ويختزن تاريخاً طويلاً من الصراع بين الفن والسلطة وبين الموهبة والنفوذ وبين الحرية والوصاية وبين النبل والتهريج، إنه سؤال تتناسل منه أسئلة أخرى لا تنتهي أطرحها في هذا المقال لأعبر عما يختلجني من شعور بالإحباط أمام الكثير ممّا أشاهده وأتابعه في الوسط المسرحي محلياً وعربياً.
منذ أن اعتلى الإنسان الخشبة لأول مرة عُرِف المسرح بوصفه فضاءً للبوح الحقيقي وبحرية، ولكن الحقيقة نفسها أصبحت اليوم تتساءل: لمن أصبحت هذه الخشبة؟؟ هل ما زال المسرح للجميع أم أنه أصبح مُلكا لفئة بعينها؟؟ وهل ما زالت الخشبة تستقبل كل من يحمل مشروعاً فنياً صادقاً أم أنها لا تُفتح إلاّ لمن يحمل مفاتيح العلاقات الشخصية، أو يجيد فن المجاملة أكثر من إتقانه فن المسرح؟
وهل هو مسرح المحسوبيات؟؟؟؟؟ فحين تصبح العلاقات أقوى من الكفاءة، وحين تُمنح الجوائز والأدوار والمشاركات والفرص وفق القرب لا وفق الاستحقاق، فإن المسرح يفقد أحد أهم شروط وجوده (العدالة الفنية)

وهل هو مسرح المزاجيات؟ كم من نص جيد رُفض لأنه لم يوافق ذائقة شخص واحد!! وكم من مخرج أو ممثل أُقصي بسبب خلاف شخصي!! وكم من تجربة وُلدت ميتة لأن القرار لم يكن مؤسساً على معايير واضحة وانما على انطباعات عابرة أو أهواء شخصية!!
وهل هو مسرح الأسماء المتكررة؟ تلك الوجوه التي لا تغيب وتلك الأسماء التي تتصدر كل مهرجان وكل لجنة وكل مشروع، حتى بدا حضورها وكأنه قدر لا خيار!! فنالت فرصاً كثيرة في زمنها، وما زالت مصرّة على استحواذ فرص غيرها في زمن غير زمنها!! وكأن المسرح لا يتسع إلاّ لأصحابها!! والأسوأ من ذلك أن بعضهم ينظر إلى الآخرين باستعلاء وكأن الإبداع قد توقف عند أسمائهم حسب!! وفي المقابل تقف مواهب شابة مبدعة على الأبواب تنتظر فرصة قد لا تأتي لا لأنها أقل موهبة، وانما لأن الباب لم يُفتح لها أصلاً، وإن استطاعت أن تقدم تجربة مميزة، فإنها تُركن ولا تجد من يساندها خشية أن ينافس حضورها مكانة تلك الأسماء التي اعتادت احتكار المشهد معنوياً ونفعياً!!

وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال محوري ماذا يحدث حين يتمسك الرواد الحقيقيون منهم وغير الحقيقيين بمقاعدهم لسنوات طويلة؟…. إنهم لا يشيخون وحدهم وانما تشيخ معهم أحلام الشباب التي تبقى معلقة في انتظار فرصة كان ينبغي أن تأتي منذ زمن لان الريادة الحقيقية لا تُقاس بطول البقاء في الواجهة، وإنما بالقدرة على صناعة جيل جديد يتقدم بثقة، لا جيل يستهلك عمره في الانتظار!! وأين نحن من المقولة التي يردّدها كثيرون في الوسط الفني (هذا الميدان يا حميدان)؟ أين هذا الميدان؟ وكيف للمواهب الشابة أن تثبت قدرتها إذا كانت أبواب الفرص موصدة، وإذا كان النجاح يُقابل أحيانا بالحسد أو الخوف أو الإقصاء بدل أن يُستقبل بالاحتفاء والدعم؟
وهل هو مسرح النخبة؟ فحين يصبح المسرح يخاطب نفسه ويكتب للمسرحيين وحدهم ويحتفي بذاته أكثر مما يحتفي بجمهوره، فإنه يبتعد تدريجيا عن رسالته الأولى!! لان المسرح لا يكتمل إلا بجمهور يرى نفسه على الخشبة، لا بفضاء مغلق تتبادل فيه النخبة التصفيق لبعضها البعض.
أما النقطة الأهم: ان كان المسرح مرآة المجتمع، فمن الأولى أن تكون صورته صادقة لا مشوهة وأن يعكس قيم العدالة والشفافية التي طالما دعا إليها، لا أن يعيد إنتاج الإقصاء داخل مؤسساته!!
برأيي إن نقد الواقع المسرحي ليس إساءة إلى المسرح، وانما دفاع عنه، فالجهات الفنية التي ترفض النقد محكوم عليها بالجمود، أما التي تُصغي إليه فإنها تمنح نفسها فرصة حقيقية للتجدد، وان المسرح الحقيقي لا يُقاس بعدد العروض ولا بعدد الجوائز ولا بكثرة المهرجانات وانما بقدرته على احتضان الموهبة أينما كانت، واحترام الإنسان قبل الفنان وتكريس العدالة قبل الشهرة.
وفي النهاية هل ما زال المسرح يملك شجاعة أن يكون بيتاً للجميع؟ فإذا كانت الإجابة نعم فستبقى الخشبة فضاءً للحقيقة والحرية، وإذا كانت لا فربما علينا أن نسأل مرة أخرى ولكن بصوت أعلى: المسرح … لمن؟

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية