وليد قصوري
لا تُقرأ رواية «مملكة الياسين» بوصفها نصًا يروي قصة حب انتهت بالفراق، أو سيرة امرأة واجهت المرض وانتصرت عليه، وإنما بوصفها خطابًا وجوديًا يعيد مساءلة الإنسان في أكثر لحظاته هشاشة. فالنص ينطلق من حدثين ظاهرهما بسيط؛ خذلان الحبيب والإصابة بمرض خطير، لكنه يحولهما إلى سؤال فلسفي عميق: كيف يمكن للإنسان أن يعيد بناء ذاته بعد انهيار المعنى؟
إن القيمة الجمالية للرواية لا تكمن في الأحداث بقدر ما تكمن في قدرتها على تحويل الألم إلى بنية سردية. فكل محطة من محطات النص لا تؤدي وظيفة حكائية فحسب، بل تؤدي وظيفة فكرية، إذ يصبح الفقد أداة لإنتاج الوعي، ويغدو المرض وسيلة لإعادة تعريف الحياة. ومن هنا، فإن الرواية لا تحتفي بالانتصار على المرض بقدر احتفائها بولادة إنسان جديد خرج من التجربة أكثر وعيًا بذاته وبالعالم.
تقوم الرواية على ثنائية مركزية هي الجسد والذاكرة. فالجسد في بدايات النص يتحول إلى فضاء للوجع، بينما تتحول الذاكرة إلى فضاء لغياب الحبيب. وهكذا تجد البطلة نفسها محاصرة بين ألم محسوس يسكن الجسد، وألم رمزي يسكن الوجدان. وهذه الازدواجية تمنح الرواية بعدها النفسي، لأن الشخصية لا تواجه خطر الموت وحده، بل تواجه أيضًا انهيار صورتها عن الحب والحياة.
ومن الناحية السردية، لا يبدو المرض حدثًا بيولوجيًا، بل يتحول إلى استعارة كبرى عن هشاشة الوجود الإنساني. فالمرض يكشف محدودية الإنسان، لكنه يكشف أيضًا طاقته الكامنة على المقاومة. ولهذا تتجاوز الرواية الخطاب العاطفي إلى خطاب إنساني يجعل من المحنة لحظة لإعادة اكتشاف الذات.
أما الحب، فلا يُقدَّم بوصفه خلاصًا رومانسيًا، بل باعتباره تجربة تأسيسية تترك أثرها حتى بعد انتهائها. فالحبيب الغائب يتحول إلى حضور دائم داخل الوعي، وكأن الرواية تؤكد أن الإنسان لا يعيش مع من يحب فقط، بل يعيش أيضًا مع أثره. وهنا تبلغ الرواية مستوى رمزيًا عميقًا؛ إذ يصبح الغياب أكثر فاعلية من الحضور، وتتحول الذاكرة إلى وطن داخلي يستحيل مغادرته.
ولا تنظر الكاتبة إلى النسيان باعتباره علاجًا، بل ترفض هذا التصور رفضًا ضمنيًا. فالنسيان في «مملكة الياسين» ليس انتصارًا، وإنما فقدان لجزء من الهوية. أما التعافي الحقيقي، فيتمثل في قدرة الإنسان على حمل ذاكرته دون أن تتحول إلى عبء يشل حركته. وهذا الطرح يمنح الرواية بعدًا فلسفيًا يتقاطع مع التصورات الحديثة في علم النفس، التي ترى أن تجاوز الصدمة لا يكون بمحوها، وإنما بدمجها في السيرة الذاتية للإنسان.
وعلى المستوى البنيوي، تتخذ الرواية من التحول الداخلي محورًا لحركتها. فالصراع الحقيقي لا يدور بين الشخصيات، بل بين البطلة وذاتها. لذلك يتراجع الحدث الخارجي لصالح الحدث النفسي، ويصبح الزمن زمنًا شعوريًا أكثر منه زمنًا كرونولوجيًا. وهذه سمة من سمات الرواية النفسية الحديثة، حيث تتقدم حركة الوعي على حركة الوقائع.
أما اللغة، فتتسم بكثافة وجدانية واضحة. فهي لغة لا تبحث عن الإبهار البلاغي، وإنما عن الصدق الشعوري. وتعتمد الكاتبة على الصورة الحسية والعبارة الهادئة لتصنع أثرها، وهو ما يجعل النص قريبًا من الاعترافات الأدبية التي تمنح القارئ إحساسًا بالمشاركة الوجدانية لا بالمراقبة الخارجية.
ومن أهم العناصر الرمزية في الرواية عنوانها «مملكة الياسين». فالمملكة ليست مكانًا، وإنما عالم داخلي شُيّد من الذكريات والانكسارات والأمل. إنها الوطن الذي تلجأ إليه البطلة كلما ضاقت بها الحياة، وفي الوقت نفسه السجن الذي يصعب مغادرته. وبهذا المعنى يتحول العنوان إلى مفتاح تأويلي يختزل مسار الرواية بأكملها.
غير أن الرواية، رغم قوتها النفسية، كانت ستبلغ أفقًا فنيًا أرحب لو منحت الشخصيات الثانوية حضورًا أكثر استقلالية، بحيث تتحول إلى أصوات فكرية موازية، لا مجرد امتدادات لتجربة البطلة. كما أن بعض المقاطع الوجدانية كان يمكن اختزالها لصالح تكثيف أكبر، بما يزيد من إيقاع النص ويضاعف أثره الجمالي.
في ضوء ذلك، يمكن القول إن «مملكة الياسين» تنتمي إلى الأدب الذي يكتب الإنسان من الداخل، لا إلى الأدب الذي يكتفي بوصف الأحداث. إنها رواية ترى أن أشد المعارك ليست تلك التي يخوضها الجسد مع المرض، بل تلك التي يخوضها القلب مع الذاكرة، وأن الانتصار الحقيقي لا يتحقق عندما يزول الألم، بل عندما يتحول إلى مصدر للحكمة وإعادة بناء الذات.
لقد استطاعت غفران رحموني أن تجعل من الكتابة فعلًا للمقاومة، ومن السرد مساحة للتعافي، ومن الألم مادةً لإنتاج المعنى. ومن هنا تكتسب «مملكة الياسين» قيمتها الأدبية، لأنها لا تقدم حلولًا جاهزة، بل تفتح أمام القارئ أفقًا للتأمل في معنى الحب، والفقد، والمرض، والنجاة. إنها رواية تؤكد أن الإنسان قد يخسر كثيرًا، لكنه يظل قادرًا على أن ينتصر على نفسه، وأن يبني من رماد انكساراته مملكة جديدة اسمها الحياة.


