عنوان الكتاب: “الفرجات الأمازيغية بسوس”
اسم الكاتب: د. عزالدين الخراط
الناشر: منشورات الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي، الطبعة الأولى 2025
المسرح الأمازيغي من الذاكرة إلى الكونية: بوصلة نظرية ونبض ميداني
من خلال هذا المحفل الثقافي الوازن، لا نحتفي بمجرد إصدار جديد، بل نحتفي بـ «بوصلة جمالية» أهداها لنا الدكتور عز الدين الخراط في كتابه «الفرجات الأمازيغية بسوس». هذا الكتاب يمثل، في تقديري، لقاءً حتمياً بين صرامة البحث الأكاديمي وحرارة الممارسة الميدانية.
أولاً: رصانة البحث وجِدّة المفهوم
نجح الدكتور عز الدين الخراط في نقل دراسة الفرجة الأمازيغية من ضيق الوصف الفلكلوري إلى رحابة التنظير الأنثروبولوجي. فبينما كنا، داخل فرقة «آر-كانة» (ARTGANA)، نكابد فوق الخشبة لاستنطاق القناع والجسد، كان الباحث يشيد لنا صرحاً مفاهيمياً متيناً.
وقد أتاح لنا هذا العمل أدوات معرفية بالغة الأهمية، من قبيل مفهوم «المنطقة البينية» التي نتحرك داخلها كمبدعين بين الطقس والمسرح، ومفهوم «التناسج الثقافي» الذي يمنحنا مشروعية صهر تراثنا في قوالب كونية دون استلاب، ضمن ما يسميه المؤلف بذكاء «جماليات الهجنة».
ثانياً: تقاطعات التجربة بين النظرية والممارسة
بصفتي مخرج عرض «إصوابن»، أجد في كتاب الدكتور عز الدين الخراط ليس مجرد تنظير أكاديمي، بل مرآة معرفية تعكس بدقة ما سعينا إلى تحقيقه داخل فرقة «آر-كانة». وتتجلى نقاط التلاقي بيننا في ما يلي:
1. من الطقس إلى العرض: عبور «المنطقة البينية»
يتحدث الدكتور الخراط عن «المنطقة البينية» باعتبارها فضاءً للتحول، وهو ما جسدناه في انتقال فرجة «إصوابن» من فضاء الساحة التلقائي إلى فضاء الخشبة المنظم.
عند الباحث: فضاء لا ينتمي كلياً إلى الماضي ولا إلى الحاضر.
عند المخرج: اشتغال على إعادة تأويل الذاكرة الجمالية، بنقل القناع من وظيفته الطقسية الاحتجاجية في سوس إلى وظيفته الدرامية المعاصرة، دون السقوط في فخ الفلكلرة.
2. «التناسج الثقافي» كفعل إخراجي
يؤصل الدكتور الخراط لمفهوم «التناسج الثقافي»، وهو ما تجسد عملياً في عرض «إصوابن» من خلال المزاوجة بين:
المحلية الأمازيغية: إيقاعات البندير، شخصيات «الحاج» و«الحزان»، وعمق التراث اليهودي الأمازيغي.
الكونية المسرحية: استلهام تقنيات الكوميديا ديلارتي، واستحضار أنطولوجيا القناع.
هذا التهجين الجمالي هو المادة الخام التي انبنت عليها الفرجة، تأكيداً على أن المسرح الأمازيغي خيط ثمين في نسيج المسرح الإنساني.
3. من الحنين إلى «جماليات الهجنة»
يدعو الدكتور الخراط إلى تجاوز وهم «النقاء الثقافي» نحو تبني «جماليات الهجنة». وهو ما يلتقي مع تصورنا للتراث باعتباره مختبراً حياً لا مادة جامدة.
نحن لا نسعى إلى استنساخ الماضي، بل إلى تفكيكه وإعادة بنائه وفق أسئلة الحاضر. وهكذا، يشكل «إصوابن» نموذجاً هجينا يجمع بين السخرية الشعبية والوعي النقدي الحديث، فيما يسميه الخراط بـ «الاختلاف الخلاق».
4. مشروع الفضاء الثالث:
يطرح الكتاب فكرة المسرح كرافعة للتنمية والاستثمار الثقافي، وهو ما نعمل على تحقيقه من خلال مشروع «دار القناع – تاسونا» بتيزنيت.
يمثل هذا المشروع ترجمة ميدانية لمفهوم «الفضاء الثالث»، حيث يلتقي البحث الأكاديمي بالتكوين التربوي، والإبداع الفني بالدبلوماسية الثقافية، بما يحول القناع من أداة تنكر إلى أداة معرفة ورافعة اقتصادية.
5. المرجعية الأنثروبولوجية:
الجسد والذاكرة اعتمد الدكتور الخراط على مرجعيات فلسفية وأنثروبولوجية لفهم كينونة الفرجة، وهو ما يوازي اشتغالنا في «إصوابن» على تفكيك البنيات الرمزية للطقس انطلاقاً من خلفية في التاريخ وعلم الاجتماع. وقد أفضى هذا التقاطع إلى فرجة تتجاوز اللعب السطحي نحو «فرجة عالِمة» تخاطب عقل المتلقي ووجدانه في آن واحد.
إن ما أنجزه الدكتور عز الدين الخراط على المستوى النظري هو ما نناضل من أجله على المستوى الميداني. يمنحنا كتابه بوصلة مفاهيمية توجه ممارستنا، فيما تمنح عروضنا بحثه نبضاً حياً.
إننا، معاً، نؤسس لمسرح أمازيغي لا يكتفي بالبقاء، بل يطمح إلى السيادة الجمالية والكونية.
الحبيب نونو/ مخرج مسرحي (المعرض الجهوي للكتاب – أولاد تايمة الخميس 02 أبريل 2026)



