مقالات

(نساء شكسبير )… بملامح عراقية/ د. اياد طارش

يتحدث الناقد الشكسبيري (دوفر ويلسون) في كتابه الشهير ( مالذي يحدث في هاملت) قائلاَ “إن شكسَبير يطلُب مِنْ كلَّ مُشاهدِ او قارئٍ، أنْ يتعاطفَ معَ بطلهِ، أن يشعرَ معَهُ، أنْ يضعَ نفسَهُ مكانهِ، أن يفهمَ موقفَه، وان يحاولَ، خيالاً، أيجاد حلَّ لهُ”.

مازالت مسرحيات الكاتب الانكليزي (وليم شكسبير) تصنف الفضلى في الادب العالمي، حتى أصبحت محطَّ أنظارِ الجميع من المشتغلين في الأدب والفن من مخرجين وممثلين وكتاب في الحقل المسرحي العراقي على وجه الخصوص والعالمي بصورة عامة، وكذلك من المؤلفين في آلادب واللغة والعلوم المجاورة مثل: (علم النفس والفلسفة والاجتماع)، إذ تعيش شخصيات شكسبير منعطفات كثيرة وتجابه ظروفاً نفسيةً واجتماعيةً وسياسيةً حادةً، تُشكلُّ في النهايةِ أنموذجاً للحياةِ الانسانيةِ، وهذا هو أهم مميزات النص الشكسبيري، وسر عظمته، ولعل من أهم الاسئلة التي تثأر حول هذه النصوص، هو مالذي جَعَلَ من شخصياتها خالدةً ومعاصرةً الى يومنا هذا؟ إذ لا يوجد في الادب شخصيات كتب عنها اكثر مما كتب عنها، كما لايوجد شخصيات مسرحية قدمت على مسارح العالم اكثر من شخصيات (شكسبير)، ومازال الممثلون والممثلات محترفون وهواة يحلمون بتقديمهم شخصيات مثل: (هاملت)، (عطيل)، (الملك لير)، (دزدمونة)، (أوفيليا)، (الليدي مكبث)، ( كليوباترا).الخ، وعلة بقاءِ الشخصيات الشكسبيرية معاصرةٍ وحية الى يومنا هذا، كان قد وصفها الفيلسوف الالماني (فريدريش هيجل) من قرون مضت إذ يقول عنها. “انها أسمى من ظروف حياتها وأسمى من أفعالها، كما تكشف كذلك عن الغنى المطلق للنفس بأعتبارها قوة حقيقية. وهذه الشخصيات تفعل كل ذلك بفضل مخيلتها او مزاجها وامكانياتها”.

أجتهدْ المسرحيون العراقيون في تناولِ نصوصِ شكسبير وتقديمها وفقَ رؤى معاصرةً تبتعدُ عن النصَّ الاصليِ، إذْ منحوا لانفسهم حرية التجريبِ في إعادةِ أنتاج النص الشكسبيري وفق منظور (الهدم والبناء)، عبر تاريخ طويل شهدت خشبات المسرح العراقي قراءات متنوعة تمايز البعض منها بتقديم العرض الاليزابيثي وفق طرازيته، والعض الاخر بالتجريب والابتكار ومغادرة النص الشكسبيري واجتياحه. وياتي عرض ( نساء شكسبير) للمخرج ( حليم هاتف) الذي عرض على خشبة المسرح التجريبي في كلية الفنون الجميلة / جامعة القادسية ومن تمثيل نخبة من الممثلات الوعدات بمناسبة اليوم العالمي للمسرح، عرضاَ جاء ضمن سياق التجريب اذ ينطلق العرض من فكرة أساسية قائمة على تفكيك الثنائيات:

• القوة / الضعف : نساء شكسبير لم تعد مجرد ضحايا، بل تتارجح بين فعل المواجهة واللامواجهة.

• .السلام / العنف: العرض لايقدم السلام محالة نقية، بل كفكرة ملتبسة تنبثق من مركز العنف.

• الحب / الموت : مقتل روميو لايظهر كذروة مأساوية فقط بل كفعل متكرر ومفتوح الدلالة، وكان الحب نفسه يحمل بذرة فنائه داخله.

ان مركزية ( النساء) في عرض ( حليم هاتف) تقرأ بوصفها إعادة كتابة الخطاب الذكوري في النصوص الاصلية لكن هذه الازاحة لاتنتج يقيناَ جديداَ بل تفتح بدورها أسئلة :

هل النساء هنا فاعلات حقاَ ام ما زلن محكومات ببنية الماساة ذاتها ؟

ويجيب المخرج عن هذا السؤال عبر إعادةِ انتاجِ خطابِ النص الشكسبيري وفق الية (الهدم/ البناء)، اذ تمكن من احالة أشكال سابقة الى جديدة ، الى مكان وزمان جديد، من ملفوظ نصي الى فعل ادائي بصري، من ازاحة مراكز الشخصية ( اللغة الشعرية، المرجعيات، الدوافع، الابعاد) الى فتح مساحة من الابتكار والتجريب . وهنا تأتي اهمية قراءة النص الشكسبيري بوصفه من النصوص (البكر)، كما يسميها المخرج الشكسبيري (بيتر بروك)، حيث يقول : انها تسمحُ للتفسيرِ والتفسيرِ، ويعاد تفسيرها مرة اخرى وتبقى بكراً لم تمس، ويكمل (بروك) قوله أن في النص الشكسبيري شيئٍ اكبر من التفسيرِ الذي يحاول ان ينطقَ الكلمةِ الاخيرةِ لكن لايوجد في النص الشكسبيري كلمة اخيرة، فهو نصٌ قابلٌ للتفكيكِ والتأويلِ وبقراءاتِ مفتوحةٍ لا متناهيةٍ .

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية