من الرؤية الكلاسيكية الى الرؤية الحديثة
نحو نظرية لتشكل العمل الدرامي والفني
محمد محبوب
تُعدّ نظرية المحاكاة (Mimesis) من أكثر المفاهيم تأثيراً في تاريخ الفكر الجمالي والنقد الأدبي، إذ شكّلت الأساس النظري الذي انبنت عليه تصورات الفلاسفة والنقاد لطبيعة الفن ووظيفته. وقد عرفت هذه النظرية تحولات عميقة انتقلت بها من فهم يقوم على استنساخ الواقع وتمثيله إلى تصور أكثر دينامية يجعل من العمل الفني فعلاً إبداعياً يعيد إنتاج الواقع وفق رؤية جمالية خاصة. لذلك يمكن الحديث عن مسارين متمايزين داخل نظرية المحاكاة: مسار تاريخي استنساخي ارتبط بالفلسفة الأفلاطونية، ومسار إبداعي ارتبط بالتصور الأرسطي للفن.
ينطلق التصور الأفلاطوني من ثنائية أنطولوجية تقوم على التمييز بين عالم المثل وعالم المحسوسات. فالحقيقة، في نظر أفلاطون، لا توجد في العالم المادي المتغير، وإنما في عالم المثل الذي يضم النماذج الكاملة والثابتة للأشياء. أما الموجودات المحسوسة فليست سوى صور ناقصة لتلك النماذج المثالية. ووفق هذا المنظور يصبح الفن محاكاة لعالم المحسوسات، أي محاكاة لشيء هو في الأصل محاكاة لعالم المثل. ومن ثم فإن العمل الفني يبتعد درجتين عن الحقيقة، الأمر الذي يفسر الموقف المتحفظ الذي اتخذه أفلاطون تجاه الشعراء والفنانين.
وقد أفضى هذا التصور إلى هيمنة نزعة تمثيلية تقوم على أولوية التطابق بين العمل الفني وموضوعه، حيث يصبح معيار الجودة الفنية مرتبطاً بمدى قدرة الفنان على إعادة إنتاج الواقع بكيفية دقيقة. لذلك ارتبط مفهوم المحاكاة في الفكر الكلاسيكي الأول بفكرة النقل والاستنساخ أكثر من ارتباطه بالخلق والابتكار، وهو ما جعل الذات المبدعة تتوارى خلف النموذج الذي تسعى إلى تمثيله.
غير أن أرسطو أحدث تحولاً نوعياً في فهم المحاكاة حين حررها من بعدها الاستنساخي وربطها بالفعل التخييلي. ففي كتابه “فن الشعر” لم يعد الفن نسخاً للواقع، بل أصبح إعادة بناء له وفق قوانين الاحتمال والضرورة. ومن هنا جاءت تفرقته الشهيرة بين المؤرخ والشاعر؛ فالمؤرخ يروي ما وقع بالفعل، أي ما هو كائن، بينما يشتغل الشاعر على ما يمكن أن يقع، أي على الممكن والمحتمل. وبهذا المعنى يغدو الأدب أكثر شمولية من التاريخ لأنه لا يقتصر على تسجيل الوقائع، بل يسعى إلى الكشف عن القوانين العامة التي تحكم السلوك الإنساني.
إن المحاكاة في التصور الأرسطي ليست استعادة آلية للواقع، وإنما عملية تحويل فني يتم من خلالها تنظيم المادة الواقعية وإعادة تشكيلها داخل بنية جمالية جديدة. فالمبدع لا ينقل الواقع كما هو”Le réel “بل ينتقي عناصره ويعيد تركيبها وفق رؤية خاصة تمنحها دلالات جديدة. ومن ثم فانه يميز خطاب الادب المرتكز على الممكن Le possible، حيث لايكتفي المبدع باعادة تمثيل الوقائع بناءها ضمن نظام تخييلي يشتغل عل. الاحتمال والضرورة. بهذا المعنى تغدو المحاكاة فعلاً إنتاجياً يسهم في خلق المعنى بدل الاكتفاء بعكسه. وذلك وفق عملية تحويل جماليTransformation esthétique تنتج دلالة رمزية، وتفتح افقا للتأويل.
وقد وجدت هذه الرؤية امتداداتها في المناهج الحديثة، خاصة في علم النفس التحليلي. فالفن، وفق التصور الفرويدي، لا يعبر عن الرغبات المكبوتة بصورة مباشرة، بل يخضعها لعملية تحويل رمزي تُعرف بالتسامي (Sublimation). فالدوافع الغريزية تتحول داخل العمل الفني إلى صور جمالية ورمزية تسمح للفنان بالتعبير عن توتراته النفسية ضمن إطار إبداعي راقٍ. وبهذا المعنى لا يصبح العمل الفني نسخة من الواقع النفسي أو الاجتماعي، وإنما إعادة صياغة له وفق آليات التخييل والترميز.
وتأسيساً على ذلك يمكن القول إن نظرية المحاكاة انتقلت من فهم تقليدي يجعل الفن مرآة للواقع إلى تصور حديث ينظر إليه باعتباره فعلاً خلاقاً يعيد إنتاج الواقع ويمنحه أبعاداً جديدة. فبينما ارتبطت المحاكاة عند أفلاطون بفكرة التمثيل والاستنساخ، ارتبطت عند أرسطو بمفهوم التخييل والإمكان. ومن هنا تكتسب العملية الإبداعية استقلاليتها بوصفها ممارسة جمالية لا تستهدف نسخ العالم، بل إعادة بنائه وتأويله والكشف عن إمكاناته الكامنة. لذلك لا يمكن النظر إلى الفن باعتباره وثيقة تاريخية أو انعكاساً مباشراً للواقع، بل بوصفه خطاباً رمزياً ينتج معرفة خاصة بالعالم والإنسان
إذا كان فرويد قد فسر الإبداع الفني بوصفه تعبيرًا رمزيا عن الرغبات المكبوتة، وأدلر، بدوره، قد ربطه بمحاولة التعويض عن الشعور بالنقص وتحقيق التفوق، فإن كارل غوستاف يونغ قد منح الإبداع أفقًا أكثر اتساعًا وعمقًا، متجاوزًا التفسير الفردي الضيق للنفس الإنسانية نحو منظور أنثروبولوجي وحضاري شامل. فقد انتقل بالمفهوم من حدود العيادة النفسية ودراسة الاضطرابات الفردية إلى استكشاف البنيات الرمزية العميقة المشتركة بين مختلف الشعوب والثقافات.
يرى يونغ أن اللاشعور لا يقتصر على ذلك الجزء الشخصي الذي يتكون من الخبرات المنسية والرغبات المكبوتة كما ذهب إلى ذلك فرويد، بل يتضمن مستوى أعمق سماه “اللاشعور الجمعي”. وهذا اللاشعور الجمعي لا يتشكل من التجارب الخاصة بالفرد، وإنما يمثل إرثًا نفسيًا وإنسانيًا مشتركًا يتوارثه البشر عبر الأجيال، شأنه شأن الموروث البيولوجي الذي ينتقل وراثيًا. إنه مستودع ضخم تختزن فيه التجارب الإنسانية الكبرى التي راكمتها البشرية منذ فجر التاريخ.
ويضم هذا الخزان الرمزي ما أطلق عليه يونغ اسم “النماذج البدئية” أو (Archetypes)، وهي صور أولية وأنماط رمزية كامنة في أعماق النفس الإنسانية، تظهر بأشكال مختلفة في الأساطير والأديان والحكايات الشعبية والأعمال الفنية. ومن بين هذه النماذج: صورة البطل، والأم الكبرى، والحكيم العجوز، والظل، والطفل الإلهي، والرحلة، والموت والانبعاث. ورغم اختلاف الثقافات والحضارات، فإن هذه الصور تتكرر بصورة لافتة، مما يدل على أنها تنتمي إلى بنية نفسية إنسانية مشتركة.
ومن هذا المنطلق، لا تصبح المحاكاة مجرد نقل للواقع الخارجي أو تمثيل للأحداث اليومية، بل تتحول إلى عملية استحضار لهذه النماذج البدئية وتجسيدها في صور فنية ورمزية. فالفنان، وفق تصور يونغ، لا يبدع انطلاقًا من ذاته الفردية فحسب، بل يصبح وسيطًا تنطق من خلاله الذاكرة الإنسانية العميقة. ومن هنا تكتسب الأعمال الفنية الكبرى طابعها الكوني، إذ تتجاوز حدود الزمان والمكان لتخاطب الإنسان أينما وجد.
إن التراجيديات الإغريقية، والملاحم القديمة، والأساطير المؤسسة للحضارات، بل وحتى الأعمال الأدبية والمسرحية الحديثة، تستمد جزءًا كبيرًا من قوتها وتأثيرها من قدرتها على استدعاء هذه الرموز الكامنة في اللاشعور الجمعي. ولهذا السبب يشعر المتلقي أحيانًا بأن بعض الشخصيات أو الأحداث أو الصور الفنية مألوفة لديه رغم أنه لم يسبق له أن عاشها أو اختبرها بصورة مباشرة.
وفي ضوء هذا التصور، تغدو المحاكاة فعلًا إبداعيًا مركبًا لا يقتصر على إعادة إنتاج الواقع المرئي، وإنما يعيد تشكيله وفق بنى رمزية عميقة تتجاوز الفرد نحو الجماعة الإنسانية بأسرها. فالفن لا يحاكي الواقع فحسب، بل يحاكي كذلك المخزون الرمزي الكامن في النفس البشرية، ويمنحه صورًا جديدة تتلاءم مع شروط العصر وتحولاته.
وهكذا يتبين أن مفهوم المحاكاة قد عرف تطورًا كبيرًا عبر التاريخ الفكري والجمالي. فبينما نظر إليها أفلاطون بوصفها تقليدًا للعالم المحسوس، ورأى فيها أرسطو وسيلة لفهم الواقع وإعادة تنظيمه وفق قوانين الاحتمال والضرورة، فإن علماء النفس الحديث نقلوا مركز الاهتمام من العالم الخارجي إلى العالم الداخلي للإنسان. ومع فرويد أصبحت المحاكاة تعبيرًا عن الرغبات المكبوتة، ومع أدلر أضحت وسيلة للتعويض وتحقيق التفوق، أما مع يونغ فقد تحولت إلى استحضار للرموز الكونية والنماذج البدئية التي تشكل الذاكرة العميقة للبشرية.
ومن ثم فإن المحاكاة لم تعد مجرد مرآة تعكس الواقع، بل أصبحت فعلًا خلاقًا يعيد بناء العالم ويمنحه دلالات جديدة، الأمر الذي يجعل الفن فضاءً للمعرفة والتأويل واكتشاف الذات الإنسانية في أبعادها الفردية والجماعية على السواء.

