متابعات

المخرج مربيا: نحو رؤية معاصرة لتعليم الإخراج المسرحي

د. فاضل الجاف

 

في إطار الندوة الدولية التي نظمها المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي يومي 14 و 15 مايو 2026، والتي خُصصت لموضوع: “الكتابة والإخراج المسرحي.. الروابط، التحولات والبيداغوجيا”، جاءت هذه المداخلة “تدريس الإخراج المسرحي: من التنظير إلى الممارسة التطبيقية لعناصر العرض المسرحي” ضمن أشغال الجلسة الخامسة من اليوم الثاني والتي كانت حول موضوع “البيداغوجية والمواكبة”.

*****************

ملخص الدراسة

تنطلق هذه الورقة من خبرة مهنية وأكاديمية امتدت لسنوات طويلة في مجالي الإخراج المسرحي وتعليمه. فعلى المستوى المهني، استندت إلى تجربة عملية كمخرج مسرحي أنجز عددا من العروض المستندة إلى نصوص عالمية وكلاسيكية ومعاصرة، قدمت بلغات متعددة وفي بلدان مختلفة، الأمر الذي أتاح الاحتكاك المباشر بأنماط مختلفة من التكوين المسرحي. وعلى المستوى الأكاديمي، تستند الورقة إلى دراسة متخصصة لتاريخ الإخراج المسرحي ونظرياته، تجسدت في إنجاز أطروحة دكتوراه في اكاديمية سانت بطرسبرج للمسرح حول المخرج الروسي فسيفولود مييرهولد، أحد أبرز مؤسسي الإخراج المسرحي الحديث، إضافة إلى الحصول على درجة الماجستير في الإخراج المسرحي من جامعة لندن – كلية غولدسميث، فضلا عن تجربة تدريس مادة الإخراج المسرحي في الجامعة والإشراف على مشاريع الطلبة وتأطير ورشات تدريبية متخصصة في الإخراج المسرحي. ومن خلال هذا التداخل بين الممارسة الفنية والبحث العلمي والعمل التربوي، تبلورت فكرة هذه الدراسة التي تبحث في العلاقة بين الإخراج المسرحي وسبل تدريسه، وتنطلق من فرضية أساسية مفادها أن المخرج الذي يدرّس الإخراج هو بالضرورة مربي (بيداغوجي) بقدر ما هو فنان ومبدع.

واستندت الدراسة إلى تحليل عدد من البرامج التعليمية والتجارب الرائدة في تدريس الإخراج المسرحي، ولا سيما في المعاهد الروسية المتخصصة، أكاديمية سانت بطرسبرج/ توفستونوغوف، ومعهد فاختانغوف، إضافة إلى تجربة جامعة غولدسميث البريطانية وبعض المعاهد المسرحية في دول الشمال الأوروبي. وتهدف إلى استكشاف الأسس التربوية والفنية التي تجعل من تعليم الإخراج المسرحي عملية مركبة تجمع بين المعرفة النظرية والتدريب العملي والتكوين الإبداعي.

وتؤكد الورقة أن المخرج المربي لا يقتصر دوره على نقل المعارف التقنية، بل يتجاوز ذلك إلى بناء شخصية الطالب الفنية وتطوير قدرته على التفكير النقدي والتحليل الجمالي وقيادة العملية المسرحية.

وتناقش الورقة عددا من التحديات التي تواجه تدريس الإخراج المسرحي، من بينها ضيق الوقت المخصص للتحليل المعمق للنصوص، واستعجال الطلبة في الانتقال إلى التنفيذ قبل استيعاب الرؤية الفكرية للعمل، فضلا عن الميل المتزايد نحو التركيز على المؤثرات التقنية والوسائط البصرية والسمعية على حساب المضامين الفكرية والجمالية.

كما تبرز الورقة أهمية التعلم بالممارسة (Learning by Doing) بوصفه الركيزة الأساسية في تكوين المخرج المسرحي. فالمعرفة الإخراجية لا تكتمل من خلال المحاضرات النظرية وحدها، وإنما تكتسب عبر التجريب العملي والإيتود والارتجال والورش التطبيقية. وينظر إلى الإيتود بوصفه مختبرا لاكتشاف الحلول المسرحية وتطوير الخيال الإخراجي وبناء العلاقة الحية بين المخرج والممثل.

وتشدد الدراسة على أن تدريس الإخراج المسرحي ينبغي أن يتم على يد مخرج محترف يجمع بين الخبرة العملية والكفاءة التربوية والقدرة البحثية. فالمربي الممارس هو الذي يمتلك تجربة احترافية حقيقية في الإخراج، وخبرة تعليمية قادرة على نقل المعرفة، وخلفية نظرية تسمح له بربط الممارسة بالإطار الفكري والجمالي الأوسع. وتؤكد التجارب التي تناولتها الورقة أن غياب هذا التكامل ينعكس سلبا على مستوى الخريجين وعلى قدرتهم على الاندماج في الحياة المسرحية المهنية.

وفي إطار بناء المنهج التعليمي، تقترح الدراسة مسارا تكوينيا متدرجا ينتقل فيه الطالب عبر ثلاث مراحل فكرية وجمالية أساسية. تبدأ المرحلة الأولى بالواقعية النفسية المستمدة من ستانيسلافسكي، حيث يتعلم الطالب فهم الممثل وبناء الفعل الدرامي من الداخل. ثم ينتقل إلى مرحلة التمسرح والأسلبة والمسرح الشرطي عند مييرهولد والمسرح الملحمي عند بريخت، حيث يكتشف إمكانات الشكل المسرحي وآليات بناء اللغة الإخراجية. أما المرحلة الثالثة فتتمثل في المسرح الطقسي عند آرتو وغروتوفسكي، حيث يصبح المسرح أداة للكشف عن المستويات العميقة والخفية في التجربة الإنسانية.

كما تتناول الورقة التحولات التي فرضها مسرح ما بعد الحداثة على تعليم الإخراج، حيث أصبح العرض المسرحي فضاءً مفتوحاً للتجريب والتداخل بين الفنون والوسائط المختلفة. ومن هنا تبرز أهمية تدريس جماليات التفكيك وإعادة التركيب، والكولاج المسرحي، والتناص، وتعدد مستويات الزمن والفضاء، إلى جانب توظيف الوسائط الرقمية، والفيديو، والتصميم الصوتي، والمسرح التفاعلي، والعمل على تطوير مهارات الأداء الجسدي والمسرح الفيزيائي.

وتخلص الورقة إلى أن تعليم الإخراج المسرحي هو عملية تربوية وإبداعية معقدة تهدف إلى إعداد مخرج واع ومبدع يمتلك القدرة على فهم النص، وقيادة الممثل، وبناء لغة مسرحية خاصة، وتحويل الرؤية الفنية إلى عرض حي متكامل. كما تؤكد أن تطوير برامج تعليم الإخراج في العالم العربي يقتضي الاستفادة من التجارب الدولية الرائدة، مع تكييفها وفق السياقات المحلية، وتعزيز البنية التحتية المسرحية، وتوسيع مساحة التدريب العملي، وإعادة بناء أنظمة التقييم على أساس الإنتاج والإبداع لا على أساس الامتحانات التقليدية، بما يسهم في إعداد جيل جديد من المخرجين القادرين على مواكبة التحولات الجمالية والثقافية للمسرح المعاصر.

 

الفيديو والصور: بشرى عمور

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية