قراءة نقدية في عمل خيالي-علمي، تأليفًا وإخراجًا: شاهين داستار
مهدي منصور
«التيلومير» عنوانٌ مستعارٌ من علم البيولوجيا الجزيئية؛ فالتيلوميرات هي تتاليات متكررة تقع في نهايات الكروموسومات، تتقلّص تدريجيًا مع كل انقسام خلوي، ولذلك تُعدّ، بمثابة ساعة بيولوجية، مؤشرًا على التحاتّ والفناء الحيوي. واختيار هذا العنوان لعمل ينتمي إلى جنس المسرح الخيالي-العلمي ليس استعارة زخرفية محضة، بل مفتاحًا وجوديًا للدخول إلى عالم العرض؛ عالمٌ يختار فيه شاهين داستار، بدل الارتكان إلى الفعل الدرامي بمعناه الأرسطي، أن يجعل من المخيال الجماعي قوةً محرّكة للسردية، ويُرسّخ هذا التحوّل في سياق حداثة لازمانية ولامكانية، متحرّرة من إحداثيات تاريخية وجغرافية محددة. وفي إطار كهذا، لا يكون «التيلومير» عنوانًا فقط، بل دالًّا يُفعّل في ذهن المتلقي، منذ اللحظة الأولى، معاني التحاتّ والتكرار وإمكان التجدد.
من زاوية الشكل وهندسة الخشبة، يُظهر العمل رؤية إخراجية متماسكة وواعية. فقد تمكّن داستار، في تصميم الديكور والإضاءة والميزانسين، من خلق تماسك بصري لافت، والحفاظ على لغة مكانية واضحة طوال العرض؛ ما يضع هذا العمل في عداد التجارب الجريئة والقليلة النظير في المسرح الخيالي-العلمي ضمن المشهد المسرحي المعاصر. إلا أن هذا الإخراج نفسه لم يبلغ، على مستوى توجيه الممثلين ومعالجة تفاصيل أداء الأدوار الرئيسية، الدقة البنائية ذاتها؛ وهو قصورٌ يقلّص، في الانطباع الأول، من معامل تأثير العمل ككل، ويخلق فجوة ملموسة بين الوعد البصري للعرض وتحققه على مستوى التمثيل. وفي المقابل، أظهر الممثلون الثانويون، في معالجة الانتقالات والحركات التعبيرية ضمن الميزانسين، أداءً دقيقًا ولافتًا، يخفّف إلى حدٍّ ما من وطأة هذا القصور.
يُعدّ تصميم الإضاءة أحد الجوانب القابلة للتحليل في هذا العرض. ففي بعض المقاطع، تحتضن الإضاءة الممتدة والشاملة الفضاء بنجاح، وتشكّل المناخ العام للمشهد؛ بينما في لحظات أخرى، يأتي استخدام البؤرة الضوئية المفردة (الشعاع المركّز) بدقة أكبر، فيُبرز الميزانسين ويوجّه نظر المتلقي. وهذا التناوب بين الإضاءة الشاملة والإضاءة الموضعية كان أحد الأدوات الفعّالة التي استخدمها داستار في السرد البصري.
من منظور سيميائي، يحمل استخدام الشكل الدائري والكروي، كعلامة فلسفية للتغيّر والتحوّل، توافقًا دلاليًا لافتًا مع المفهوم الجوهري لـ«التيلومير» – التتاليات المتكررة والحلقية – ويُعدّ من أبرز جماليات العمل المفهومية؛ علامة كان من الممكن، لو جرى تطويرها بعمق أكبر، أن تتحوّل إلى محور تأويلي للعرض بأكمله. ومع ذلك، فإنّ غياب الانسجام الإدراكي في الأداء الجماعي لهذا الشكل جعل هذه العلامة، بدل أن تترسخ في ذهن المتلقي ككليّة متماسكة، تتحوّل إلى نقطة ضعف في إيقاع الإدراك لدى المتلقي.
كما تتسم الموسيقى في هذا العرض بوظيفة مزدوجة: ففي بعض المشاهد، تخدم الفضاء بشكل جيد وتعزّز الحمولة الحسية للحظات، بينما في مقاطع أخرى يكون حضورها ناقصًا وخافتًا، وهو ما يشير إلى تصميم موسيقي غير مكتمل يحتاج إلى مراجعة وإضافات.
وفي التقييم النهائي، يمكن القول إنّ «التيلومير» يختلف، في كليته، اختلافًا جوهريًا عن غالبية التجارب المسرحية السائدة؛ فهو ينتمي إلى جنسٍ صعب، بعيد عن التشكيل والفيزيائية التقليدية للمسرح، وهو وإن كان يعاني من قصور على مستوى الأداء، إلا أنه تمكّن، في الحصيلة العامة، من إبقاء المتلقي مشدودًا حتى النهاية، وأحدث فيه رضًى نسبيًا. ولقد أثبت شاهين داستار، من خلال هذه التجربة، أنه يملك الجرأة على دخول أرضٍ مجهولة وقليلة التجربة في المسرح الخيالي-العلمي؛ تجربة يمكن أن تكون، في امتداد الخطاب العالمي للمسرح التأملي (السبيكيوليتيف) والخيالي-العلمي، بداية لتشكّل لغة جديدة وبينيّة-نصية على خشبة المنطقة.

