- “حين قرأت انتيغون” مشروع تخرج الدفعة الحادية عشرة لمدرسة الممثل تأطير وانجاز المخرج.
- المسرحي الدكتور نزار السعيدي امام لجنة المناقشة.
- وقصي العربي السنوسي لأول على دفعته… Major de promotion
- نزار السعيدي وطلبته في مواجهة “الصوت الواحد”.. والنص البريشتي يرتد على الممثلين…
يحدث لاول مرة تقريبا ان تتولى لجنة أكاديمية مختصة مناقشة عرض تخرج على امتداد ما يقارب الاربع ساعات في جلسة نقاش مفتوحة ودون توقف وذلك بحضور الطلبة أصحاب المشروع ومؤطرهم الدكتور المخرج نزار السعيدي..
حدث ذلك مساء أمس السبت 1 أوت/أغسطس 2026 بقاعة الفن الرابع بالعاصمة التونسية التي شهدت حضورا جماهيريا كبيرا ونوعيا حيث تم عرض مسرحية ” حين قرأت أنتيغون” على امتداد ساعة وعشرين دقيقة وهي مشروع تخرّج الدفعة الحادية عشر لمدرسة الممثل بالمسرح الوطني وبعد العرض مباشرة مٓثُل الطلبة ومؤطرهم نزار السعيدي أمام لجنة أكاديمية مختصة حيث امتد النقاش الى حدود الساعة الواحدة والنصف ما بعد منتصف الليل وقد تكونت اللجنة من الدكتورة بسمة الفرشيشي والدكتور والناقد المسرحي محمد مومن والاستاذ و المخرج المسرحي حسن المؤذن والاستاذ والمسرحي خالد بوزيد….
في البداية طلبت رئيسة اللجنة الدكتورة بسمة الفرشيشي من الطلبة تقديم المشروع كل على حده ..كيف بدأ المقترح..؟ وكيف كان تعاطيهم مع النص البريشتي..ومع نص كلاسيكي يعتبر من العلامات الكبرى الاكثر تعقيدا ضمن المدونة النصية العالمية..؟ وما المرجعيات المعتمدة في مستوى الإختيارات الفنية والجمالية..؟ وقد جاءت اجابات الطلبة دقيقة ومستفيضة تنم عن وعي معرفي يعكس جدية الدروس النظرية والتطبيقية التي تلقوها على امتداد سنتين دراسيتين بالمدرسة وتعكس ايضا جدية العمل التأطيري المتعب الذي أنجزه الدكتور و المخرج المسرحي نزار السعيدي الذي تحدث بصفته المشرف على انجاز العمل ومؤطره في مستوى الكتابة والاخراج وأشار الى أن المسرحية قد تم انجازها في وقت قياسي وخلال شهر واحد تعرض خلاله الطلبة الى ضغط نفسي ثقيل ومتعب وهو الضغط. كما ذكر السعيدي الذي ساهم ربما في تحفيز طاقاتهم الكامنة وفي دفعهم للبروز بهذه الامكانيات الأدائية وبهذا الحضور الذهبي والجسدي المذهل لقد كان التمرين صعبا وقاسيا تماما كصعوبة النص البريشتي الذي اعتمدناه كمقترح للبروفة وقد ” اصطدم” به الطلبة (الممثلون) اشتبكوا معه وأعادوا تمثّله الآن وهنا وبأسئلة الراهن السياسي والمجتمعي في علاقة بالسلطة والعدالة والقوة والقانون…
الدكتور محمد مومن قدم في الواقع درسا نظريا مستفيضا تحدث فيه عن أنتيغون (سوفوكليس) وانتيغون (النص البريشتي) ومدى صعوبة التعاطي مع هذه الكلاسيكيات الكبرى، وقد تردد على ابوابها كبار المسرحيين والسينمائيين في العالم.. وفي تونس ثمّة من تردد عليها وحاول ملامستها ثم تراجع لاسباب جمالية ومعرفية يضيق المجال لذكرها ثم تحدث الدكتور محمد مومن عضو لجنة المناقشة بعد ذلك عن أداء الممثلين وعن النص واختيارات المخرج الفنية والجمالية وعبّر بوضوح عن “الأداء الرهيب” للممثل قصي السنوسي (والتعبير للدكتور محمد مومن) مع تنويه بجدية الطاقات الأدائية لباقي الممثلين وجدية العمل بشكل عام.
الاستاذ خالد بوزيد بدوره قدم درسا نظريا حول الممثل والشخصية والشخص والقناع (والممثل البريشتي) وتحدث عن أداء الممثلين وذكاء المقاربة التي اقترحها المخرج نزار السعيدي مع طلبته مؤكدا على جدية مدرسة الممثل بالمسرح الوطني واهمية ما تقدمه نظريا وتطبيقيا.
المخرج المسرحي حسن المؤذن كان له ايضا تدخل نظري تحدث فيه عن أداء الممثل والذاكرة الانفعالية وأهمية التكوين بمدرسة الممثل ثم طرح عديدة الاسئلة من حول العمل المقترح مشيدا بأهمية العمل الجماعي وبجدية ما قدمه نزار السعيدي مع طلبته رغم ضيق المدة الزمنية التي تم خلالها انجاز العمل..
واختتمت الدكتورة بسمة الفرشيشي رئيسة اللجنة الجلسة بتأكيدها ايضا على أهمية التجربة ما يعكس جدية التكوين بالمدرسة وايضا جدية العمل الكبير الذي قام به نزار السعيدي في توقيت قياسي، وقد اشادت الباحثة بالطاقات الأدائية الكبرى والتيقض الذهبي المذهل الذي كان عليه عدد من الممثلين ثم أعادت الكلمة للطلبة للتعقيب وللاجابة عن أسئلة أعضاء اللجنة التي اجتمعت بعد ذلك على انفراد للنقاش ولتعلن عن النتائج في الساعة الواحدة والنصف ما بعد منتصف الليل ما يعكس جدية ومصداقية عملها ونتائجها حيث تفاوتت الاعداد الممنوحة للممثلين. وجاء قصي العربي السنوسي الأول على الدفعة..Major de promotion
ختاما :
نؤكد بدورنا على أهمية التكوين وجدية العمل النظري والتطبيقي الذي تقدمه مدرسة الممثل بالمسرح الوطني التونسي بادارة الفنان الدكتور معز المرابط وهي مؤسسة انتاج وتكوين اثبتت في السنوات الأخيرة ثقلها في الساحة المسرحية التونسية والعربية بما قدمته من انتاجات مسرحية كان لها حضور كبير وتم تتويجها على كل المسارح العربية إضافة إلى ما تقدمه المدرسة للساحة المسرحية من كفاءات مهنية في مختلف الاختصاصات بما حوّل المؤسسة إلى مؤسسة مرجعية في مستوى التكوين والانتاج.
(حين قرأت أنتيغون)
نزار السعيدي وطلبته في مواجهة “الصوت الواحد.”..
في الأخير (تكثيفا لا استفاضة) تنويه بالعمل الكبير الذي قدمه نزار السعيدي ضمن هذا المقترح الذي أنجزه مع طلبته تحت عنوان : “حين قرأت أنتيغون” ومقاربته الذكية للنص البريشتي الذي كان مجرد تعلة “لبروفة” داخل فضاء مغلق، بحيث ارتدّ النص على الممثلين بل تحوّل إلى “مأزق” شبيه بفجوة سوداء عميقة لا خلاص منها ولا نجاة.. نزار السعيدي تخلص في الواقع من النص البريشتي واعاد كتابته كتابة نقدية مكثفة من أجل مواجهة ومساءلة طبيعة المرحلة في علاقة بأسئلة السلطة المطلقة والصوت الواحد والحاكم الفرد المستبد” .. “نحن لا نخاف من صوتك بل نخاف من ان يكون صوتك هو الصوت الوحيد الذي نسمعه”.. هكذا تجيء الصرخة مباشرة ودون مواربة من أمام “ميكروفون” الادانة..
لقد طوّع السعيدي النص البريشتي لمساءلة الراهن السياسي والمجتمعي الآن وهنا وهو ما فعله “بريشت” نفسه حين تعاطى مع النص الاصلي.. فالمعارضة لديه مثلا لا تتجلى كما تجلت في النص الاصلي بمعارضة “انتيغون” قرار “كريون” بعدم دفن شقيقها بل كانت معارضة للسلطة النازية المطلقة والمستبدة.. وهو ما فعله نزار السعيدي في ادانته للصوت الواحد وللسلطة المطلقة من داخل اشارات مكثفة ودون اسقاطات فجة ومباشرة.. بل عبر خطاب نقدي لا يخفي نبرته التوعوية المحفزة للعقل وللسؤال وللصراخ وللتفكير بصوت عال.. لذلك لم يكن استعمال “الميكروفون” مجرد عنصر بصري لتعديل نظام الصوت.. بل دلالة مركزية بريشتية مباشرة تخاطب عقل المتلقي وتدعوه إلى التفكير و إلى التأمل النقدي.. والى تشغيل الوعي من أجل مقاومة “الصوت الواحد”.. “فالميكروفون” هو صوت السلطة الباطلة أوالمستبدة.. أو هو صوت الحق والاحتجاج .. وهو ملحميا للتعبير عن حالة الزيف والاغتراب في المجتمعات الحديثة..
ولم تختلف الموسيقى وظيفيا عن وظيفة “الميكروفون”..بحيث جاءت ذات نزوع تغريبي لكسر الايهام ولاستفزاز عقل المتلقي ولحفز وعيه النقدي ..فالممثل\ العازف على “الباطري” Batterie “والغيتارة” Guitare _هنا_ كان مرئيا ومباشرا.. وهذه تقنية بريشتية في الواقع ويحبذها بريشت الذي يتعمد إضاءة الجوقة الموسيقية في كل أعماله لتحقيق ما يسمى بالنزوع التغريبي لكسر الايهام ولخلق حالة من التوتر لدى المتلقي ولدعوته الى التيقّض والى تشغيل عقله النقدي ..
“حين قرأت أنتيغون” عمل مسرحي تم تقديمه كمشروع تخرّج لطلبة الدفعة الحادية عشر لمدرسة الممثل ونعتقد أنه يمكن ان يتحول الى مشروع مسرحي كبير وله كل الامكانيات لذلك..
في الأخير لا بد من التنويه بالطاقات الأدائية الكبرى و الحضور الجسدي والذهني للممثلين جيل المرحلة.. فالممثل في هذا العمل”بريشتي” بامتياز كما أراده المخرج نزار السعيدي .. فلا عواطف ولا انغماسات في الوهم بل هو ممثل ناقد ومتيقض.. يتكلم بصوت عال ولا يصرخ ويخاطب الجمهور مباشرة مع “تغريب” الأداء إن صح الاستعمال لكسر الايهام ولاستنهاض عقل المتلقي حتى يستفيق من غيبوبته …
فشكرا لكل الممثلين شباب المرحلة : مريم حمدة وسيرين العويديدي ومحمد علي البليش وفادي رمان وباسل الدكاك ومحمد العربي الغضباني وعمر حنفي وقصي العربي السنوسي فقد كنتم كلكم Des majors de promotion


