قراءة نقدية في مسرح القسوة الاجتماعية
بقلم: إسماعيل العباسي
في نصه المسرحي الصادم “الرجل الذي استحال كلبًا”، يقدّم الكاتب الأرجنتيني أوزفالدو دراغون واحدة من أكثر الصور قسوةً عن الإنسان حين يُدفع إلى حافة البقاء…
وفي مقاربة إخراجية معاصرة، قدّم المخرج برهم أحمد صالح رؤية اشتغلت على تفكيك النص بصريًا وإعادة تركيبه عبر الجسد بوصفه مركز العلامة المسرحية. لم يتعامل مع النص بوصفه حكاية تُروى، بل كحالة تُبنى تدريجيًا داخل فضاء ضاغط، يُحاصر الشخصية ويعيد تشكيلها.
اعتمدت الرؤية على اقتصاد قاسٍ في العناصر السينوغرافية، حيث تم تقليص الديكور إلى إشارات حدّية، تُحيل إلى المكان دون أن تصفه، ما جعل الفضاء يبدو مفتوحًا ظاهريًا، لكنه مغلق دلاليًا. هذا التناقض بين الفراغ البصري والاختناق النفسي خلق توترًا مستمرًا، يُوازي رحلة التحول الداخلي للشخصية.

الإضاءة لم تكن وسيلة إظهار، بل أداة كتابة. فقد اشتغلت على تقسيم الجسد إلى مناطق ظهور واختفاء، وكأن الإنسان يتفكك أمام أعيننا. الانتقالات الضوئية لم تكن حادة، بل زاحفة، تُحاكي بطء التحول، وتُرسّخ فكرة أن المسخ لا يحدث دفعة واحدة، بل يتسلل بهدوء.
أما على مستوى الإيقاع، فقد بُني العرض على تصاعد جسدي-زمني، يبدأ من حركة إنسانية طبيعية، ثم ينحرف تدريجيًا نحو إيقاع متكرر، أقرب إلى السلوك الحيواني. هذا التكرار لم يكن عبثيًا، بل اشتغل بوصفه آلية ترويض، حيث يتحول الجسد من كيان حر إلى كيان مُبرمج.
الصوت كذلك لعب دورًا مركزيًا؛ إذ لم يقتصر على الحوار، بل تم توظيفه كطبقة درامية موازية. الأصوات المحيطة—سواء كانت واقعية أو مجردة—ساهمت في خلق بيئة سمعية ضاغطة، تُشعر المتلقي بأن الشخصية ليست فقط محاصرة بالمكان، بل أيضًا بمنظومة غير مرئية من السيطرة.
وفي قلب هذه الرؤية، جاء أداء الممثل مصطفى صوفي بوصفه المحرّك الأساسي للعرض. اشتغل على الجسد كمسار تحوّل، لا كوسيلة تعبير فقط. بدأ بأداء واقعي متزن، ثم راح يُفكك هذا التوازن تدريجيًا: اختلال في الوقفة، انكسار في العمود الفقري، تغيّر في مركز الثقل، وصولًا إلى حركة أقرب للغريزة منها إلى الوعي. لم يكن التحول استعراضًا جسديًا، بل مسارًا داخليًا يتجسد خارجيًا.
الأهم في هذا الأداء أنه تجنّب الوقوع في الكاريكاتير؛ فلم يُقدّم “كلبًا” بالمعنى السطحي، بل إنسانًا يُسحب ببطء نحو الحيوانية. هذا الفارق الدقيق هو ما منح العرض عمقه، وجعل المتلقي لا يشاهد التحول فقط، بل يشعر به.

بهذا المعنى، لم تكن الرؤية الإخراجية إعادة تقديم للنص، بل قراءة موازية له، تُعيد طرح أسئلته عبر أدوات بصرية وجسدية. لقد تحوّل العرض إلى تجربة حسية، لا تكتفي بطرح الفكرة، بل تُجبر المتلقي على عيشها.

