حوارات

لقاء مع المخرج المسرحي والكاتب د.فاضل الجاف

المسرح عندي ليس مجرد شغف، بل هو عشق

 

الإعداد: الأدب وثقافة قناة الحدثRudaw

 

موقع الغارديان البريطاني، رغم اهتمامه الكبير والمكثف بمجال الثقافة والأدب، يواصل البحث عن طرق وأسئلة جديدة لمحاورة الكتّاب. وهذه المرة أعدّ مجموعة من الأسئلة الدقيقة واللافتة لعدد من الكتّاب، حيث إن قراءة هذه الأسئلة، وما وراءها من أهداف، إضافة إلى إجابات الكتّاب، تمثّل أمورا يسعى القرّاء دائما لمتابعتها لدى الكتّاب. من قبيل أفضل كتاب، أفضل كتابة، أفضل وأحب شخصية، والعديد من التفاصيل الأخرى التي تجعل قراءة إجاباتهم على ألسنة الكتّاب ممتعة، وتفتح في الوقت نفسه أفقا وخيالا لدى القارئ حول بعض الكتب والقصص.

أما محاولتنا هنا، فهي أخذ تلك الأسئلة وتوجيهها إلى مجموعة من الكتّاب والأدباء الكورد، لا سيما أن الحديث في هذا المجال بشكل مختصر، وطرح مثل هذه الأسئلة، قليل في وسطنا الثقافي، ولا شك أن قرّاءنا يبحثون عن إجابات لها.

في حوارنا السادس عشر، يجيب الكاتب والمسرحي فاضل الجاف عن هذه الأسئلة.

  

الحدث: ماذا تقرأ هذه الأيام؟

فاضل الجاف: أنا منشغل حاليا بقراءة كتاب بعنوان «كيف تفهم الموسيقى العظيمة وتستمتع بها»، وهو في الأصل سلسلة محاضرات أكاديمية للبروفيسور روبرت غرينبرغ حول كيفية الاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية وفهم بنيتها.

على مدى سنوات، كان هدفي التعمّق في أسس الموسيقى، ولا سيما الموسيقى الكلاسيكية، لأن فهم قواعدها شرط أساسي لتذوقها بصورة صحيحة. فبدون استيعاب هذه القواعد، يصعب إدراكها كما ينبغي، وتبقى متعتها الفنية الكاملة بعيدة المنال.

للأسف، ومن خلال احتكاكي بالوسط الثقافي، نادرا ما صادفت في اللقاءات والنقاشات من يعبّر عن حبه للموسيقى الكلاسيكية عن معرفة حقيقية، إذ يكتفي كثيرون بالادعاء بالاستماع إليها بوصفها علامة على الرقي الثقافي. لذلك سعيت إلى تعميق فهمي، فاطلعت حتى الآن على عدد من الكتب القيّمة في هذا المجال.

وإذا سئلت عن سبب هذا الاهتمام بالموسيقى، أجيب باختصار: إلى جانب شغفي بها منذ الطفولة، أؤمن بأن على كل مخرج محترف أن يمتلك معرفة راسخة بأسس الموسيقى وقوانينها. وليس من الضروري أن يعزف على آلة موسيقية، وإن كان ذلك ميزة إضافية، لكن من المهم أن يكون ملمّا بعناصر مثل الإيقاع والهارموني والتأليف والتمبو والكونترابوينت.

وتزداد أهمية هذا الأمر لدى مخرج المدرسة الإخراجية لمييرهولد، لأن الموسيقى، وفق منهج مييرهولد، ليست مجرد عنصر مكمّل، بل تمثل أنفاس العرض ونبضه.

الحدث: ما الكتاب الذي غيّر حياتك؟

فاضل الجاف: الكتاب الذي أحدث تحولا حقيقيا في رؤيتي للحياة هو «الوجودية فلسفة إنسانية» لـ جان بول سارتر. قرأته عام 1972 في بغداد، عندما كنت في العشرين من عمري. ورغم أنه يعد من أبسط كتب سارتر، فإنه كان بالنسبة إليّ من أعمقها أثرا.

من خلاله تعرّفت للمرة الأولى إلى الفكر الوجودي، وتبنّيت رؤيته. لقد فتح لي سارتر آفاقا جديدة لفهم ذاتي والعالم من حولي، وعلّمني أن حياة الإنسان مشروع يتولّى مسؤوليته بنفسه، وأنه هو من يصوغ مسارها. وكان إدراك معنى تحمّل المسؤولية الكاملة عن الذات أهم ما خرجت به من تلك التجربة.

وكما يقول سارتر: الحياة مشروع بين يديك. هذا الإيمان أنقذني في شبابي من الوقوع في أفكار سلبية كثيرة، وتحول منذ ذلك الحين إلى مصدر دائم للطاقة والحيوية، ودافع للعمل من أجل تحقيق أهدافي.

الحدث: ما الكتاب الذي غيّر وجهة نظرك في المسرح؟

فاضل الجاف: ترتبط رؤيتي للمسرح ارتباطا وثيقا برؤيتي للحياة، ولم يؤثّر فيها كتاب بقدر ما فعل « حول المسرح» لـ فسيفولود مييرهولد. صحيح أن هناك كتبًا أخرى في الفن أسهمت في تشكيل رؤيتي بدرجات مختلفة، مثل كتيّب برتولت بريخت «الأورغانون الصغير»، وهو نص موجز لا يتجاوز ثمانين صفحة، لكنه يتطلب إلماما بتاريخ المسرح وتطوّراته، فضلا عن خلفية فلسفية ومعرفة بعلم الاجتماع. وينطبق الأمر نفسه على كتاب «الفضاء الخالي» لـ بيتر بروك.

لكن اللحظة الفارقة كانت في ثمانينيات القرن الماضي، حين قرأت في دمشق كتاب مييرهولد” حول المسرح” بترجمة الدكتور شريف شاكر. فقد شكّل بالنسبة إليّ اكتشافا حقيقيا. شعرت أنني أعثر فيه على أفكار كانت تراودني، لكنني لم أتمكن من صياغتها كما فعل هو. وأتذكر هنا قول يفغيني فاختانغوف، الذي قرأ الكتاب وهو على فراش الموت وقال: “كنت أفكّر بكل هذا”

الحدث: كتاب كنت تتمنى أنك من كتبته؟

فاضل الجاف: «هكذا تكلم زرادشت» لـ فريدريش نيتشه. كثيرا ما أفكر في الكتابة بأسلوب قريب منه، أو بأسلوب «النبي» لـ جبران خليل جبران، لما بين العملين من تقارب في الروح والنبرة.

الحدث: كتاب أثّر في أسلوب كتابتك؟

فاضل الجاف: لا أستطيع تحديد كاتب بعينه، لكن قراءتي باللغات الأوروبية، ولا سيما السويدية والإنجليزية، كان لها أثر واضح في أسلوبي، خاصة بعد انقطاعي لفترة عن القراءة بالعربية. تعلّمت من الكتّاب الأوروبيين الميل إلى البساطة والوضوح. وأدين بالكثير في هذا الجانب لأستاذتي المشرفة على أطروحتي لنيل الدكتوراه، البروفيسورة غالينا تيتوفا، التي أرشدتني إلى حذف الزوائد اللغوية، وتجنّب الجمل غير الضرورية، وصياغة لغة بحثية دقيقة وواضحة ذات دلالة محددة. كما يمكنني القول إن قراءتي المتأنية لكتابات مييرهولد حول البنائية المسرحية تركت أثرا ملحوظا في أسلوبي في الكتابة المسرحية.

الحدث: كتاب أبكاك؟

فاضل الجاف: رواية «أولاد حارتنا» لـ نجيب محفوظ، وخصوصا الجزء الذي يتناول شخصية رفاعة ومقتله. قرأت هذا المقطع مرات عديدة، وهو يثير في داخلي حزنا روحيا عميقا، لا حزنا نفسيا كئيبا، إلى درجة أن دموعي تنهمر أحيانا. رفاعة عند محفوظ رمز للمسيح، حتى إن اسمه يحمل دلالة على الارتقاء، أي أن الله يرفعه إلى السماء.

أما في الأدب الكردي، فلم يؤثر فيّ من حيث اللغة والأسلوب الكاتب مثل شكور مصطفى. إن كل أعماله، سواء في الترجمة أو التأليف، تمثل بالنسبة لي معيارا لغويا وأسلوبيا رفيعا في اللغة الكردية. وهذا لا يعني القدرة على تقليده، فالكبار لا يقلّدون. أراه من أعظم الكتّاب الأكراد من حيث اللغة والأسلوب خلال الخمسين سنة الأخيرة.

الحدث: كتاب تهديه؟

فاضل الجاف: إذا أردت إهداء كتاب كردي، فسأختار دون تردد ديوان الشيخ رضا الطالباني، بتحقيق شكور مصطفى، لأنه يجمع بين عبقرية الشاعر وعبقرية المحقق، ويمنح القارئ متعة أدبية ولغة رصينة.

الحدث: ما الخير في نظرك؟

فاضل الجاف: أن تسعى لجعل العالم مكانا أفضل وأكثر راحة للآخرين ولذاتك.

الحدث: صفات الرجل الجيدة؟

فاضل الجاف: أن يحترم المرأة ويحبها.

الحدث: صفات المرأة الجيدة؟

فاضل الجاف: الحنان، اللطف، العاطفة، والمحبة.

الحدث: أهم صفة في أصدقائك؟

فاضل الجاف: الوفاء. ذات مرة سألني صديقي الكاتب الراحل محمود زامدار عن أكثر ما يعجبني فيه، فقلت: الوفاء.

الحدث: ماذا تحب؟

فاضل الجاف: أحب القراءة، والموسيقى، والشعر، والسفر، وتناول الآيس كريم، وأكثر من ذلك أحب صداقة النساء. ولا أذكر المسرح هنا لأنه ليس مجرد حب بالنسبة لي، بل هو عشق.

الحدث: كيف تعرّف السعادة؟

فاضل الجاف: بحثت عن مفهوم السعادة سنوات طويلة، ربما عشرين عاما، وقرأت معظم ما كتب حولها. أرى أن البوذيين كانوا الأقرب إلى فهمها، وخاصة الدالاي لاما في كتابه “فن السعادة. في المحصلة، لا تملك السعادة تعريفا ثابتا، إذ تتباين من إنسان إلى آخر. بالنسبة لي تكمن السعادة في فعل الإبداع نفسه، وخصوصا في العمل المسرحي الجماعي، كمخرج أو مدرّب أو أستاذ.

الحدث: ما أكبر تعاسة؟

فاضل الجاف: أن يعجز الإنسان عن أن يكون سعيدا، وأن يظن أن السعادة تأتي من الخارج لا من داخله.

الحدث: أين تود أن تعيش؟

فاضل الجاف: رغم زيارتي لبلدان جميلة ومتقدمة، فإنني أرغب في العيش في كوردستان.

الحدث: لونك وزهرتك المفضلة؟

فاضل الجاف: أحب الورود الحمراء وشقائق النعمان، وأحب رائحة القرنفل. أما الألوان فأميل إلى الأصفر والبنفسجي، وأعجب كثيرا بطريقة استخدام فان غوخ لهما، في ملابسي، أجد متعة خاصة في الجمع بين الأحمر والأسود.

الحدث: كتّابك المفضلون؟

فاضل الجاف: كثيرون جدا. من الإغريق الكلاسيكيين إلى شكسبير وموليير، والروائيين الروس الكبار، وكافكا وتشيخوف، وسارتر وكامو، وكتّاب مسرح اللامعقول، وفيرجينيا وولف، وغارسيا ماركيز، وأرييل دورفمان، ومن العرب نجيب محفوظ، ومن الكورد مسعود محمد، وشكور مصطفى، وهەژار، وعزيز گردي.

الحدث: شاعرك المفضل؟

فاضل الجاف: الشعر هو جوهر الأدب والفن، وهو الأقرب إلى المسرح لطبيعته الدرامية. من الشعراء الكرد: كوران أولا، ثم الشيخ رضا، ونالي ومحوي، وكذلك وفائي وهردي. ومن غير الكرد: بدر شاكر السياب، وييتس، وويتمن، وأخماتوفا، وبلوك، ولوركا، وبودلير.

الحدث: بطلك الأدبي؟

فاضل الجاف: سيزيف.

الحدث: البطلة الأدبية؟

فاضل الجاف: نورا من مسرحية بيت الدمية لإبسن.

الحدث: موسيقاك المفضل؟

فاضل الجاف: لودفيغ فان بيتهوفن هو مصدر إلهام أساسي لي، وكذلك شوستاكوفيتش وبروكوفييف، ومن المعاصرين فيليب غلاس، إضافة إلى باخ وموزارت وتشايكوفسكي.

الحدث: رساموك المفضلون؟

فاضل الجاف: فان غوخ، شاغال، غويا، ريبين، فروبل، وبيكاسو، وبشكل خاص فان غوخ وبيكاسو.

الحدث: ماذا تكره أكثر؟

فاضل الجاف: الكراهية نفسها.

الحدث: كيف تود أن تموت؟

فاضل الجاف: لا يهم شكل الموت، المهم ألا يكون نتيجة معاناة طويلة أو مرض قاسٍ.

الحدث: حالتك النفسية الآن؟

فاضل الجاف: حالتي النفسية في إنتعاش دائمة، أشعر بانسجام أكبر مع نفسي، لأنني أعمل بوعي على راحتي النفسية والذهنية.

الحدث: شعارك؟

فاضل الجاف: الحياة بوعي في الحاضر، هنا والآن.

الحدث: لو عدت للبداية، هل تختار أن تكون كاتبا؟

فاضل الجاف: سأختار مرة أخرى أن أكون مخرجا مسرحيا، فالكتابة عندي تأتي في المرتبة الثانية بعد الإخراج المسرحي.

الحدث: هل لديك أعمال جديدة؟

فاضل الجاف: أستعد لمشروع مسرحي مع طلاب المعهد العالي للفن المسرحي في الرباط، وأعمل أيضا على كتاب حول منهج البيوميكانيك باللغة العربية.

 

 

Alfurja

Alfurja

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية