بشرى عمور
يبدو أن بعض المهرجانات المسرحية لم تحسم بعد في طبيعة علاقتها بالإعلاميين: هل هم شركاء في صناعة الحدث أم مجرد أسماء تُستدعى عند الحاجة ثم تُهمَّش عند توزيع الحقوق والامتيازات؟ فالمفارقة الصارخة أن الجميع يتغنى بأهمية الإعلام ودوره في الترويج للمهرجان وإبراز منجزه الفني والثقافي، لكن عند الانتقال من الخطاب إلى الممارسة يصبح الإعلامي في آخر سلم الأولويات.
فالإعلامي يواكب التحضيرات قبل انطلاق المهرجان، ويتابع العروض والندوات والورشات واللقاءات، ويكتب التقارير والحوارات والمقالات، ويوثق اللحظات المهمة بالصوت والصورة، ويواصل النشر حتى بعد إسدال الستار على التظاهرة. ومع ذلك، يجد نفسه في كثير من الأحيان أمام ظروف إقامة وتنظيم لا تليق بالدور الذي يقوم به، بل قد يُعامل أحياناً كأنه جاء للاستفادة الشخصية، لا لأداء مهمة مهنية تخدم المهرجان نفسه.
والأكثر إثارة للاستغراب هو حجم الفجوة بين ما يُخصص لبعض الضيوف وما يُمنح للإعلاميين. فهناك من تُفتح لهم أبواب الامتيازات على مصراعيها: تذاكر سفر، وإقامات مريحة، ووسائل نقل خاصة، وولائم وعزومات مختلفة، رغم أن أثر حضور بعضهم ينتهي بانتهاء حفل الافتتاح أو الاختتام، ودون أن يتركوا إضافة حقيقية أو قيمة ثقافية أو فكرية أو إعلامية تذكر. في المقابل، يُطلب من الإعلامي أن يعمل لساعات طويلة، وأن ينتج محتوى يروج للمهرجان ويوثق منجزه، ثم يُنظر إليه وكأنه يطالب بامتياز غير مستحق عندما يطالب بظروف عمل محترمة.
واليوم ظهرت موضة جديدة أكثر غرابة وخطورة، تتمثل في مطالبة الإعلاميين بدفع تكاليف سفرهم أو تذاكر حضورهم من أجل تغطية المهرجان. أي أن الإعلامي أصبح مطالباً بتمويل المهمة التي يؤديها بنفسه، بينما تستفيد إدارة المهرجان من المادة الإعلامية الناتجة عن هذا الحضور. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل أصبح معيار المشاركة الإعلامية هو القدرة على الدفع وليس الكفاءة المهنية والخبرة والتجربة والتراكم في خدمة المسرح والثقافة؟
إن هذه الممارسات لا تسيء إلى الإعلاميين فقط، بل تسيء إلى صورة المهرجانات نفسها، لأنها تكرس منطق العلاقات والمجاملات على حساب الاستحقاق والكفاءة. كما أنها تدفع العديد من الأقلام الجادة والمهنيين الحقيقيين إلى العزوف عن التغطية، لتُفسح المجال لحضور مناسباتي لا يملك من الإعلام سوى الاسم.
إن المطلوب ليس امتيازات استثنائية ولا معاملة تفضيلية، بل الاعتراف بأن الإعلام جزء من المنظومة التنظيمية للمهرجان، وشريك في نجاحه وصناعة إشعاعه. فمن غير المنطقي أن تُصرف الميزانيات على تفاصيل ثانوية، بينما يُترك من ينقل صورة المهرجان إلى الرأي العام في ظروف لا تليق بمهمته. فالمهرجان الذي يبحث عن الواجهة الإعلامية عند الحاجة، ثم يتنكر للإعلاميين عند توزيع الحقوق، إنما يضعف نفسه بنفسه، لأن العرض المسرحي مهما بلغت جودته ينتهي بانتهاء تقديمه، أما الإعلام فهو الذي يمنحه حياة أخرى في الذاكرة الثقافية والجماعية.
ولعل الوقت قد حان لإعادة النظر في طريقة التعامل مع الإعلاميين داخل المهرجانات الثقافية والفنية، عبر وضع معايير واضحة وعادلة للاعتماد والاستضافة، تقوم على المهنية والمنجز الإعلامي الحقيقي، لا على الاعتبارات الشخصية أو العلاقات العابرة. فاحترام الإعلامي ليس منّة من أحد، بل هو احترام للمهرجان نفسه ولرسالته الثقافية. ومن دون إعلام مهني جاد، ستظل كثير من التظاهرات تدور في حلقة مغلقة، يحتفي فيها المشاركون بأنفسهم، بينما يغيب أثرها الحقيقي عن المجتمع والذاكرة.

