د. فوزية البيض
ملخص البحث الموسوم ب” جدلية الهوية والتعدد في الخطاب المسرحي العربي: من المحلي الى البعد الكوني” الذي قدم ضمن فعاليات الندوة العلمية المصاحبة للدورة الثامنة والثلاثين للمهرجان الدولي للمسرح الجامعي (4 – 9 يوليوز 2026)، الذي تنظمه كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك، التابعة لجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، تحت شعار «المسرح والحياة المشتركة»
***************************
يشكل المسرح العربي فضاءً ثقافيًا وجماليًا تتقاطع فيه قضايا الهوية والتعدد والانفتاح على الآخر. وقد عرف الخطاب المسرحي العربي، منذ نشأته، تحولات عميقة ارتبطت بالمتغيرات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي شهدها العالم العربي، مما جعله يتأرجح بين التمسك بالخصوصية المحلية والسعي إلى الانخراط في القضايا الإنسانية ذات الأبعاد الكونية. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل جدلية الهوية والتعدد في الخطاب المسرحي العربي، والكشف عن آليات تمثل المحلي وإعادة إنتاجه داخل النصوص والعروض المسرحية، مع استجلاء مظاهر الانفتاح على المرجعيات الثقافية العالمية. وتخلص الدراسة إلى أن المسرح العربي استطاع، بدرجات متفاوتة، بناء خطاب فني يجمع بين خصوصية الانتماء الثقافي والانفتاح على القيم الإنسانية المشتركة، مما أسهم في إثراء التجربة المسرحية العربية وتوسيع آفاقها الإبداعية.
الكلمات المفتاحية: الهوية، التعدد الثقافي، الخطاب المسرحي العربي، المحلي، الكوني، المسرح المعاصر.
Summary
Arab theater constitutes a cultural and aesthetic space where issues of identity, diversity, and openness to the “Other” intersect. Since its inception, Arab theatrical discourse has undergone profound transformations linked to the social, cultural, and political shifts witnessed across the Arab world—shifts that have caused it to oscillate between upholding local distinctiveness and striving to engage with universal human issues.
This study aims to analyze the dialectic of identity and plurality in Arab theatrical discourse and to uncover the mechanisms by which the local is represented and reproduced within theatrical texts and performances, while also examining the ways in which the medium engages with global cultural frames of reference. The study concludes that Arab theater has succeeded—to varying degrees—in constructing an artistic discourse that bridges the specificity of cultural identity with an openness to shared human values, thereby enriching the Arab theatrical experience and broadening its creative horizons.
Keywords : Identity, multiculturalism, Arab theatrical discourse, the local, the universal, contemporary theatre.
مقدمة
نحن امام موضوع غني يفتح المجال لدراسة إشكاليات الهوية الثقافية وتمثلاتها في المسرح العربي وعلاقتها بالانفتاح على القيم الإنسانية والكونية. حيث تعد قضية الهوية من أكثر القضايا حضورًا في الفكر الإنساني المعاصر، خاصة في ظل التحولات التي فرضتها العولمة والثورة الرقمية واتساع فضاءات التواصل الثقافي. وقد انعكس هذا الاهتمام على مختلف الأجناس الأدبية والفنية، ومن بينها المسرح الذي يمثل مرآة للمجتمع وفضاءً للحوار والتفاعل بين الذات والآخر.
وفي السياق العربي، وجد المسرح نفسه أمام تحديات متعددة تتعلق بالحفاظ على الخصوصية الثقافية من جهة، والانفتاح على التجارب الإنسانية العالمية من جهة أخرى. لذلك أصبح الخطاب المسرحي العربي مجالًا خصبًا لتمثل الهوية بمختلف أبعادها التاريخية والاجتماعية واللغوية، وفي الوقت نفسه فضاءً لاستيعاب التنوع الثقافي والتفاعل مع المرجعيات الفكرية والجمالية العالمية.
وتنبع أهمية هذا الموضوع من كونه يسلط الضوء على طبيعة العلاقة بين المحلي والكوني داخل التجربة المسرحية العربية، ويكشف عن قدرة المسرح على تجاوز الحدود الجغرافية والثقافية نحو أفق إنساني أكثر شمولًا.
إشكالية البحث
كيف يعكس الخطاب المسرحي العربي جدلية الهوية والتعدد الثقافي؟ وإلى أي حد استطاع الانتقال من التعبير عن الخصوصيات المحلية إلى الانخراط في القضايا الإنسانية ذات البعد الكوني دون فقدان مقومات هويته الثقافية؟
أسئلة فرعية
1/ ما المقصود بالهوية والتعدد في الخطاب المسرحي العربي؟
2/ كيف تجلت ملامح الهوية المحلية في النصوص والعروض المسرحية العربية؟
3/ ما مظاهر التعدد الثقافي واللغوي والفكري في المسرح العربي المعاصر؟
4/ كيف أسهم التفاعل مع الثقافات العالمية في تطوير الخطاب المسرحي العربي؟
5/ هل استطاع المسرح العربي تحقيق التوازن بين الحفاظ على الخصوصية الثقافية والانفتاح على البعد الكوني؟
فرضية البحث
يقوم الخطاب المسرحي العربي على تفاعل دينامي بين الهوية والتعدد، حيث لا يُنظر إلى الهوية بوصفها معطى ثابتًا، بل باعتبارها بناءً ثقافيًا متجددًا يتشكل من خلال الحوار مع الآخر، مما يسمح للمسرح العربي بالانتقال من التعبير عن القضايا المحلية إلى معالجة قضايا إنسانية ذات أبعاد كونية.
أولًا: الهوية والتعدد الثقافي – مقاربة مفاهيمية
1. مفهوم الهوية
تشير الهوية إلى مجموعة الخصائص الثقافية والاجتماعية واللغوية والتاريخية التي تمنح الفرد أو الجماعة شعورًا بالانتماء والتميز. وهي ليست معطى ثابتًا ونهائيًا، بل بناء ديناميكي يتطور باستمرار من خلال التفاعل مع المحيط الاجتماعي والثقافي.
وقد أصبحت الهوية في الدراسات الثقافية المعاصرة مفهومًا يرتبط بالحوار والتفاعل أكثر من ارتباطه بالانغلاق والثبات، حيث تتشكل من خلال علاقة الذات بالآخر ومن خلال عمليات التبادل الثقافي المستمرة.
2. مفهوم التعدد الثقافي
يقصد بالتعدد الثقافي الاعتراف بوجود ثقافات ورؤى وقيم متنوعة داخل المجتمع الواحد أو بين المجتمعات المختلفة، مع احترام هذا التنوع وتثمينه باعتباره مصدرًا للإبداع والتجدد.
ويعد المسرح من أكثر الفنون قدرة على تجسيد التعدد الثقافي، لما يوفره من إمكانات للحوار بين اللغات والرموز والهويات المختلفة.
ثانيًا: تجليات الهوية في الخطاب المسرحي العربي
1. استلهام التراث
شكل التراث العربي أحد أهم المصادر التي اعتمد عليها المسرحيون العرب في بناء خطابهم الفني. فقد لجأ العديد منهم إلى توظيف الحكايات الشعبية والسير والأساطير والتاريخ العربي والإسلامي لإعادة قراءة الواقع المعاصر.
وتبرز هذه النزعة بوضوح في أعمال الطيب الصديقي الذي وظف التراث الحكائي المغربي والعربي، وفي أعمال عبد الكريم برشيد من خلال مشروعه الاحتفالي.
2 .اللغة بوصفها حاملة للهوية
تؤدي اللغة دورًا محوريًا في التعبير عن الهوية داخل المسرح العربي. فقد تنوعت الاختيارات اللغوية بين الفصحى والعامية والمزج بينهما، بما يعكس خصوصية البيئات الثقافية والاجتماعية المختلفة. وتسهم اللغة في نقل القيم والتمثلات الثقافية، كما تعزز ارتباط المتلقي بعالمه المحلي وتاريخه الجماعي.
3 . قضايا الانتماء والذاكرة
تناولت النصوص المسرحية العربية موضوعات ترتبط بالهوية الوطنية والقومية، مثل الاستعمار والتحرر والعدالة والذاكرة الجماعية، وهو ما جعل المسرح وسيلة للحفاظ على الوعي التاريخي وترسيخ قيم الانتماء.
ثالثًا: التعدد والانفتاح على البعد الكوني
1 الحوار مع الآخر
لم يقتصر المسرح العربي على استحضار الذات، بل انفتح على الآخر بوصفه عنصرًا أساسيًا في بناء المعنى. وقد تجلت هذه العلاقة في استلهام التجارب المسرحية العالمية وإعادة توظيفها وفق السياقات العربية. ويعد سعد الله ونوس من أبرز المسرحيين الذين سعوا إلى بناء خطاب مسرحي يجمع بين الهم المحلي والأسئلة الإنسانية الكونية.
2 .التأثر بالمدارس المسرحية العالمية
استفاد المسرح العربي من منجزات المسرح العالمي، وخاصة المسرح الملحمي عند برتولت بريشت، ومسرح العبث عند صمويل بيكيت، والمسرح الطقوسي والتجريبي. غير أن هذا التأثر لم يكن مجرد تقليد، بل جاء غالبًا في إطار عملية تكييف وإعادة إنتاج تتناسب مع الخصوصيات الثقافية العربية.
3. القضايا الإنسانية المشتركة
تناولت العديد من الأعمال المسرحية العربية موضوعات تتجاوز الحدود المحلية، مثل الحرية والعدالة وحقوق الإنسان والاغتراب والصراع بين السلطة والفرد. ومن خلال هذه القضايا استطاع المسرح العربي مخاطبة جمهور عالمي والانخراط في حوار ثقافي وإنساني واسع.
رابعًا: من المحلي إلى الكوني – نحو هوية منفتحة
تكشف التجربة المسرحية العربية المعاصرة أن العلاقة بين المحلي والكوني ليست علاقة تناقض أو صراع، بل علاقة تكامل وتفاعل. فكلما كان العمل المسرحي أكثر تجذرًا في بيئته الثقافية، ازدادت قدرته على الوصول إلى المتلقي الإنساني في مختلف أنحاء العالم.
لقد نجح العديد من المسرحيين العرب في تحويل التجارب المحلية إلى قضايا إنسانية عامة، وهو ما منح أعمالهم بعدًا عالميًا دون أن تفقد خصوصيتها الثقافية. ومن ثم يمكن الحديث عن هوية مسرحية عربية منفتحة، تتأسس على الحوار والتعدد والتفاعل الخلاق مع الآخر، بعيدًا عن الانغلاق أو الذوبان في النماذج الثقافية الوافدة.
خاتمة
أظهرت الدراسة أن الخطاب المسرحي العربي يشكل فضاءً ديناميًا تتفاعل داخله الهوية مع التعدد الثقافي في إطار من الحوار المستمر بين المحلي والكوني. فالمسرح العربي لم يكتفِ بتجسيد الخصوصيات الثقافية العربية، بل استطاع أيضًا الانفتاح على التجارب الإنسانية العالمية واستيعابها ضمن رؤيته الخاصة.
وتؤكد هذه الجدلية أن الهوية ليست بنية جامدة، وإنما مشروع ثقافي متجدد يتطور عبر التفاعل مع الآخر. ومن هنا تبرز أهمية المسرح باعتباره أداة فاعلة في تعزيز الحوار الثقافي وإنتاج رؤى إنسانية مشتركة قادرة على تجاوز الحدود الجغرافية والإيديولوجية.
أولاً: مراجع المسرح
ـ أرسطو. (1980). فن الشعر (ترجمة عبد الرحمن بدوي). القاهرة: مكتبة النهضة المصرية.
ـ برشيد، عبد الكريم. (1988). الاحتفالية: النظرية والممارسة. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.
ـ برشيد، عبد الكريم. (1983). مسرح الاحتفال. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.
ـ بريشت، برتولت. (1970). مسرح بريشت (ترجمة عبد الرحمن بدوي). القاهرة: المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والنشر.
ـ الصديقي، الطيب. (2000). الأعمال المسرحية الكاملة (3 مجلدات). الرباط: منشورات وزارة الثقافة.
ـ ونوس، سعد الله. (1970). بيانات لمسرح عربي جديد. دمشق: وزارة الثقافة والإرشاد القومي.
ثانياً: مراجع الهوية والثقافة
ـ هول، ستيوارت. (2002). الثقافة والهوية. ضمن: دراسات الثقافة والهوية (ترجمة عربية). بيروت: المنظمة العربية للترجمة.
ـ هول، ستيوارت. (1994). الهوية الثقافية والشتات. ضمن كتاب: الاستعمار وما بعد الاستعمار (ترجمة عربية). بيروت: المنظمة العربية للترجمة.
ـ هول، ستيوارت. (1996). الهوية والاختلاف. ضمن: أسئلة الهوية الثقافية. بيروت: المنظمة العربية للترجمة.
ـ ريكور، بول. (2005). الذات عينها كآخر (ترجمة جورج زيناتي). بيروت: المنظمة العربية للترجمة.
ثالثاً: مراجع التلقي والنقد
ـ ياوس، هانس روبرت. (2004). جماليات التلقي: من أجل تأويل جديد للنص الأدبي (ترجمة رشيد بنحدو). الدار البيضاء: إفريقيا الشرق.

