تقارير

المهرجان الدولي للمسرح الجامعي لقاء الاضداد

ادريس الجاي 

 

كانت نسخته 38 من المهرجان الدولي للمسرح الجامعي للدارالبيضاء، من 04 الى 09 من هذا الشهر، رحلة اوديسية مسرحية، تنقلت بين فضاءات عروض منتشرة في احياء وجماعات المدينة، رحلة اغرقت في غياهب الامكنة والازمنة لتغرق في الماضي من خلال الحاضر. لم تكن رحلة تنقلات او عروض مسرحية فحسب، بل رحلة تعيد للجمهور لحظات تأمل في ازمنة من تاريخ المدينة. كان الاستهلال في “المجمع الثقافي مولاي رشيد” في بنمسيك، منطقة تحمل اسم أسرة بنمسيك، وعمودها الرئيسية، القايد عبد الكريم بن مسيك، الذي كان يشغل سنة 1914 منصب خليفة باشا المدينة، هذا المجمع الذي شهد افتتاح فعاليات هذه الدورة بعرض “لاعبو البنغو عند يوربيدس”، لفرقة “صفر دراما” جامعة مدريد المستقلة، من تأليف أنا لوبيز سيكوريا واخراج لويس كاترو وماريبيل جيمنس، التي توج فيها الاسباني أوليسيس مارتين بجائزة أفضل ممثل عن دوره ديونيسيا. هذا الفضاء الذي شهد ايضا عرض مسرحية ” الطبيب الوهمي” لفرقة “نجوم فاس” كلية ظهر المهراز بفاس، و هي من تاليف واخراج الإدريسي توزاني حبيبة، وايضا مسرحية ” قرود الأرض” لفرقة “ورشة عمل المسرح التجريبي” كلية الآداب و العلوم الإنسانية بنمسيك، كتبها و اخرجها حميد مرشد.

ثم تنقلت قافلة الأوديسا المسرحية الى “المركب الثقافي الإرميتاج”، l’Hermitage الاسم الفرنسي الذي يحيل على “الدير” أو “الخلوة” أو “المُعتكف”، لقد كانت المنطقة في طبيعتها مساحة خضراء في معزل عن مجرى الحياة ساكنة تشبه مكان العزلة والاختلاء، حيث قدمت فرقة كلية العلوم بنمسيك خارج مسابقة المهرجان عرضها المسرحي “تلاعب”. وايضا العرض الاسباني “كاليكولا” لألبير كامو واخراج ارين سانشي سانشي، لفرقة “نادي المسرح” لجامعة لاس بلماس دي غران كناريا، والتي احرزت فيها مونيكا هويوس جانينا على افضل دور نسائي مناصفة. كما قدمت فرقة “الاحريب” (جمع حرباء) لطلبة المعهد العالي للفن المسرحي و التنشيط الثقافي ISADAC ، في هذا الفضاء مسرحية “الحب الحافي” تاليف واخراج أمين بولحناش.

من ضمن محطات رحلة الاوديسا المسرحية، الفضاء الثاني في منطقة بنيمسيك “المسرح الكبير بنيمسيك.” حيث قدمت فرقة “من الداخل الى الخارج” المعهد الحكومي للمسرح والسينما بريفان، أرمينيا عملها “متاهت السناجب المتراكبة” من تأليف دون نيكرو واخراج لودفيك هاروتهونيان، ونالت بها جائزة احسن أخراج. كما قدم في نفس الفضاء “النادي المسرحي” التابعة للحي الجامعي بالموتويلفيل تونس عرضها “لا مفر” الذي اقتبسه عن الابواب المغلقة لجون بول سارتر شوقي السعدلي واخرجه، ونالت عن دورها في هذه المسرحية عايدة الكردي جائزة افضل ممثلة مناصفة.

هوية وذاكرة

من الفضاءات التي تردت عليها الاوديسا المسرحية فضاء يخلد ذكرى الكاتب المسرحي والنقابي عبد الصمد الكنفاوي، الذي اثرى الخزانة المسرحية المغربية بعدد من الاعمال كتابة واقتباسا وترجمة ولقد شكل توجهه المسرحي بين الانفتاح والأصالة في المشهد المسرحي المغربي، تقعيدا للفن المسرحي في جانب من الثقافة المغربية كما أثر بشكل او بآخر في أعمال مسرحيين برزوا بابتداء من سنة 1951 كادريس التادلي، والطيب العلج، و الطيب الصديقي و عبد السلام الشرايبي. فهذا المسرح الذي يوجد داخل حديقة كانت تحمل سابقا اسم حديقة المقيم العام الفرنسي “هوبير اليوطي”، حول اسمها سنة 1960 رسمياً إلى “حديقة الجامعة العربية” (أو حديقة جامعة الدول العربية) و ذلك في اطار تحديد هوية الانتماء العربية. لقد نقلت الى هذه الحديقة من اجل الزينة، قواس من السجن البرتغالي الذي يعود بنائه الى نهاية القرن السادس عشر 1500 م وكان يعرف بسجن آنفا وهذه الاقواس ما تزال قائمة الى جوار كنيسة “القلب المقدس” في الحديقة. وفي سنة 1913 اعيد تصميم الحديقة المركزية للمدينة على يد المهندس الفرنسي البير لايراد، كما تمت اعادة هيكلة الحديقة ما بين 2016 و 2021. هذا الفضاء عرف عرض مسرحية “أصحاب الارض”لفرقة جامعة بنها”، مصر، كتبها ماكس فريش واخرجها محمد زكي واحرزت على جائزة لجنة التحكيم. كما قدمت في هذا الفضاء “عبد الصمد الكنفوي” فرقة ” بُؤرة المناطق الهادئة ” لجامعة سابينزا بروما، عرضها “مدرسة الزوجات” للمؤلف الفرنسي جُون بَاتِيسْت بُوكْلَان الملقب بموليير واخراج روبرتو اندولفي، والتي منحتها لجنة التحكيم جائزة المهرجان الكبرى.

على مسرح “المركب الثقافي سيدي بليوط”، وهي منطقة قريبة من ميناء الدار البيضاء ويحدها بحر المحيط الاطلسي شمالا وتنسب كل المقاطعة الى احد اولياء الدار البيضاء الذي عاش في آواخر الدولة المرابطية و بداية الدولة الموحدية ابو حفص عمر بن هارون المديوني واشتهر ب “ابو الليوث” اسم حرف الى بليوط ، توفي سنة 1198 ميلادية. على هذا الركح عرضت فرقة “فانتازيا” للمدرسة الوطنية للتجارة والتسيير الدار البيضاء مسرحية “صدفة ” اعدها انوار حسني واخرجها شمس اسكندر.

المسرح الجامعي فضاء لتفاعل شباب المتوسط الاطلسي نحو دينامية ثقافية عابرة للحدود.

تحت هذا الشعار، انطلقت فعاليات الدورة 38 من المهرجان وكان ضيف الشرف دولة اسبانيا. لقد شكلت هذه الدورة على المستوى الابداعي تقابلات فنية ثقافية مسرحية، مثلتها دولتان من الضفة الإفريقية للبحر الابيض المتوسط تونس ومصر ومن الأوروبية اسبانيا وايطاليا والمغرب البلد المضيف بواجهتيه الأطلسية والمتوسطية. ومن البعيد من منطقة القوقاز الجبلية بين أوروبا واسيا شاركت دولة جمهورية ارمينيا التي تفصلها شمالا عن البحر الاسود جورجيا وتوركيا غربا وجنوبا ايران وعن بحر قزوين شرقا اذبرجان وأيران جنوبا.

لقد عرفت العروض المقدمة، تباينات في طرح القضايا بين الكوميديا و الدراما، كما اعتمد عدد من الاعمال على نصوص كلاسيكية لموليير، كامو، و سارتر مباشرة اواقتباسا، كما اتسمت هذه الدورة ببروز شخصية المؤلف ـ المخرج، باستثناء مسرحية “الصدفة”، فمن بين 11 عمل مشارك في مسابقة المهرجان، ستة اعمال منها المؤلف هو المخرج، خمسة اعمال مغربية وعمل تونسي ما اعطى نوعا من غياب التوازن بين طغيان النص واعادة قراءة النص قراءة نقدية جمالية. من الناحية الفنية فقد نحت اكثر الاعمال المعروضة منحى اختزالي يستعمل الركح الفارغ كفضاء خيالي يمنح الممثل فسحة ابراز قدراته الفنية بعيدا عن بهرجة الخشبة، بينما بقيت اعمال اخرى كمسرحية ” اصحاب الأرض” لفرقة “جامعة بنها” مصر، وفية للاسلوب الاخراجي الكلاسيكي الذي يعتمد على تأثيث الفضاء المسرحي، لكن في غياب توظيف مكوناته الحركية اوالرمزية، وهو ما نلاقيه بشكل او بآخر في مسرحية “الصدفة” لفرقة “فانتازيا” التي اعتمدت هي الاخرى على لغة الخطاب اكثر من ملإ الفضاء الجمالي. في الوقت الذي وظفت فيه اعمال اخرى قدرات الممثلين ودينامية النص الادبي في صنع الحدث الدرامي او الجمالي مثلما نلاقيه في مسرحية مدرسة الزوجات لفرقة ” بُؤرة المناطق الهادئة ” الايطالية او مسرحية “متاهة السناجب” للفرقة الارمينية “من الداخل الى الخارج”.

لقد شكلت العروض المقدمة على مختلف مسارح مدينة الدارالبيضاء لقاء تلاقحيا وتبادلا ثقافيا، ابان عن فوارق جلية بين الاعمال المقدمة من حيث الديناميكية والدقة في الايقاع المسرحي، الذي عكسته الاعمال القادمة من اوروبا وارمينيا او من الشمال الافريقي، وبين اعمال الجامعية المغربية التي بدى فيها واضحا غياب الممارسة المسرحية الواعية وبروز الانجاز الظرفي، الذي هو اقرب الى المسرح الموسمي منه الى التوجه المسرحي ذي بنفس متواصل، باسثتناء و فرقة “الحرباء” لطلبة المعهد العالي للفن المسرحي و التنشيط الثقافي، الرباط.

الفرق والفارق

لقد تميز العمل الاسباني “لاعبو البنكو عند يوربيدس” بنوع من الديناميكية في التشخيص لكنها انحصرت في التركيز على الحوارات، التي انتجت نوعا من فراغ الفضاء المسرحي ما ادى الى تباعد بين النص ووثيرة الاداء المسرحي العام. في الوقت الذي طغى فيه الاداء المبالغ فيه والتشخيص العنيف على ادوار مسرحية “تلاعب” لفرقة كلية العلوم بنيمسيك، حيث بدى الاجهاد على الممثلين في نهاية العرض، كما بقيت سينوغرافية الفضاء المسرحي بعيدة كل البعد عن الحدث الدرامي، فملابس عمال الصباغة لم تكن كافية لتشفع للفارق الدرامي بين الصورة و الحدث من اجل خلق ديناميكية تزاوج بين الفعل و الحركة.

اما العمل الفاسي “الطبيب الوهمي” لفرقة “نجوم فاس” كلية ظهر المهراز، فحتى وان كان هناك مجهود لمنح المسرحية هوية تجمع بين ما هو مغربي وغربي، فقد هيمن النص المسرحي على الجانب الجمالي وقيد القدرات الاخراجية بكثافته ما جعل الجانب الجمالي يصبح غائبا، فانتقاء اسماء لشخصيات من الوسط الفني و الادبي ظلت باهتة ولم تستطع ان تدفع بالعمل الى مستوى النضج المكتمل في صيغته المعروضة امام الجمهور.

كما نهجت مسرحية “الصدفة” لفرقة “فنتازيا” اي الزر اسلوب المسرح الاستهلاكي، الكوميديا المعتمدة على دغدغة جانب الضحك عند الجمهور وقد توصلت الى خلق نوع من الفرجة باسلوب لا مجال فيه للحديث عن جمالية النص او الابداع الفني، غير ان هذا العمل يمكن تصنيفه في خانة مسرح فقاقيع الصابون التي، تلمع في البداية لكن سرعان ما تختفي من المشهد بسرعة، لغياب العناصر الفنية و الادائية التي تدخله في خانة التفاعل بين التجارب الطلابية الجامعية.

عمل “كاليكولا” لالبير كامو والذي قدمته فرقة “النادي المسرح” من غران كناريا، مع كل الجهد الذي بدله شخص الامبراطور “الذي يبدو طيبًا، يدرك عند وفاة دروسيللا (أخته وعشيقته) أن البشر يموتون وأنهم ليسوا سعداء فيتحول الى امبراطور دموي سادي،” لم يتمكن الممثل خافيير كويدس روميرو مع جودة ادائه، الى ابراز هذه الشخصية المقنعة بتقلبات الاطوار. فنظرا لقوة النص كامو، لم تستطع المسرحية على المستوى الفني والجمالي تتجاوز سلطة النص وخلق مسافة فنية معه، باستثناء مشهد اغتيال كاليكولا.

لا مصادفة فوق الركح

مسرحية “اصحاب الارض” من مصر والتي حاولت اضفاء مسحة تراجيدية فنية على العمل، اغرقت في كتافة المشهد السينوغرافي المؤثت للفضاء، ما جعل كثير من الرموز و الدلالات فوق الركح بدون وظيفة او بعد جمالي او حركية تكميلية. فالضوء مع تحولاته وتغييره لم يشكل عنصرا يخدم العمل بقدر ما كان مثيرا للارتباك حيث تأتي الوان الإضاءة دون دلالات تخدم المشهد المسرحي. فقد اعتمدت المسرحية على الابهار، لكن دون ان يحقق هذا الابهار اضافة فنية للعمل.

لقد حاولت مسرحية “قرود كوكبنا” من خلال لغة اصوات القرود، والقفزات الأكروباتية خلق مساحة للفرجة والكوميديا، وفي نفس الوقت تمرير خطاب الطبيعة البشرية الحيوانية التي تميل الى السلطة كما تحدث عنها جون جاك روسو في كتاب “العقد الاجتماعي.”

كما عملت المسرحية على تخطي الحاجز الوهمي بين الخشبة و الجمهور و نزول القردة ـ الممثلين الى جمهور القاعة، بل حتى محاولة دمج الجمهور في اللعبة المسرحية، غير ان المسرحية وان كانت قد استهلت انطلاقتها بمشهد جمالي، غير انه بقي بعيدا عن وظيفته داخل نسق البناء المسرحي.

بينما تميزت مسرحية “متاهة السناجب”، في لغتها الارمينية، بايقاع دقيق، وضبط في الحركة العامة للعمل، فالممثلون كانوا يتحركون مثل الجسد الواحد في سلاسيل واصفاد، يجسدون ذلك الثوق الى الانعتاق و الحرية، وفك اغلال العزلة في نسق حركات متوازنة وتحولات موحدة، متناسقة مع الضوء والظل والحركة الواعية الهادفة، التي لا تترك خانات للمصادفة او للارتجال، فالعمل كان اشبه بساعة فنية تتحرك بدقة وفقا لضبط محدد.

الكلمة فوق الحركة

لقد ابرز طلاب للمعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، الرباط ديناميكية، من خلال مسرحية “الحب الحافي”، غير ان المنتظر من طلاب السنة الثالث كان اكثر مما قدموه فوق خشبة المسرح، لقد استحوذ النص الادبي في المسرحية على قرينه الفني وبقي هذا الاخير محصورا في مشاهد تفتقر الى الرؤية الفنية الهادفة الى الدفع بالجانب الادبي نحو الرقي وتحقيق نص موازي فنيا وجماليا.

التقييم نفسه يمكننا ان نلقي بظلاله على العمل التونسي “لا مفر” حيث تبدو سلطة النص طاغية تستحوذ على سيرورة العمل، على الرغم من المجهود القيم الذي بدلته الممثلات الاربعة و اللاتي لاول مرة يقفن فوق الخشبة. فقوة النص و استحواذه على مساحة التشخيص، ادى الى تقليص مساحة الابداع الفني و الجمالي في الفضاء المسرحي. لقد اختار مقتبس النص ومخرجه، عملا يعد من اعقد اعمال جون بول سارتر، وقد ابرزته الممثلات على الرغم من تجربتهن الاولى، بقوة وطاقة وحيوية، لكن هذا لم يشفع للعمل في ان يبقى بعيدا الى حد ما، عن العمق الفلسفي و الفني للعمل.

كان ختام العروض المقدمة عمل “مدرسة الزوجات لفرقة “بُؤرة المناطق الهادئة” لجامعة سابينزا بروما، الذي اثبت فيه المخرج روبيرتو اندولفي وطاقمه الفني، ان العمل الفني الجمالي المسرحي، قوته تكمن في بساطته، وفي سهولته لا في تعقيده. غير ان هذا السهل هو ممتنع، ويستوجب وعي كامل ودراسة مستفيظة للمادة المشتغل عليها من اجل الوصول الى عمق فلسفة النص الادبي، فرغم تعدد المشاهد في عمل موليير، استطاع المخرج اختزلها بذكاء واضح في بعض اللوحات المتحركة على اعمدة بجرارات، والتي شكلت باب بيت، نافذة، ومدخل غرفة، وطاولة بكرسيين، لكن ديناميكية وحركة الممثلين والتوزيع الجغرافي والتنقلات بين المشاهد، اعطت للمسرحية قوة في الاداء ومنحتها تحولات في المشاهد في ظل اضاءة شبه ثابتة، فبرزت من خلال ذلك دفعة فنية غير مبتدلة، لم يشعر معها الجمهور طيلة مدة العرض 60 دقيقة، ثانية واحدة من الملل على الرغم من ان العرض كان باللغة الايطالية..

 

 

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية