(مونودراما في فصل واحد)
تأليف: الدكتور/ مراد ترغيني
الهاتف: 213699973003+
Gmail: mouradter7@gmail.com
بطاقة العرض:
الشخصية:
هُـوَ: رجل في منتصف الأربعينيات من عمره، موظف توثيق جنائي وأرشيف. أصابع يديه، وراحتا كفيه، وحتى معصماه ملوثة ببقعٍ داكنة ومستديمة من الحبر السري الأسود والبنفسجي. يرتدي سترة موظف حكومي بالية وممزقة الأكمام، تتدلى من عنقه نظارة طبية سميكة مشروخة بإحدى عدستيها، وفي جيب سترته تتزاحم أختام رسمية خشبية ونحاسية.
الفضاء والسينوغرافيا:
فضاء العرض عبارة عن قبو أرشيف حكومي ملحق بدائرة طب عدلي مهجورة.
في عمق المسرح: تتكدس جبال شاهقة من الإضبارات والملفات الورقية الصفراء العتيقة التي تكاد تلامس السقف، تتدلى من بينها حبال غسيل عُلقت عليها مئات الاستمارات الرسمية الممهورة ببصمات إبهام سوداء وبنفسجية، ترفرف كأنها رايات حداد أو أجساد مشنوقة في الهواء!
في يمين الفضاء: طاولة مكتب خشبية متآكلة، مليئة بوسادات حبر إسفنجية جافة ورطبة، وقوارير حبر مسكوبة، وميزان عدلي قديم، ومصباح مكتبي واهن يتدلى بسلك عارٍ يتأرجح ببطء محدثاً ظلالاً متحركة.
في يسار الفضاء: ثلاجة حفظ جثث حديدية متهالكة ذات باب واحد، تحولت رفوفها إلى أدراج لتخزين أوراق الوفيات والبطاقات الانتخابية!
الصوت والإضاءة: إضاءة رمادية خافتة تُسلط بؤرة حادة على الطاولة. يُسمع في الخلفية صوت رتيب ومستمر يشبه صوت قطرات ماء ثقيلة تتساقط فوق صفيح معدني: طَقْ… طَقْ… متداخلاً مع صوت ضربات أختام ميكانيكية متسارعة.
(المشهد الأول: طقس الحبر والمواطنة الجنائزية)
(يُفتتح المشهد بحركة إيقاعية سريعة وهستيرية؛ يقف “هُـوَ” خلف الطاولة، يمسك بيده وسادة الحبر الإسفنجية، ويقوم بضغط إبهامه عليها ثم يضرب بها الأوراق بقوة متتالية يُحدث بها صوتاً صاخباً: طَـخْ… طَـخْ… طَـخْ… يتنفس بصوت مسموع، ثم يتوقف فجأة وهو يرفع إبهامه المصبوغ بالسواد نحو المصباح متأملاً خطوط بصمته)
هُـوَ: (بصوت خشن ومتهكم، يخاطب إبهامه)
خطوطٌ حلزونية… متاهة دائرية لا أول لها ولا آخر… مثل شوارع هذه المدينة تماماً؛ كلما دخلتَ في منعطفٍ ظننتَ أنك خارجٌ إلى الضوء، قادكَ الحبر إلى قاع المقبرة!
(يتحسس وسادة الحبر بأنفه، يشمها ويقرف)
رائحة زيت الكاز والقطران… أتعلمون؟ الموت في هذه البلاد لا تفوح منه رائحة الكافور أو البخور… الموت هنا تفوح منه رائحة الحبر الحكومي الرخيص!
(يلتفت إلى ركام الأوراق المعلقة)
أنا “البَصّام”… خادم الدولة المطيع، ومهندس القيامة البيروقراطية! وظيفتي؟ وظيفتي في غاية النبل والقداسة؛ أنا من يُعيد للميت كرامته، وأنا من يمنحه شهادة حسن سلوك بعد أن تنثر الشظايا أشلاءه!
(يضحك بسخرية لاذعة)
ههههههه، يأتون بالجثة من الشارع… جثة متفحمة، جثة بلا رأس، جثة دهستها عجلات الفوضى… الطبيب يكتب: “توقف القلب”، والضابط يكتب: “ضد مجهول”، والقاضي يغلق المحضر… لكن لا أحد يستطيع دفن هذا المسكين إلا بعد أن يمر على طاولتي!
(يمسك استمارة ورقية بيضاء ويلوح بها)
يجب أن يبصم! القانون يصر على أن يبصم الميت بإبهامه الأيمن على استمارة التنازل عن حياته! لماذا؟ كي تُثبت الدولة أنه مات بمحض إرادته وبكامل قواه العقلية!
(حوار مع الإبهام المتصلب)
(يتجه نحو الثلاجة الحديدية في يسار المسرح، يفتح درجاً منها كأنه يسحب رفا جثة، ينحني عليه متحدثاً باحترام مصطنع)
هُـوَ: (يهمس)
مساء الخير يا مواطني العزيز… أعتذر لإيقاظك، أعلم أنك متعب من حرارة الصيف وانفجار المفخخة عند جسر الأئمة… لكن الأمر لن يستغرق سوى ثانية واحدة. فقط أعطني إبهامك الأيمن.
(يمد يده إلى داخل الدرج كأنه يحاول ثني أصابع جثة متيبسة، ثم يتراجع متأففاً)
ما بك؟ لماذا تقبض على يدك هكذا كأنك تخبئ كنزاً؟ أرخِ أصابعك أرجوك… التشنج لا يليق برجل ميت!
(يحاول سحب اليد بقوة، يتحدث بعصبية)
أيها العنيد! ألست أنت القائل طوال حياتك: “أنا تحت أمر القانون”؟ ها هو القانون يطلب إبهامك الآن! لماذا هذا العصيان المباغت؟
(يترك الدرج مذهولاً، يعود إلى الطاولة)
تصوروا… حتى الموتى بعد عام 2003 أصيبوا بداء التمرد! في الماضي، كان الميت يبصم وهو مغمض العينين خوفاً من زنزانات التعذيب؛ أما موتى اليوم، فتتصلب مفاصلهم كأنها صخور بازلتية! يرفضون الحبر… يرفضون التوقيع… يرفضون حتى أن يُسجلوا كـ “ضحايا”!
(يصرخ باتجاه الثلاجة)
إذا لم تبصم الآن، سأحرمك من بطاقتك التموينية! سأحرمك من قبرٍ محترم في وادي السلام! سأتركك هنا معلقاً في الثلاجة إلى يوم يبعثون!
الفساد وتدوير الأموات
(يعود إلى مكتبه، يتناول رزمة من البطاقات الانتخابية البنفسجية ودفاتر الرواتب التقاعدية، يفرشها كأوراق اللعب)
هُـوَ: (يتحدث بزهو ونبرة تآمرية)
لكن… بصراحة وبيني وبينكم، الموتى هم أفضل كائنات هذه الأرض وأكثرهم فائدة للاقتصاد الوطني!
(يمسك ختماً نحاسياً ويضربه على دفتر رواتب: طَخْ)
هذا الشهيد مثلاً… مات في الحرب الأولى، أخذتُ بصمته ووضعتها على راتب تقاعدي يستلمه نائبٌ في البرلمان!
(يضرب ختماً آخر على بطاقة انتخابية: طَخْ)
وهذا الشاب الذي غرق في النهر… بصمته البنفسجية ستذهب غداً إلى مركز الاقتراع لتصوت لقائمة “الأمل والنزاهة”!
(يضحك بهستيريا وهو يوزع الأوراق في الهواء)
الموتى في بلدي لا ينامون أبداً… إنهم يخدمون الوطن أكثر من الأحياء! الموتى ينتخبون، ويسحبون قروضاً بنكية، ويشترون عقارات في المنطقة الخضراء، ويصفقون في المهرجانات الحزبية! كل ما يحتاجونه هو لمسة صغيرة من هذا الإبهام الساحر…
(يغمس إبهامه في الحبر البنفسجي ويرفعه كراية)
بهذه النقطة البنفسجية، أصنع وزراء، وأسقط حكومات، وأبني قصوراً من رماد! الأحياء يصرخون في الساحات: “نريد وطناً”… بينما الموتى في أدراجي يبنون الوطن على مقاس بصماتهم الهادئة!
(فجأة، تتوقف أصوات ضربات الأختام في الخلفية، وتنطفئ الإضاءة الرمادية ليبقى فقط ضوء المصباح المكتبي يشتعل وينطفئ كقلب يحتضر. يُسمع صوت فحيح ورقة تُسحب ببطء من داخل إحدى الإضبارات القديمة… يقف “هُـوَ” مرعوباً، تتجمد عيناه وهو يرى استمارة بيضاء تخرج من بين الركام وتستقر فوق وسادة الحبر…)
(المشهد الثاني: اختراق الأرشيف واكتشاف الجثة المستنسخة)
(يقترب “هُـوَ” بخطوات حذرة ومرتعشة نحو الطاولة… يمد يده ببطء شديد، يلتقط الاستمارة التي سقطت فوق وسادة الحبر، يمسح عنها غبار الأرشيف، يعدل نظارته المشروخة فوق أنفه، ويقرأ بصوت متقطع يتهدج تحت وقع الصدمة)
هُـوَ: (يقرأ بصوت خافت متسارع)
جمهورية… وزارة… دائرة الطب العدلي… استمارة وفاة رسمية رقم 7401… الاسم الكامل:
(يتوقف فجأة… تتسع عيناه رعباً… ينظر إلى الورقة ثم ينظر إلى يديه)
الاسم الكامل: فلان بن فلان… اسم الأم… تاريخ التولد: 1978… المهنة: موظف توثيق وبصّام!
(يسقط الجالس على الكرسي كمن تلقى صفعة كهربائية، يتنفس بصوت مسموع، يرتجف)
مـ… ما هذا الهراء؟ من أين جاءت هذه الاستمارة؟ هذا اسمي! وهذا اسم أمي! وهذا رقم بطاقتي الوطنية!
(ينهض فزعاً، يقلب الورقة، يقرأ أسفلها)
“تاريخ الوفاة: نيسان 2007… سبب الوفاة: انفجار سيارة مفخخة في ساحة الطيران وتناثر الأشلاء… حالة الجثة: مسجلة ضد مجهول، وقد جرى أخذ بصمة إبهامه الأيمن لغلق القيد، وراتبه التقاعدي يُصرف بانتظام للممثل القانوني في الدائرة”!
(يضحك بانهيار وهستيريا حارقة)
هههههههههه… هههههههههه… أنا ميت؟ أنا ميت منذ سبعة عشر عاماً؟!
(يتحسس وجهه، يمسك رقبته، يتحسس نبضه)
كيف أكون ميتاً وأنا أتنفس؟ كيف أكون جثة وأنا أتعرق، وأجوع، وأشتم هذا الحبر النتن كل صباح؟ من الذي وقّع على موتي؟ من الذي أخذ بصمتي وأنا غافل؟!
(محاكمة الشبح والبيروقراطية اللصوصية)
(يركض في أرجاء المسرح بهستيريا، يقلب الإضبارات، يفتش بين الملفات المعلقة كالمجانين)
هُـوَ: (يصرخ باتجاه السقف والجدران)
أيها اللصوص! يا سماسرة المقابر! سرقتم عمري، وسرقتم وظيفتي، والآن تسرقون موتي أيضاً؟!
(يمسك بالاستمارة ويلوح بها في الفضاء)
لقد جعلوني “فضائياً” في عالم الأموات! سجلوها رسمياً: “مات في الانفجار”، وأخذوا بصمة جثة مقطوعة اليد ليضعوها مكاني، كي يستلم المدير العام ومسؤولو الحزب راتبي التقاعدي طوال كل هذه السنوات، بينما أنا هنا… قابعٌ في هذا القبو الرطب، أعيش كالفأر، أطبع بصمات الموتى الآخرين وأنا أظن نفسي موظفاً على قيد الحياة!
(يرتمي على الطاولة، يدفن رأسه بين الأوراق، ينتحب بلا دموع)
يا إلهي… أنا لستُ حياً… ولستُ ميتاً أيضاً! أنا مجرد شبح بيروقراطي، عبدٌ مسخ محبوس في قبو الطب العدلي، أخدم موتى يتقاضى عنهم الأحياء مليارات الدنانير!
(طقس البصم الهستيري ومحاولة إثبات الكينونة)
(يقف “هُـوَ” فجأة، يمسح وجهه بكم سترته الممزق، تلمع في عينيه نظرة جنون وتحدٍّ يائس)
هُـوَ: (بصوت يختنق بالدمع والتمرد)
كلا… لن أرضى بأن أكون حبراً ميتاً في سجلاتكم! أنا هنا… أنا أتنفس… أنا موجود! سأثبت لكم أني حي… سأثبت للدولة، وللقضاة، وللشارع، وللملائكة أن هذا الجسد ينبض بالحياة!
(يتناول قنينة الحبر الأسود الكبيرة، يفتحها ويسكبها بالكامل فوق وسادة الحبر حتى تفيض وتتدفق على خشب الطاولة)
كيف يثبت الإنسان في بلدي أنه حي؟ بالبصمة! لا أحد يصدق الكلام… لا أحد يصدق الدموع… هذه البلاد لا تعترف إلا بالحبر السري!
(يغمس كفيه بالكامل في الحبر الأسود والبنفسجي، يرفعهما كأنهما مخالب ملوثة، ويبدأ في الهجوم على جدران المسرح والملفات)
(يضرب بكفيه على الجدران بقوة متتالية يُحدث بها طبعات سوداء متجاورة: طَـخْ… طَـخْ… طَـخْ)
أنا حي! ها هي بصمتي!
(يركض نحو الملفات المعلقة، يلطخها بالحبر)
أنا حي! لستُ رقماً في ثلاجة!
(يلطخ سترته، وصدره، وعنقه بالحبر)
انظروا إلى أصابعي الحارة… هل يبصم الميت هكذا؟ هل يصرخ الميت هكذا؟!
(يركض نحو واجهة المسرح، يوجه يديه الملطختين بالسواد مباشرة نحو وجوه الجمهور، يصرخ بأعلى صوته)
أأنتم أحياء؟ أم أنكم مسجلون في دفاتر الموتى وتستلم أحزابكم رواتبكم دون أن تعلموا؟! ابصموا… ابصموا على وجوهكم كي تتأكدوا أنكم لستم جثثاً مؤجلة!
(القفلة التراجيدية: الانطفاء في درج العدم)
(يسقط “هُـوَ” إلى الأرض من فرط الإعياء والإنهاك… يلهث بشدة، ينظر إلى يديه اللتين تحولتا إلى كتلتين سوداوين بالكامل، يتأمل قطرات الحبر التي تقطر من أطراف أصابعه كأنها دم أسود مسموم)
هُـوَ: (بصوت منكسر، متعب، يملؤه اليأس المطلق)
لا فائدة… كلما بصمتُ أكثر… ازددتُ سواداً… وازدادت هذه البلاد بياضاً في قبورها. الحبر ابتلعني… الحبر جف في عروقي.
(يزحف ببطء شديد نحو ثلاجة الموتى الحديدية في يسار الفضاء)
الوظيفة انتهت… والأرشيف أُغلق… ولم يتبقَ في السجل سوى معاملة واحدة أخيرة يجب إنجازها لتكتمل العدالة.
(يصل إلى الطاولة، يتناول ختماً نحاسياً كبيراً نُقش عليه بخط بارز: “مُتَوَفَّـــــى”)
(يغمس الختم في الحبر، ثم يرفعه بيده المرتعشة، ويضعه مباشرة على جبهته… يضغط عليه بقوة حتى يترك طبعة سوداء مربعة فوق جبينه)
(يضحك بهمس خافت جداً)
الآن… المعاملة أصبحت أصولية مائة بالمائة… لا نقص في الأوراق، ولا غبار على الإجراءات.
(يتجه نحو الثلاجة الحديدية، يفتح درج حفظ الجثث بالكامل… يتمدد في داخله ببطء وهدوء مستسلماً… يسحب غطاء الدرج الحديدي نحوه حتى ينغلق عليه تماماً)
(يُسمع صوت إغلاق الباب الحديدي بصرير مدوٍّ: كَلَاكْ!)
(ينطفئ المصباح المكتبي فجأة… ويبقى فقط صوت تساقط قطرات الماء الرتيبة في الظلام التام: طَقْ… طَقْ… طَقْ…)
سِـتَــــار
(إظلام تام)

