قراءات نقدية

مقاربة تفكيكية لجماليات الحركة في عرض “زمبلك”

تفكيك الحركة وتحرير المعنى

 

د. صلاح حمادي الحجاج

 

اتسمت عروض ما بعد الحداثة بممارسات تفكيكية ونقدية، سعت من خلالها إلى فتح النصوص وإقصاء قدسيتها والعمل على ضرب السرديات الكبرى التي اعتمدتها النظريات التقليدية في العروض المسرحية، من خلال البحث عن آليات جديدة للخطاب المسرحي تعتمد الاحتفاء بالمتلقي والمراهنة على شراكته في إنتاج المعنى، ومن ثم البحث عن تصورات جديدة للفهم ناتجة عن دوره بالتحليل والتفسير والتأويل، لاستخلاص قراءات مغايرة ومختلفة، تستبعد الكلمة وتعتمد الجسد في تشييد منظومتها الجمالية وقدرتها على التشكل والتكون الحركي المتنوع.

وهذه العروض المسرحية الحديثة التي أفرزتها التجارب الإخراجية الجديدة، أسهم في بلورتها عدد من المخرجين والمنظرين الذين دفعوا بنظرية العرض إلى الإمام من خلال العمل على تفكيك العرض الحديث والإطاحة بمركزية (لوجوس النص والعرض) والتمرد على القوالب والنماذج القديمة وانفتاحه على الأجناس والتوغل داخل أجزائه المخفية والحفر في بنية العرض لملاحقة مدلولاته التي لا تنضب.

ومن هذه التجارب المهمة تجربة مسرح اللاتوقع الحركي للمخرج الأستاذ الدكتور (ماهر الكتيباني) التدريسي في كلية الفنون الجميلة – جامعة البصرة، التي تعد من النظريات الإخراجية المعاصرة القائمة على الحس والفكر والباحثة عن المدهش والغرائبي، والمختلف من أجل خلق واقع افتراضي يغير صورة المسرح من خلال اعتمادها الحركات القصيرة غير المتوقعة والمتبنية لأسلوبٍ ساخرٍ قائمٍ على طمس الحدود، وعلى ما وراء الصورة، فقد أنتجت عروض مسرح اللاتوقع الحركي في دواخلها بذور التمرد والاختلاف والمغايرة بكل ما تحمله من أفكار تعمل على تفكيك المرجعيات التقليدية وتعطي دوراً فعالاً ومهماً للمتلقي.

وعند التطرق للعرض المسرحي (زنبلك) ومحاولة تقديم دراسة نقدية عنه لا بد من تقسيم العرض إلى محطات اعتمدتها تلك العروض الخاصة بمسرح اللاتوقع الحركي وهي: la

التفكيك: فلسفة الرؤيا. 

يلاحظ أن العرض لا يبدو قائمًا على الحكاية بوصفها مركزًا وحيدًا، بل يميل إلى تفكيك العلاقة بين العديد من العناصر، مثل الجسد، المكان، الإطار، والفعل. إذ إن وجود الإطار/الباب بوصفه عنصرًا بصريًا متكررًا يفتح قراءة مغايرة تتجاوز كونه جزءًا من الديكور، أو قطعة وُضعت لتوحي إلى شيء ما، لأن الإطار هنا يمكن أن يتحول إلى حدّ فاصل بين ثنائيات مختلفة (داخل وخارج، حضور وغياب، حرية وقيد) وغيرها.

اللاتوقّع: المرتكزات الجمالية والفكرية.

اللاتوقع في العرض المسرحي (زنبلك) لا يتحقق فقط من خلال الحدث، وإنما عن طريق تغيير وضعية الجسد ومساره وعلاقته بالمكان وبخاصة (الإطار). وهذا مهم جداً، لأن المفاجأة غير المتوقعة هنا يمكن أن تكون مفاجأة بصرية وحركية قبل أن تكون سردية.

المغايرة.

أبرز ما يمكن الوقوف عنده ضمن هذه المحطة هو محاولة العرض الخروج من التكوين المسرحي التقليدي الذي يجعل الممثل في مركز ثابت أمام المتلقي. لأن العرض اشتغال على إعادة توزيع الطاقة داخل الخشبة، بحيث يصبح المكان نفسه فاعلاً في إنتاج المعنى. ومن ثم إنتاج معنى آخر مخالف للمعنى الأول أو متوافق معه وباستمرار.

التكثيف.

العرض يميل إلى الاقتصاد في العناصر المرئية، وهذا يمكن أن يكون نقطة مؤثرة. فبدل ازدحام الخشبة، نجد عناصر محدودة تستطيع أن تحمل دلالات متعددة. وهنا يمكن أن نكتب عن التكثيف بوصفه استراتيجية لإنتاج المعنى، لا مجرد اختزال في الديكور.

الزمن.

الزمن في هذا النوع من العروض لا ينبغي أن يقرأ بوصفه زمنًا قصصيًا فقط. بل أن الحركة والتوقف والتكرار وتغير الإيقاع يمكن أن تصنع زمنًا مسرحيًا مستقلًا، أي أن المتلقي لا يتلقى الزمن، بل يشعر به ويعيش تفاصيله من خلال الجسد.

الخطاب الموازي.

الصورة المسرحية في العرض تقول شيئًا بالتوازي مع النص، (إن وُجد النص)، لأن الجسد يقول، والإطار يقول، والضوء يقول، والمسافة بين الشخصيات تقول، والحركة المتسارعة بين الشخصيات تقول، وبذلك لا يصبح الخطاب محصورًا في اللغة المنطوقة، وإنما فيما يمكن مشاهدته من حركات لا يمكن توقعها.

الضد النوعي.

يكمن الضد النوعي في هذا العرض وفق العديد من المتضادات والمفارقات مثل: الثبات/الحركة — الداخل/الخارج — الفرد/الجماعة — الظهور/الاختفاء — الانغلاق/الانفتاح. وهذه الثنائيات لا تُقدَّم بالضرورة بوصفها إجابات، وإنما بوصفها توترات تنتج المعنى المتغير والمتجدد. فإن كل ثنائية من هذه الثنائيات عملت على خلق استراتيجيات تفكيكية تعمل داخل العرض مهمتها نقل المتلقي من صفة المستهلك إلى المنتج والفاعل في العرض.

الإطار بوصفه محور الحركة.

الإطار هنا ليس مجرد حدود مكانية، أو بوابة يدخل الجسد إليها أو يخرج منها أو يقف عند حدودها، بل الإطار هنا يتحول إلى مكوّن دراماتورجي. من خلاله نستطيع أن نطرح سؤالًا نقديًا: ماذا يحدث عندما يتحول المكان من حاوية للفعل إلى طرف في صناعة الفعل نفسه؟

فلسفة الحركة.

الحركة في العرض ليست انتقالًا من نقطة إلى أخرى بصورة عشوائية، وإنما يبدو أنها تحمل وظيفة دلالية. لذلك لا ينبغي وصفها فقط: تحرك الممثل، دخول، خروج، جلوس، وقوف، بل يجب أن نسأل: لماذا تتحرك؟ لماذا تتوقف؟ لماذا اتخذت هذه المسافة؟ ولماذا جاء التكرار في هذه اللحظة؟ وهنا ننتقل من وصف الحركة إلى تأويل فلسفة الحركة التابعة لفلسفة اللاتوقع الحركي.

فلسفة اللغة.

ربما يمكننا أن نقارن ولو بشكل بسيط بين اللغة المنطوقة واللغة الجسدية: ونحدد بعض الأسئلة وهي: هل تتطابقان؟ أو هل تتعارضان؟ هل تقول الحركة ما تعجز اللغة عن قوله؟ وهل الحوارات القصيرة المنطوقة من قبل الممثلين كانت تعتمد بصورة أساسية على الحركة السريعة؟ والحال نفسه للحركة المعتمدة على تلك الحوارات القصيرة.

جماليات المعالجة الإخراجية.

يعتمد الإخراج بدرجة واضحة على التكوين والتشكيل، وتوزيع الممثلين، والتحكم في المساحات، والضوء، والإيقاع البصري. وهنا يمكن أن نبحث عن كيفية تحويل الرؤية الفكرية للعرض إلى مفردات محسوسة من قبل المتلقي على الخشبة.

السينوغرافيا.

في العرض كان الإطار هو مفتاح القراءة السينوغرافية. ليس بوصفه قطعة ديكور، وإنما كونه علامة دالة قابلة لإعادة إنتاج المعنى مع كل استخدام سواء كان وفق تواجده ضمن مناطق المسرح المختلفة أو من خلال تعامل أجساد الممثلين معه. كما في المخطط أدناه:

المشهد → الحركة → التكوين → الضوء → العلاقة المكانية → الإيقاع → العلامة → الدلالة → الفلسفة.

وختاماً.

تجربة الأستاذ الدكتور ماهر الكتيباني تجربة واعية وتعد اتجاهاً مهماً ضمن تجارب مسارح ما بعد الحداثة التي تحتاج الوقوف عندها لإبراز أهم الجوانب الفلسفية والجمالية الكامنة في العروض المسرحية المقدمة ضمن هذا الاتجاه المسرحي الرائد.

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية