د.فراس الريموني
تحتاج بعض العروض المسرحية إلى قراءة نقدية تنطلق من طبيعتها الفنية والجمالية الخاصة بعيدًا عن إخضاعها بصورة مباشرة لمعايير العروض التي تتأسس على التجريب أو البحث في الأشكال المسرحية الحديثة ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى المسرحية العُمانية السادن بوصفها عرضًا ينتمي إلى فضاء المسرح الشعبي والكوميديا الاجتماعية حيث تتشكل العلاقة مع الجمهور من خلال الحكاية الواضحة والشخصيات النابضة والمواقف الساخرة والإيقاع الحركي والقدرة على تحويل القضايا الاجتماعية إلى مادة مسرحية قريبة من المتلقي فالمسرح الشعبي لا يستمد قيمته من بساطة لغته أو مباشرته الكوميدية فحسب بل من قدرته على النفاذ إلى الوعي الجمعي واستحضار هموم الناس ومخاوفهم وأحلامهم ثم إعادة تقديمها في إطار فني يتيح للضحك أن يتحول إلى وسيلة للتأمل والمساءلة ومن هذه الزاوية جاء عرض السادن متصلًا بجمهوره ومراهنًا على أدوات الأداء الكوميدي والتفاعل المباشر مستندًا إلى مجموعة من الممثلين الذين امتلكوا خبرة في بناء الموقف وتوليد المفارقة وتقديم الشخصيات ضمن منظومة أدائية حافظت على حيوية العرض وتواصله مع القاعة حيث تنطلق الحكاية من قرية نائية أصابها الجفاف فيظهر مبرك طباخ الجيش الهارب في لحظة تتقاطع فيها المصادفة مع الحاجة الإنسانية وما إن يسقط المطر حتى يجد نفسه أمام فرصة لتشكيل واقع جديد لا يقوم على الحقيقة بقدر ما يقوم على استثمار اعتقاد الناس بحاجتهم إلى المعجزة ومن هنا تبدأ عملية إنشاء ضريح لولي وهمي تتأسس حوله شخصية دينية مصطنعة ويصبح مبرك محورًا لمشروع يستثمر الخوف والرجاء ويحوّل الإيمان الشعبي إلى وسيلة للنفوذ والكسب ولا يكتفي المشروع بشخصية واحدة بل تتجمع حوله شخصيات تحمل أزماتها الخاصة من الوزير المفلس إلى ابنته الحامل والمحامي الجبان وزوجته الغيورة والقائد الجبان وغيرهم من الشخصيات التي تتقاطع مصالحها مع الوهم الذي جرى تأسيسه وهكذا يتحول الضريح إلى فضاء تتجمع فيه الرغبات المتناقضة البحث عن المال والخلاص والسلطة والحماية والتفوق على الآخرين تتقدم الحكاية عبر تداخل المصالح وتكشف الأسرار وتتصاعد الخلافات بين صانعي الوهم والمستفيدين منه إلى أن تنتهي الكارثة بزلزال يحبس الجميع داخل الضريح فيموتون جميعًا بينما ينكشف أن الكنز الذي طمعوا فيه لم يكن سوى تراب وصدأ إن هذه النهاية المأساوية الكوميدية لا تؤدي وظيفة إغلاق الحكاية فحسب بل تعيد تفسير مسارها بأكمله فالشخصيات التي اعتقدت أنها تبني ثروتها ومجدها كانت في الواقع تؤسس هلاكها بأيديها وهنا تقوم الفكرة الأساسية للمسرحية على تصور عميق لطبيعة العلاقة بين الإنسان والأفكار التي يعتنقها سواء أكانت هذه الأفكار قائمة على الحقيقة أم على الوهم فحياة الإنسان ومآلاته قد تصبح مرهونة بفكرة يصنعها أو يستقبلها ثم يجد فيها استجابة لرغباته واحتياجاته العاطفية والنفسية ومع مرور الوقت تستحوذ الفكرة على عقله ويمنحها قلبه ثقته حتى تتحول إلى قناعة تفرض نفسها على سلوكه ورؤيته للعالم وهنا تبرز القضية الأهم في العرض ليس الوهم خطرًا فقط حين يُصنع بل حين يجد جماعة مستعدة لتصديقه والدفاع عنه والاستسلام لسلطته فمبرك لا يصنع الوهم من فراغ إنه يستثمر أرضًا اجتماعية مهيأة لاستقباله الجفاف والفقر والحاجة والخوف وضعف المعرفة والرغبة في الخلاص السريع وبذلك تتحول المعجزة العابرة إلى مشروع للسيطرة ويتحول الاعتقاد إلى سلعة ويصبح الخلاص الموعود أداة لاستغلال الإنسان
ويشكل مفهوم الجهل المقدس أحد المفاتيح الدلالية المهمة في قراءة المسرحية والمقصود هنا ليس الحكم على الإيمان الديني في ذاته وإنما الكشف عن الآليات التي تجعل بعض الأشخاص يستثمرون المقدس المزعوم أو الخطاب الديني المصطنع لفرض النفوذ وتعطيل السؤال وتحصين المصالح الشخصية من النقد فحين تقدم شخصية الولي الوهمي باعتبارها مصدرًا للخلاص يصبح الاعتراض عليها نوعًا من الخروج عن الجماعة أو التشكيك في المقدس وبهذه الطريقة ينتقل الوهم من كونه فكرة قابلة للنقاش إلى سلطة تحكم السلوك وتعيد تنظيم العلاقات الاجتماعية وفق مصالح من يقف خلفها ويكشف العرض عن التقاء ثلاثة عوامل في صناعة هذه السلطة وحاجة المجتمع واستغلال أصحاب المصلحة وضعف النظام وفساد بعض مؤسساته ومن خلال هذا التداخل تصبح الكوميديا وسيلة للكشف عن التناقضات التي تحكم الشخصيات من يتحدث عن الفضيلة قد يكون طامعًا ومن يطلب الحماية قد يكون شريكًا في الاستغلال ومن يتظاهر بالقوة قد يخفي جبنًا عميقًا
بدأ العرض بفقرة إيقاعية تؤديها مجموعة موسيقية في طقس يمكن تسميته طقس المطر يستحضر حالة القرية العطشى ورغبتها في الغيث ومن بين العبارات التي ترد في هذا الطقس يا معطي السائلين عطشى متوسلين يا رازق الجائعين انزل علينا غيث تمثل هذه الافتتاحية مدخلًا مهمًا إلى العالم المسرحي فهي لا تقدم الموسيقى بوصفها عنصرًا تزيينيًا فحسب وإنما تضع الجمهور في قلب الحالة الوجدانية التي تحكم الحكاية العطش والرجاء والانتظار والتعلق بالقوة العليا وقد أدت الجوقة الموسيقية دورًا مؤثرًا في بناء الجو العام للعرض من خلال الطبول والحركة والرقصات كما أن تدخلاتها كانت تمنح المشاهد دفعات إيقاعية وتضيف طاقة كوميدية وتشكيلية ومع ذلك كان من الممكن أن يتسع دورها الدرامي بحيث لا تقتصر وظيفتها على الفواصل أو التمهيد بل تشارك بصورة أكثر انتظامًا في تشكيل المشاهد والتعليق على الأحداث وتعميق التحولات
وتجلت فاعلية الكوميديا في العرض من خلال التواصل المباشر مع الجمهور واستثمار المواقف والحوار والأداء الجسدي بما يتيح للمتلقي أن يكون حاضرًا في عملية إنتاج المعنى من بين العناصر التي برزت في العرض يأتي أداء الفنان محمد العجمي الذي بدا بوصفه أحد المحاور الأدائية الرئيسة التي أسهمت في قيادة الإيقاع المسرحي فهو لم يكن حاضرًا باعتباره مؤديًا لشخصية فحسب بل بدا وكأنه يضبط حركة العرض من داخله ويمنح المواقف طاقتها ويسهم في توجيه انتباه الجمهور نحو التحولات الكوميدية والدرامية ويمكن وصف حضوره بأنه حضور مايسترو أدائي من حيث القدرة على إدارة الطاقة المسرحية والتفاعل مع بقية الممثلين والمحافظة على التواصل مع الجمهور ومع ذلك فإن القيمة الأدائية للعمل تتشكل من العلاقة بين الممثلين ومن قدرتهم على بناء عالم مشترك تتفاعل فيه الشخصيات وتتصادم المصالح
وعلى الجانب الآخر أدت الجوقة الموسيقية في العرض وظيفة تتجاوز المصاحبة الصوتية إذ أسهمت في خلق البيئة المسرحية المرتبطة بالقرية والطقس والجماعة والإيقاع الشعبي وقد منحت الطبول والرقصات والحركة الجماعية العرض حيوية واضحة ورفعت من الطاقة الإيقاعية في اللحظات التي تدخلت فيها الجوقة وكان يمكن استثمار هذه الإمكانات بصورة أوسع من خلال التعبير عن معاناة أهل القرية والتعليق الساخر على تحولات الشخصيات والمشاركة في بناء الطقوس وإظهار انتقال الجماعة من الإيمان بالمعجزة إلى الانكشاف على حقيقة الوهم.
واعتمد العرض على فضاء مسرحي يضم عناصر ديكورية مرتبطة بالضريح أو المقام إلى جانب خلفيات وشاشات كبيرة تمتد بصريًا نحو الصحراء وهو ما أسهم في تشكيل البيئة العامة للحكاية ومنح المشاهد امتدادًا بصريًا يتجاوز المكان المغلق ومن وجهة نظر نقدية يمكن طرح تساؤل حول مدى الحاجة إلى كثافة بعض العناصر الديكورية وما إذا كان اختزالها سيمنح الفضاء قدرة أكبر على التعبير فالمسرحية لا تحتاج بالضرورة إلى فضاء ممتلئ بالتفاصيل بقدر ما تحتاج إلى علامة مكانية مركزية يمكن أن تتحول إلى رمز بيت المقام أو المزار مع خلفيات تتغير وفق مسار الأحداث وتتيح للفضاء أن ينتقل من موقع للرجاء إلى موقع للسيطرة ثم إلى مكان للحصار والموت إن الاقتصاد في الديكور لا يعني الفقر البصري بل يمكن أن يفتح المجال أمام العلامة المسرحية لكي تكون أكثر تركيزً واخيرا يمكن القول من مشاهدتي ان الجمهور أحتل موقعًا مهمًا في بنية العرض خصوصًا في ظل اعتماده على الكوميديا الشعبية والتواصل المباشر وقد بدا أن العرض نجح في بناء علاقة حية مع القاعة مستفيدًا من المواقف الكوميدية والإيقاع الأدائي وحضور الممثلين والاشتغال على قضايا قريبة من اهتمامات المتلقي ولا ينبغي النظر إلى التفاعل الجماهيري باعتباره عنصرًا منفصلًا عن القيمة الفنية بل بوصفه جزءًا من طبيعة المسرح الشعبي الذي يتأسس على التواصل الحي مع الناس وعلى تحويل القضايا العامة إلى تجربة مشاهدة تشاركية.

