إعداد وتقديم: الطاهر لكنيزي
اسم الكتاب: “الكتاب “نزوة الخلق”
اسم الكاتب: د. رشيد بلفقيه
اسم الناشر : دار بصمة للنشر والتوزيع
******************
الكتابة وسؤال الوجود والخلق، في نص “الكاتب، نزوة الخلق” لرشيد بلفقيه
يقال لكل سؤال جواب، ولكن هناك حالات يتعذر فيها الجواب، او يعلق بين الاثبات والنفي؛ حينها يصبح الاهتمام بالسؤال أكثر من الجواب، باعتباره المحفّزَ والدافعَ للبحث والتفكير. يقول Karl Jaspers:” الأسئلة في الفلسفة أهمُّ من الأجوبة، إن كلَّ جواب يصبح سؤالاً جديدًا.” وما أكثر الأسئلة التي تنبجس بين الفينة والأخرى من بين ثانيا هذا المؤلف؛ فمهمّة السيناريست أن يزعج القارئ أو المتفرّج بعرض وضعيات شاذّة، أكثر مما يطمئنه.
خلال المشاهد الستَّةِ من النص المسرحي “الكاتب، نزوة الخلق” للكاتب رشيد بلفقيه، يبدو أنّ الكِتاب صندوقٌ، جَمَع فيه المؤّلف بمهارة ودربة، أبْدع التُّحَف من أدب، وفنّ، وموسيقى، وفلسفة. ألا يقال: المسرح أبو الفنون؟
في محاولتي لفتح كوّة، في أحد وجوه هذا الصندوق الفرجوي، بمعول قراءة عاشقة، يطل منها القارئ على ما يزخر به، ولكل قارء ما تأوّل.
أتمنى ألا أكون مجازفا أو بعيدًا عن روح النص، لو قلت إن كلّ الأصوات ليست إلا أصداءَ صوت الكاتب نفسه، الذي وهو في نفس الوقت: البطل، والسييناريست، والراوي، والشخوص الأخرى ليست سوى أشباهِه، نسخه، أو قُرنائه في عدّة أوجه.
خلال الحوار بين الشخوص، يلجأ الكاتب إلى الحوار الداخلي، وحوار الصم le quiproquo؛ كما يستنجد بالحركات، وخيال الظل. حيت مثلا «تتزاحم ظلالهم المنعكسة على الجدران“(1)، في هذا المؤلف يتناول كاتبنا عدّة إشكاليات، تتواشج فيما بينها لتصب في هذه المحاور الأساسية: دور الكاتب، فعلِ الكتابة وجَدواها، القارئ المفترض، والرقابة.
على الصفحة الأولى جنسُ العمل الأدبي، ومؤلفُه، وعنوانٌ رئيس، وعنوانٌ فرعي، ورسمٌ ليد تحمل ريشة، وقد خطت نابضا يتحرّر من الضغط، كأنّها تأمر الكاتب بالانطلاق، أو الخطوط الأولى التي يتعلمها الطفل للتحكم في الريشة، أو القلم عند لقائه الأول بالكتابة؛ وقد تنمّ كذلك عما يعتلج في فؤاد الكاتب من شغف حارق للكتابة، ورغبةٍ ملِحَّة ملتبسة بالحيرة، التي هي عنوان المشهد الأول من النص المسرحي، الصادر عن دار بصمة للنشر والتوزيع.
لنعد إلى العنوان، فهو يعد أوّلُ تجليات الخطاب التي يقابلها القارئ، قبل أن يشرع في قراءة النص. إنّه العتبة النصّية الأولى، وتتجلى امتداداته وإشاراته من خلال سيمولوجيته السردية في النص؛ إنه كذلك علامة لغوية، تتموقع في واجهة النص، لتؤدي مجموعةً من وظائفَ تخصّ أنطولوجيا النص، ومحتواه، وتداوليته، في إطار سوسيو – ثقافي خاصٍّ بالمكتوب. وتُعد شَفرةُ العنوان من أهم الشفرات في النص، لما تحمله من ترغيب، وجذب للمتلقي؛ فضلاً عن كونها تحمل تمويهاً، وتلغيزاً، إذ تمنح أيّ خطاب هُويتَه.
العنوان الرئيس: الكاتب: خبر مرفوع بالضمة الظاهرة في آخره لمبتدأ محذوف تقديره هذا هو الكاتب. وهذا: اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ. هو: ضمير فصل مبنيٌّ لا محل له من الإعراب؛ والكاتب من عملِه الكتابة، أديبا كان أو موظفًا؛ والذي يعنينا في هذا المؤلف هو الأديب. في النص تردُّدٌ صارخٌ لعدة أصوات، كما ذكرت، وفوضى عارمة، وهي نُسخ لنفس الكاتب.
يقول نيتشه: “ما يزال المرء بحاجة إلى بعض الفوضى في داخله، حتى يتمكّن من إنجاب نجم لامع.” أليس هذا من بعض أحلام، أو أوهام كل مبدع، حتّى لو أنكر ذلك، وهو أن يصبح كاتبا أو فنانا نجما لامعا؟
والعنوان الفرعي: نزوة الخلق: مركّب من اسمين: نزوةُ: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره؛ الخلق: اسم مجرور وعلامة جره الكسر وهو مضاف إليه، وتقدير الكلام: هذه نزوة الخلق.
والخلق من فعل خلق، بمعنى أبدع أي ابتكر، وأنشأ، وشكّل، وصوّر، وأوجد شيئا من العدم، وهذا الفعل الأخير لا يكون إلا من الذي أبدع الأكوان والإنسان، سبحانه وتعالى؛ أما الإنسان فإنّه يبدع مما راكمه من تجاربَ عاشها أو عايشها، وثقافات نَهِلها مما قرأ. والقراءة والكتابة، في رأيي، تتلخصان في عمليتين: الشحن والإفراغ. فلن تتم هذه بذون تلك. وهذا ما يتجلّى بوضوح لكل متصفّح هذا المؤلف، عندما يكتشف بين دفّتيه وفرةَ زُمْرة من أسماء الفلاسفة والعلماء والأدباء، والأفكار التي يذلقها الكاتب، دفعة واحدة بعدما بشِمَ منها.
والنزوة: اسم، جمعِ نزَواتٍ أو نزْوات، ولها عدة مفاهيم، سأكتفي بذكر ما يقوله علم النفس: النزوة هوًىً مفاجئٌ شديدٌ، لشيء ما مثل لباس، أو أغنية، أو كتاب، أو حلية، ” وسرعان ما تخبو هذه النزوة. كالنشوة البكر تسبينا فندمنها *** دهرا، ونهملها يوما فتندثر. لكن يبدو أنّ كاتبنا لن يسلو هذا الهوى، إنّه يحنّ إليه، ثم يعود كل مرّة كأنّه يجرّب حتى يصبح ذلك عادة، والعادة كما يقال أمّ الإدمان. بَيْد أنّ لهذه النزوة منزلتين لا ثالث لهما: القمة أو الحضيض. بمعنى أنّ للكتابة حدّين.
تبدأ المسرحية برفع الستار وعلى الخشبة غرفةٌ بأثاث متواضع، لكنه” منسق بعناية فائقة”، جانب من هذه الغرفة مضاء والآخر مظلم، وقد يوحي هذا إلى الحياة بوجهيها المفرح والمترح. وممّا يؤثث الخشبة: مطبخ، لا يبرز إلا في المشهد الثالث، وهو يحيل على ورشة حيث تصبح الكتابة إعدادِ وجبات للعقل، كما المطبخِ للمَعدة. ينخرط الكاتب في تأمّل الفضاء المحيط به وهو يستمع إلى أغنية: أقبل الليل التي سيوزّع كاتبنا مقاطعها على كل المشاهد الستّة، وهي من كلمات أحمد رامي، وتلحين رياض السنباطي، وغناء أم كلثوم، إلى أن ينبعث صوت من الخارج، ليربك الجمهور أو المتلقين بأسئلة عن الوهم والحقيقة، وما بينهما، وإن كان الإبداع يمنح إحساسًا بالحياة، أم أن ذلك ليس إلا استلابا وسرابًا. وهل للكاتب الحريةُ في التحكم فيما يكتب؟ أم أن هناك قوةً باطنية توجّهه، وتوحي إليه أحيانا بأفكار تتداعى دون استدعاء. ثم يستفيض في نعث الإنسان بكل الخصال والمثالب، فلا هو بالملاك الرحيم ولا بالشيطان الرجيم.

الإنسان الذي تمرّد على الآلهة وسرق النار، إشارة إلى بروميثيوس، تبتدئ المسرحية وتنتهي بالصوت، هذا الصوت غامض الموقف، وتبقى نواياه عصيّةً عن الفهم. أهو مساعد للبطل أم خصمه؟ ففي تحريضه على الكتابة، لا ندري أ يريد به خيرًا أم شرًّا. أليس هذا الصوت إلا أصداءَ صراخ الأفكار الحبيسة في الرأس التي تكاد تنفجر من قوة الضغط؟ يطلب الصوت من الكاتب العودة إلى الكتابة بعدما هجرها طويلا، طويلا؛ وهذا ما يُسَمّى عند الكُتّاب بالسكتة، la panne.
تنتاب الكاتبَ الحيرةُ التي ستلازمه خلال المشاهد الأخرى، فيطلب من الصوت أجوبةً عن عدة أسئلة حارقة تؤرقه. تعوده تلك النزوة الملحّة، التي تشتد فتضحى أزعج من ذبابة جائعة مشاكسة، كلّما طردت عادت بحدّة وشراسة. إنّها الرغبة في البوح بما فاض عن الكأس الخبيئة. وفي حيرة من أمره، يستنتج أن فعل الكتابة سراب فَيحرق نسخه، يقول: «بحق عدد النسخ التي أحرقناها بحثا عن هِواياتنا الضائعة…” (2)، لكن الصوت يذكّره أن الكتابة من اختياره، وفيها يجد نشوة لأنها نزوة، وله فيها مآربُ أخرى، منها الميلُ إلى إثبات الوجود، واحتواءُ الذات، والأملُ في الخلود بعد الممات، هل هناك خلود ما لبعض الأشخاص بعد مماتهم؟ بالطبع نعم، ولكن ليس بأجسادهم، بل خلود بأعمالهم وبما تركوه من آثار أدبيةٍ أو فنّيةٍ.
بيد أن الكتابةَ ليست قدرَ كلِّ مخلوق، فهي من تختار بنفسها من يكتب، وتُدخله في صفقة فاوست، ذلك الساحرُ الألماني في القصة الشعبية التي استوحى منها Goethe مسرحيته الشهيرة. إذ يسمح في أغلى ما لديه حتى روحِه، مقابل سعادة لا يحصل منها على شيء يذكر، أثناء البحث عن الجوهر الحقيقي للحياة يدخل في متاهة، مثل التي ظل الكاتب تائها يترنح بين دروبها حتّى آخر مشهد من المسرحية، وكما حصل لجلجامش الذي دفع به الأسى بعد موت صديقه إنكيدو، إلى القيام برحلة طويلة محفوفة بالمخاطر، لاكتشاف سرّ الحياة الأبدية. ألم يزل القراء يتداولون ملحمته إلى اليوم.
في تماه للصوت مع الكاتب، يقرّ هذا الأخير أنّه ندم على ما كتب ندم الكسعي؛ الذي عض إبهامه حتّى قطعها، ويبقى الكاتب متأرجحا بين تلك المنزليتين: هل يعود إلى الكتابة ليحقق المجدَ والخلودَ، أم يركن إلى حياته كإنسان عاد؟ ويظلّ هذا السؤال يساوره حتى آخر مشهد، حيث ينفر من الكتابة وفكرة الخلود، فيقرر الانقطاع عنها، ليصبح حرّا يعيش بين أشخاص عاديين، تافهين. فالحلّ إذن هو أن يتقبل المرء قدرَه، حيث تكمن السعادة بالرضا عن النفس.
يقول: ” الآن أدركت بعد كل هذا الخراب أن وجودي السعيدَ مرهونٌ بحُبِّ قدري …” (3) إن ما آمن به من مجد قد تمنحه الكتابة، ليس إلا إحدى القناعات، التي تقيد المرء وتعكر صفو حياته، وقد تودي إلى تدميره.
للإجابة عن سؤال لمن سيكتب، يسرُد الكاتب، باستفاضة سلوك وخصائص القارئ المفترض، ثم يتساءل بخيبة مريرة عمّاه جناه من كتبوا قبله. سؤال طالما تردّد في خاطر من أصيبوا بالإحباط، وَالندم، والألم؛ لمّا لم يحقق لهم فعل الكتابة ما كانوا يتطلعون إليه. تستوطن الكاتب نوبة الحيرة من جديد فيقف في مفترق الطرق، لا يعلم أيَّ سبيل يسلك؛ هل يقتفي أسلوب سارتر، أم نتشه، أم كانط، أم الغزالي، أم يشق لنفسه مسلكا متفرّدا، حيث تصبح الكتابة تجريبا، والمتعة تكمن في التجريب، فكلما شرع في كتابة مقدمة نص، انصرف عنها، ليجرّب مقدمة أخرى. يقول الصوت “أنت أيها التجريبي الشرس..” (4) أجل، إنّ هذا العمل الأدبي يتغيّا التجريب: ومن هنا يغدو إدراجه في أحد أنماط الكتابة، والحساسيات المختلفة حسب المدارس النقدية في العصر الحديث مجازفة. رغم أن للكاتب تجربتَه المتفرّدةَ، التي يريدها ألا تستكين إلى الأنماط السابقة والأساليب المطروقة، وأنّه هو من يمسك بخيوط الحُبكة، والمتحكمُ في قدر الشخوص التي تؤثث نصه، وملهمُها أفكارَه، فإنّ الحيرة تربِكُهُ مرّة أخرى، إذْ يشعر أنّه ارتكب خطيئة، حينما خلق شخصية لا يدري كيف ينهي قصتها.
إذا اعتبرنا أن كل أديب هو بحار، فمن المنطقي أن نفترض أن لكل بحار رؤيته الاستشرافيةَ ومعداته الخاصةَ؛ ومع ذلك فالشاعر والكاتب، لا يستخدمان في كثير من الأحيان، نفسَ الأساليب والوسائلِ للوصول إلى وِجْهتهما، لأن ما يبدو جاهزا لأحدهما، قد لا يكون كذلك في بعض الأحيان، بالنسبة للآخر.
الشاعر، الذي لا يملك سوى قلمِه، أو لوحة المفاتيح، ومشاعره كمواد أوّلية، لا يُحَدِّد أبداً المسار الذي ينبغي أن يسلكه. إنه حالم، فعلى زورقه الورقي ينتظر تيارًا من المشاعر القوية، يحمله إلى جزيرة لم تطأها قطُّ خيل خياله. إنه لا يلجأ إلا إلى معاناته؛ وفي نشوة عارمة يرتمي في حضن الغنائية للتعبير عن حالات وجدانية وانفعالات، وعواطفَ بطريقة أخّاذة تستميل النفوس.
أمّا الكاتب وأعني الناثر، فبصندوقه ترسانةٌ كاملةٌ من المعدّات والخطاطات التي لا يستطيع الشروعَ في الإبحار بدونها. فهو من يملك زمام المبادرة ليحدّد وجهته. يقوم بمسح شامل لأمزجة القرّاء، واستقراء أفق توقعاتهم، ويعمل على سبر أغوار سلوك شخوصه، ليكتشف العلاقات التي بين بعضها البعض، والتي بينها وبين الأشياء. ثم يستخدم مخططًا لتحديد، بشكل تقريبي إلى حد ما، الرصيفَ الذي سيرسو عليه، والمسافةِ التي سيستغرقها في رحلته. وأخيرًا، ينْطلِقُ نحو غايته عبر مسارات متعرجة من الأحداث، ليخلق في كل منعطف، وفي كل مغامرة، مفاجأة جديدة تغذي فضولَ المسافر، أعني القارئ، لأن القراءة في رأيي، سفر.
أسيرة هي إحدى الشخوص، ترمز إلى النص المأسور الذي يقف الكاتب أمامه متردّدًا، تتناوشه الحيرة الحارقة، بين أن يخطّط لنهايته، أم يمتطي القلم دون سرج أو لجام، ويتركه يمضي به هائما حيثما شاء.
وكما شبّهتُ الكتابة بمطبخ لإعداد وجبات للفكر، فهي كذلك ورشة لزخرفة صور بلاغية بنمنمات استعارية في لوحات فنية باذخة، إذ في هندسة بديعة، تتواشج القطع الفسيفسائية للواقعية المبهرة، بالسريالية الغامضة والمعقّدة، خلال بعض مشاهد هذا النص. ولن أبالغ إن أضفت أن الكتابة نسج. ولن يعوزني الدليل، فالنول واحد، والسداة واللحمة نفسُهما، والحائك عينه، بيد أن المشاهد الستة المنسوجة مختلفة ُ الأقمشة، ومتعدّدةُ الألوان ومتنوعة الحبكات، وملتحمة التطريز:( إنّه التجريب) يجب الإشارة كذلك إلى أنّه في أكثر من مقطع يتشابك السرد بالحوار والقريض بالنثر في لغة راقية تتدفق في سلاسة كجدول يترقرق شعرا، حتّى أن بعض الأسطر تبدو كأشطر لقصيدة نثرية، يقول: ص23 ” شخص قادر على تتبع التفاصيل // أحد ما // يملك فائضا من السلام الداخلي // ومن فراغ الذهن // يستطيع بهما ، مقاومة أمواج الملل // ودفع السراب والعبث // ليصل إلى معاني الكلمات // أحد ما يملك الجرأة على هدم التعابير // وبنائها حتى يرى ما رأيت // ولا يكتمك الرؤيا” (5). ومن خلال هذه السطور كذلك يبرز التحريض على القطع ما هو سائد، ومحاولة التجريب.
تشرع أسيرة في اكتشاف غرفتها (وهي نفس غرفة الكاتب) أليس هذا هو الكاتب نفسه في حلة أخرى، أو بقناع آخر؟ تستوطنها نفس الحيرة بعدما لم يسايرها كي تجد لنفسها مبررا للوجود، ويبقى المخاض عسيرا. تشهق لمرأى صورتها في المرآة. المرآة هي النص بعدما ينفض منه الكاتب يديه. ففيه يكتشف وجوده. هنا يتساءل الكاتب عما أدركه الإنسان عند اكتشاف وجوده للمرة الأولى. لقد شهقت أسيرة من دهشتها؛ أجل إنها الدهشة الباهرة، الحابلة بالإعجاب الذي ينتهي بالافتتان حدّ الفناء. أسيرة فتنت بجمالها، والكاتب بما كتب، ونرسيس افتتنن بجمال خلق الآلهة، حيث رأى انعكاس صورته في بحيرة، “أفروديت، إله الشمس، والإسكندر الأكبر.. كلهم أحبوا وعبدوا صورة الإله التي تجسّدت فيهم.” وهذا ما يسمى بالنرجسية في علم النفس.
خلال عملية الكتابة، لا يني الكاتب عن إبداء رأيه المخالف أحيانًا للمتعارف عليه أو انتقادِه، فيضيف تابلا آخر للوجبة/النص، وهذا ما يسمى بالتجويف الأدبي la mise en abîme. وقد وضّح جيرار جينيت أن ذلك ظاهرة ميتانصّية عامة، Métatextualité في كل الأجناس، للتعبير عن هذا التداخل والانصهار بين الإبداعي والنقدي. واختار لهذا الجنس مصطلح الميتامسرح. إلا أن هذا التداخل يخضع لتوجهين: أحدُهما عفوي، غيُر خاضعٍ بالضرورةِ لوعيٍ بآليات الظاهرة وأبْعادها، وثانيهما واعٍ، يترجم اختيارا جماليا وفكريا، تحكمه خلفيةُ نظريةٍ يمكن نعتها بالحداثة الأدبية والنقدية. وهذا ما نلامسه عند كاتبنا، في كثير من حواراته.
تدور كلّ الأحداث في عزلة عن العالم الخارجي بين غرفة ومطبخ، لكنّ كاتبا آخر، أو شبيهَه يختار الكتابة في المقهى. وهذا من بعض طقوس الكتابة. يرسم الكاتب أجمل اللحظات مع أسيرة والكتابة، وكأن أسيرة ذلك النص السجين بدواخل الكاتب، كما قلت والذي ما يفتأ يلح عليه بإصرار، لكي يطلق سراحه ليوجده، وبوجوده يثبت الكاتب وجوده. يقول بارت: ” إنّ اللغة؛ كأداء لأية لغة؛ ليست رجعية ولا تقدمية؛ إنها فاشية بكل بساطة؛ لأن الفاشية لا تهدف إلى منع الناس من قول الأشياء، بل تهدف إلى إجبار الناس على قول الأشياء”.
يصرح الكاتب لأسيرة أنّه اكتشف شيئا جديدا يمكّنه من الإصلاح. يقول: “بإمكاني إصلاحُ كلِّ شيء.” هل هذا دور الكاتب؟ هل هو مصلح اجتماعي؟ كما يقول: ” … جرّبت الصمت، جرّبت النباح.. لا حل” (6)، هل الكاتب كلبُ الحراسة الذي يشرع في النباح، كلّما بدا له شيء ما، على غير ما يرام؟ وبصيغة أخرى: هل الكاتب ملزم بأن يواكب كلَّ ما يجري حولَه من أحداث ويجعلَ منها موضوعا؟ هل عليه أن يكون مثقفا عضويا؟ أوعلى المؤلف، أو الشاعر، أو الروائي، أو الكاتب المسرحي، أو الملحن، أو الفنان أن يلتزم بالدفاع بعمله عن وجهة نظر أخلاقية، أو سياسية، أو اجتماعية، أو أيديولوجية، أو دينية؟ أن يكون أديبا ملتزما بمفهوم هاينريش، رجل المواقف، الذي يؤمن بأن الأدباء هم ضمير الأمة؟ في نفس السياق يقول: سارتر: ” ليس للكاتب وسيلةٌ للهروب؛ نريده أن يحتضن عصره عن كثب…” (7).
يبرز سؤالٌ آخر هو: ما جدوى وجود كُتاب بعدما أصبح الذكاء الاصطناعي يمدّ المرء بنص أو بكتاب حتّى، في زمن العولمة، حيث أضحت التكنولوجيا الحديثة ماكينة رهيبة تطحن كل الأفكار النيرة والأخلاق النبيلة، وتركسها وتبلورها على مقاس أهواء، أولئك الذين يصادرون كل شيء إنساني جميل إلا التفاهة، ويشجعون على إنتاجها وازدرادها؛ ينغمس الكاتب بإسهاب في وصف دقيق ومستفيض للعلاقة بين الإنسان والكلمات والألفاظ، وما تتركه فينا من آثار عند التلفظ بها؛ يتناول هذا بسلاسة تجعل القارئ يركض لاهتا خلف ذاك النهر المتدفق “بالمعاني كما يقول الكاتب، التي كلما توالت صارت ندّا لمرادفاتها” (8)، تقول المرأة:” ما أجمل هذا الشعر !” وتُرْدِف أسيرة: ” لهذه الكلمات إيقاع موسيقيُّ جميل.».” وكأني بها تريد أن تقول إن الآلة مهما تطوّرت، لن تستطيع التعبير عن المشاعر والأهواء والأحاسيس الإنسانية؛ حتّى لو امتلكنا ناصية لغة الأم، فإننا قد لا نستطيع التعبير بصدق، بتلك اللغة عما يكتنفنا من مشاعر وأحاسيس. في الواقع، نحن لا نعمل إلا على ترجمة مشاعرنا، والترجمة قد تبتعد عن فحوى الخطاب، حتّى لو استعانت بكلَّ اللغات، وكل القواميس. فمن منّا لم يشعر ولو مرّة أنّ اللغة لا تسعفه في التعبير عمّا يجيش بخاطره؟ فبالأحرى الآلة التي لا مشاعر ولا أحاسيس لها.
لكن العم مارك مؤسس فيسبوك يرى أن الأجهزة ذاتُ الذكاء الاصطناعي، ستستطيع يوما ما، أن تتمتع بالحواس الإنسانية، مثل الرؤية والشعور أكثر من البشر أنفسهم.
إن قدر الإنسان في هذه الحياة: خيبات وانكسارات. يقول الفيلسوف أرسطو:” لا يمكن للرجل أن يصبح بطلاً حتى يدرك أسباب سقوطه”. والكاتب في هذا النص يمثل البطل المأساوي الذي لا يستطيع التخلي عن أوهامه وأحلامه، رغم السقطات المتتالية التي لها، صدى صخرة سيزيف وهي ترتطم بالسفح، حتّى لو كلفه ذلك حياتَه، كأنه يجد في ذلك متعة. إنّه يسير نحو حتفه بظلفه كما يقال.
يعي نهايته المأساويةَ، ويمشي إليها بكامل حواسّه حتّى السادسة منها، دون محاولة تجنّبها. يقول Albert Camus عن أسطورة سيزيف:” هذه الأسطورة مأساوية لأن بطلها واعٍ. فأين سيكون ألمه، إذا كان الأمل في النجاح يدعمه في كل خطوة؟” والأمل هو المحفّز الذي يدفع ببطل المسرحية إلى العضّ على الكتابة بالنواجذ. إنّ البطل المأساوي شخصيةٌ محوريةٌ في النص المسرحي، يمثل القيمَ الإنسانية في عالميتِها، ويتميز بِسِمات متعددة تختلف من مذهب لآخر، إلا أنها تشترك في أنه القائم بالفعل الدرامي، عن طريق الأحداث بإرادة صلبة واختيار حر. كأجاممنون و Pyrrhusو Antigone . يقول الكاتب:” يعيش الإنسان حاملا أوهامه غير مستعدٍّ للتخلي عنها مهما كلفه ذلك من ثمن” (9)، 55 ويقول الفيلسوف الدانماركي Søren Kierkegaard :”البطل المأساوي يتخلى عن نفسه للتعبير عن العام”.

لكن هل يستطيع الكاتب أن يعبّر بصدق وتلقائية وحرّية عن عدم رضاه، عن وضعية ما، دون كوابح؟ إن مقص الرقابة يتربص بكل من يتجاوز الخطوط الحمراء، فيما يسمى بالثالوث المقدس، أو المحرّم أي: الدين والسياسة والجنس. ويُتَّخذ هذا الإجراءُ شكلَ سحْب الكتب من التداول، أو اتخاذ قرارات أخرى كالغرامة المالية والسجن، على أساس أنها مستهجنةٌ أخلاقيا، في ضوء المعايير التي يطبقها الرقيب، كما حدث للأزهار الألم أو الشر Les fleurs du mal :Charles Baudelaire والخبز الحافي le pain nu لمحمد شكري، وكان وأخواتها لعبد القادر الشاوي، وغيرها. يقول Gustave Flaubert:” إنّ الرقابة، كيفما كانت، تبدو لي وحشية، شيئًا أسوأ من القتل؛ إن الهجوم على الفكر هو جريمة ضد الروح”.
عِلاوة على هذا، فهناك الرقابة الذاتية، فلكل منّا معتقدات وأفكار تلقاها منذ نعومة أظفاره، من المحيط الذي نشأ وترعرع فيه، فترسخت في دواخله. وكثيرا ما تصعب عليه الجرأة على تفكيكها ومساءلتها ومقارنتها مع ما يخالفها، رغم ظلال الشك التي تجللها. يقول الأديب الجزائري ياسمين خضرة:” لم أكن محظوظًا بما يكفي لأن أكبر في بلد، يمكنك فيه الكتابةُ، والغناءُ، والإبداعُ بحرية. في داخلي، كانت الرقابة تلاحق أخطائي وجُرأتي، وكانت مستعدةً لاتخاذ إجراءات صارمة ضد أدنى تلميح مشبوه. “وليوضح Voltaireرأيه في الرقابة يقول:” أنا أكره ما تقوله؛ لكن سأدافع حتى الموت، عن حقك في قول ذلك.” ومن المضحكات المبكيات ما دأبت عليه الرقابة دون وعي منها، فعملت عكس ما كانت تصبو إليه، إذ ساهمت في انتشار مؤلف ما على نطاق واسع كانت تنوي طمره، فتداوله ولو سرّيًا حتى غيرُ الشغوفين بالقراءة. ألا يقال: “كلُّ ممنوعٍ مرغوبٌ فيه؟”
وفي هذا السياق يحقّ لكم أن تتساءلوا معي إن كان الكاتب ما زال يزعج السلطة في وقتنا الراهن؟ يردّ المؤلِّفُ بالإيجاب، حيث يقتحم شرطيان غرفة الكاتب ويقلبانها رأسا على عقب؛ ومن هنا تبدأ مأساته حتى الموت. هل كان سبب وفاته خطأ ارتكبه المستنطِقُ لعدم خبرته، فمات المستنطق قبل الظفر منه بمعلومات مهمّة في البحث؟ أم امتناعُ الكاتب عن كشف مبادئ آمن بها، ونذر حياته للدفاع عنها؟
إن الكاتب ليس عضوا في حزب أو جمعية ما، ليخرج ويخطب في الجماهير، لكنّ أفكاره تصل إلى القُرّاء وقد تؤثّر في بعضهم. يقول: “إن المعتقدات والأفكار كالرذاذ الملَوِث، إشراقاتٌ، تنوير، جرعات من الأكسجين،” وأشاطره رأيه فأضيف إنّها معدية كالطاعون، فكم من شباب استدرجوا للتشبع بأفكار لا تخدم الإنسانية وضحّوا من أجلها بالنفس والنفيس، وهم في جهالة عمياء. ولاستمالة الشرطي، لم يفتأ الصوت القادر على التأثير يلح عليه في الشروع في كتابة أحلامه، حتى طاوعه. يقول:” يضع الشرطي المسدّس في استسلام نهائي لقدرة الصوت وقوته المطبقة…”. (10)
لكن ما الذي سيرقنه؟ هل تقريرا عما حصل داخل الغرفة وموت الكاتب ليحقق حلمه في الترقي، أم نصّا أدبيا عن مغامرته البوليسية؟
يُترك الجواب لخيال القارئ …
هوامش القراءة
(1): رشيد بلفقيه، الكاتب (نزوة الخلق)، الطبعة الأولى، سنة 2025، دار بصمة للنشر والتوزيع، ص 70.
(2): نفسه، ص 17.
(3): نفسه، ص 103.
(4): نفسه، ص19.
(5): نفسه، ص 23.
(6) نفسه، ص 85.
(7):الأزمنة الحديثة، العدد الأول، دار جاليمار.
(8): الكاتب، نزوة الخلق، ص 48.
(9): نفسه، ص 55.
(10):نفسه، ص 120.

