ميشيل الرائي
ليس السؤال اليوم: متى بدأ المسرح العربي؟ ولا: هل عرف العرب المسرح؟ فهذه الأسئلة استُهلكت حتى كادت تتحول إلى يقين منهجي لا إلى موضوع للبحث. فمنذ أكثر من نصف قرن، والكتب والدوريات والرسائل الجامعية والمؤتمرات التي تعقدها المؤسسات المسرحية العربية، من القاهرة إلى بغداد، ومن قرطاج إلى الرباط والشارقة، تعيد إنتاج الأسئلة نفسها، مع اختلاف في الأمثلة والأسماء، لا في البنية الفكرية التي تنتجها.
لقد ظل الخطاب المسرحي العربي أسير ثلاثة محاور كبرى: سؤال الأصل الذي يبحث عن لحظة الميلاد مع مارون النقاش أو أبي خليل القباني أو يعقوب صنوع، وسؤال الهوية الذي يتأرجح بين الاقتباس من المسرح الأوروبي والعودة إلى التراث والفرجات الشعبية، وسؤال الحداثة الذي يحاول التوفيق بين المحلي والعالمي. غير أن هذه المحاور، على أهميتها التاريخية، لم تعد تنتج معرفة جديدة، بل أصبحت تعيد إنتاج نفسها داخل دائرة مغلقة.
إن الأزمة لا تكمن في ندرة المعلومات، ولا في غياب الوثائق، وإنما في الإطار المعرفي الذي تُصاغ داخله الأسئلة. فما زالت الدراسات المسرحية العربية، في معظمها، تتحرك داخل أفق تاريخي وصفي، بينما تفتقر إلى مساءلة إبستمولوجية للمفاهيم التي تنطلق منها. فالسؤال التقليدي: «هل عرف العرب المسرح؟» يفترض مسبقًا أن المسرح مفهوم كوني ثابت، في حين أن هذا المفهوم نفسه تشكل داخل سياق تاريخي وثقافي أوروبي محدد. لذلك يصبح السؤال الأكثر دقة: كيف تحول النموذج الأوروبي إلى معيار عالمي تُقاس عليه جميع الثقافات الأدائية؟
ومن الذي منح هذا النموذج سلطة التعريف؟
كما أن كثيرًا من المؤتمرات والبحوث الأكاديمية لم تعد تنتج مفاهيم جديدة بقدر ما تعيد تدوير المفاهيم الموروثة. فغالبًا ما يُكافأ الباحث على قدرته على الانسجام مع النموذج السائد، لا على زعزعته أو إعادة بنائه. وهذه ليست أزمة المسرح العربي وحده، بل إحدى سمات العلوم الإنسانية عندما تتحول المؤسسة الأكاديمية إلى حارس للمعرفة أكثر من كونها منتجًا لها.
ولا يعني ذلك أن الفكر العربي خلا من محاولات التجديد؛ فقد سعت مشاريع فكرية متعددة إلى إعادة النظر في مفاهيم التراث والحداثة ونقد البنية المعرفية العربية، إلا أن أثرها في الدراسات المسرحية ظل محدودًا، ولم يتحول إلى نموذج تفسيري جديد يعيد تأسيس الحقل برمته.
من هنا لا يعود السؤال متعلقًا بتاريخ المسرح العربي وحده، بل بطبيعة المعرفة التي أنتجت هذا التاريخ. فبدل أن نسأل: ما هو المسرح العربي؟ أو: متى بدأ؟ يصبح السؤال: من يملك سلطة تعريف المسرح؟ وكيف أصبحت الرواية الأوروبية عن نشأته حقيقة كونية؟ ولماذا نصر على البحث عن «أب» للمسرح العربي، بينما قد تكون الممارسات الأدائية في الثقافة العربية متعددة الجذور، عصية على الاختزال في لحظة تأسيس واحدة؟ وهل ما نكتبه هو تاريخ المسرح فعلًا، أم تاريخ المؤسسة التي أنتجت هذا التاريخ ورسخته؟
عند هذه النقطة ينتقل البحث من كتابة تاريخ المسرح إلى نقد المعرفة التي تنتج هذا التاريخ. وهنا فقط يصبح من الممكن الانتقال من إعادة تدوير السرديات إلى إنتاج نظرية جديدة.
إن الأزمة الحقيقية، في تقديري، ليست أزمة نقص في المصادر، ولا أزمة قلة في الدراسات، بل هي استمرار هيمنة ما يمكن تسميته بـ «البراديغم التأسيسي»؛ أي ذلك النموذج الذي لا يكف عن البحث عن الأصل والهوية والبداية، بدل تحليل الشروط التي أنتجت هذه المفاهيم نفسها.
وأقصد بالبراديغم التأسيسي المنظومة المعرفية التي تجعل سؤال الأصل والبداية والهوية الإطار الحاكم للدراسات المسرحية العربية، بحيث يصبح اختلاف الباحثين مقتصرًا على الإجابات، لا على طبيعة الأسئلة نفسها. ولا أقصد بالبراديغم هنا مجرد اتجاه فكري أو مدرسة نقدية، وإنما منظومة من الافتراضات المسبقة التي تحدد للباحث نوع الأسئلة التي يحق له أن يطرحها، وحدود الإجابات الممكنة قبل أن يبدأ البحث نفسه. فالبراديغم لا يقدم حلولًا، بل يصنع المشكلة التي ينبغي البحث عنها.
ومن هذا المنطلق، فإن أغلب الدراسات المسرحية العربية، على اختلاف مدارسها واتجاهاتها، لم تختلف في طبيعة الأسئلة، وإنما في طبيعة الأجوبة فقط. فقد ظل الباحث العربي يتحرك داخل دائرة مغلقة تبدأ دائمًا من سؤال الأصل، ثم تنتهي إليه. فمن بدأ المسرح العربي؟ هل كانت البداية مع مارون النقاش؟ أم مع أبي خليل القباني؟ أم مع يعقوب صنوع؟ وهل عرف العرب المسرح قبل القرن التاسع عشر؟ وإذا كانت لديهم أشكال فرجوية، فهل يجوز أن نسميها مسرحًا؟ وهل المسرح العربي وافد من أوروبا، أم أنه امتداد لتراث عربي سابق؟
إن اختلاف الإجابات لم يكن يعني خروجًا من هذا البراديغم، لأن جميع هذه المواقف كانت تتحرك داخل السؤال نفسه. فالذي يدافع عن الأصل الأوروبي، والذي يبحث عن أصل عربي، والذي يعود إلى الفرجات الشعبية، جميعهم يشتركون في افتراض لم يخضع للنقد، وهو أن تاريخ المسرح لا بد أن يمتلك نقطة ميلاد واحدة، وأن قيمة الظاهرة الثقافية تتحدد بإثبات أصلها.
وهنا تكمن سلطة البراديغم التأسيسي؛ فهو لا يفرض نتائج بعينها، وإنما يفرض شكل التفكير ذاته. إنه يحول البحث العلمي إلى عملية تنقيب دائمة عن البدايات، ويجعل التاريخ سلسلة من لحظات التأسيس، بدل أن يكون شبكة معقدة من التحولات والانقطاعات والتداخلات.
ولذلك اختُزل قرن ونصف من التفكير المسرحي العربي في سؤال واحد: من كان الأول؟ بينما غابت أسئلة أكثر عمقًا، مثل: كيف تشكل مفهوم المسرح نفسه؟ ومن الذي منح بعض الممارسات صفة «المسرح» وحرم ممارسات أخرى منها؟ وكيف أصبحت التجربة الأوروبية هي النموذج المرجعي الذي تُقاس عليه بقية التجارب الإنسانية؟
إن البراديغم التأسيسي لا يبحث عن المعرفة بقدر ما يبحث عن الشرعية. فهو يسعى إلى منح المسرح العربي شهادة ميلاد، أو إثبات نسب تاريخي له، وكأن القيمة الفكرية لأي ظاهرة ثقافية تتوقف على إثبات أسبقيتها الزمنية. وهكذا تحولت الدراسات المسرحية، في كثير من الأحيان، إلى محاكم تاريخية تبحث عن الأب المؤسس أكثر مما تبحث عن شروط إنتاج الظاهرة نفسها.
ومن هنا فإن تجاوز هذا البراديغم لا يعني إنكار دور مارون النقاش أو أبي خليل القباني أو يعقوب صنوع، كما لا يعني إنكار أثر المسرح الأوروبي أو الفرجات الشعبية، بل يعني تحرير البحث من السؤال الذي جعل هذه الأسماء تتحول إلى مركز تدور حوله جميع الدراسات.
فالمشكلة ليست في الأشخاص، وإنما في النظام المعرفي الذي جعل البحث لا يرى غيرهم.
إن الانتقال إلى أفق نظري جديد يبدأ لحظة نتوقف عن سؤال: «من بدأ؟» لنطرح سؤالًا أكثر جذرية: كيف صُنعت فكرة البداية أصلًا؟ فمنذ تلك اللحظة لا يصبح موضوع البحث هو تاريخ المسرح العربي، بل تاريخ إنتاج المعرفة بالمسرح العربي، وهو انتقال من كتابة الوقائع إلى نقد الشروط التي جعلت الوقائع تُرتب وتُفسر على هذا النحو دون غيره.
ذلك هو ما أسميه التحول من البراديغم التأسيسي إلى البراديغم الإبستمولوجي؛ أي الانتقال من البحث عن أصل الظاهرة إلى البحث في الشروط المعرفية التي أنتجت مفهوم الأصل نفسه. وعند هذه النقطة فقط يصبح من الممكن الحديث عن تأسيس نظرية جديدة في الدراسات المسرحية العربية، لا لأنها تقدم بداية أخرى، بل لأنها تتجاوز هوس البدايات ذاته.
إذا كان البراديغم التأسيسي قد هيمن على طبيعة الأسئلة التي طرحتها الدراسات المسرحية العربية، فإن أثره الأكثر وضوحًا يتجلى في الكيفية التي كُتب بها تاريخ المسرح العربي نفسه. فقبل البحث في هذا التاريخ، ينبغي أن نسأل: كيف تكوَّن هذا التاريخ؟
إن التاريخ لا يتحدث بنفسه، بل يُكتب داخل مؤسسات، ويخضع لمناهج، ويُنتج وفق اختيارات معرفية محددة. ومن ثم فإن كل تاريخ هو، في جانب منه، تاريخ لطريقة كتابته. ولذلك فإن الإشكال لا يكمن في ندرة الوثائق ولا في غياب المصادر، وإنما في النظام المعرفي الذي منح بعض الوقائع صفة التأسيس، بينما همش وقائع أخرى أو استبعدها من دائرة الاعتراف.
لقد استقرت الرواية السائدة عن المسرح العربي إلى درجة تحولت معها إلى مسلمة أكاديمية. فهي تبدأ بمارون النقاش، ثم تتواصل مع أبي خليل القباني ويعقوب صنوع، قبل أن تنتقل إلى مراحل الاقتباس والترجمة فالاحتراف. غير أن استقرار هذه الرواية لا يعني بالضرورة أنها الرواية الوحيدة الممكنة، بل قد يكون نتيجة لتكرارها داخل المناهج الجامعية، والرسائل العلمية، والمؤتمرات الأكاديمية، حتى اكتسبت سلطة الحقيقة.
ومن هنا لا يعود التاريخ مجرد سجل للأحداث، بل يصبح هو نفسه موضوعًا للنقد. فالرواية التي تبدأ دائمًا بمارون النقاش أو أبي خليل القباني أو يعقوب صنوع ليست حقيقة نهائية بقدر ما هي بناء معرفي تشكل داخل المؤسسة الأكاديمية والثقافية، ثم أعيد إنتاجه حتى اكتسب صفة البداهة. ولهذا فإن الإشكال لا يكمن في صحة هذه الرواية أو خطئها، بل في غياب مساءلة الشروط التي جعلتها الرواية المهيمنة.
إن ما يحتاج إلى البحث ليس الأشخاص وحدهم، بل الآليات التي جعلت هؤلاء الأشخاص يمثلون «البداية». فمن الذي قرر أن هذه هي نقطة الانطلاق؟ ولماذا أصبحت هذه البداية مرجعية لجميع الدراسات اللاحقة؟ وما المعايير التي استُبعدت بموجبها ممارسات أدائية أخرى من أن تُعد جزءًا من تاريخ المسرح؟
إن هذه الأسئلة لا تهدف إلى إنكار التاريخ، بل إلى مساءلة الكيفية التي كُتب بها، لأن نقد الرواية التاريخية يختلف عن نفي الوقائع التاريخية. فالنقد هنا يتوجه إلى بنية المعرفة التي رتبت الأحداث، ومنحت بعضها صفة التأسيس، بينما همشت غيرها.
ومن ثم فإن إعادة كتابة تاريخ المسرح العربي لا تعني استبدال رواية بأخرى، أو البحث عن مؤسس جديد، بل تعني الكشف عن الآليات التي صنعت الرواية السائدة أصلًا، وإخضاعها للنقد بوصفها بناءً معرفيًا لا حقيقة نهائية.
وعند هذه النقطة ينتقل البحث من كتابة تاريخ المسرح إلى نقد المعرفة التي أنتجت هذا التاريخ. فموضوع الدراسة لم يعد الوقائع وحدها، وإنما الشروط التي جعلت الوقائع تُرتب وتُفسر على هذا النحو دون غيره. وهنا يبدأ الانتقال الحقيقي من التاريخ إلى الإبستمولوجيا، ومن البحث عن البدايات إلى مساءلة الكيفية التي صُنعت بها فكرة البداية نفسها.
إذا كان ما سبق قد كشف هيمنة البراديغم التأسيسي على الدراسات المسرحية العربية، فإن الخطوة التالية لا تتمثل في إعادة مناقشة الأسئلة التقليدية، بل في مساءلة المفهوم الذي أنتج هذه الأسئلة جميعًا: مفهوم «المسرح» نفسه. فربما لا تكمن الأزمة في الإجابات التي قدمتها الدراسات العربية، بل في المسلمة التي انطلقت منها، وهي افتراض أن «المسرح» مفهوم كوني صالح لقياس جميع الظواهر الأدائية في مختلف الثقافات. ومن هنا يصبح نقد مفهوم المسرح، لا تاريخه، ضرورة إبستمولوجية تسبق أي محاولة لإعادة كتابة تاريخ المسرح العربي.
لقد انطلقت أغلب الدراسات العربية من افتراض يبدو بديهيًا، وهو أن المسرح مفهوم إنساني كوني يصلح لأن يكون معيارًا تُقاس عليه جميع الثقافات. ومن هنا نشأت الأسئلة التقليدية: هل عرف العرب المسرح؟ وهل كان لديهم مسرح قبل القرن التاسع عشر؟ وإذا لم يكن لديهم، فلماذا؟ وإذا كان لديهم، فأين اختفى؟
غير أن هذه الأسئلة تفترض مسبقًا أن مفهوم المسرح ثابت وعابر للتاريخ، بينما لا يوجد ما يبرر هذا الافتراض. فكل مفهوم هو نتاج تاريخه، وليس سابقًا عليه. ولذلك فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بوجود المسرح أو غيابه، وإنما بتاريخ المفهوم نفسه، وبالظروف الفكرية والثقافية التي جعلته يكتسب سلطة عالمية.
إن المسرح، كما نستخدمه اليوم، ليس اسمًا محايدًا لنشاط إنساني خالد، بل هو مفهوم تبلور داخل سياق فلسفي وجمالي واجتماعي خاص بالتجربة الأوروبية، ثم جرى، مع توسع الحداثة والاستعمار والمؤسسات الأكاديمية، تعميمه بوصفه النموذج الطبيعي والوحيد لفهم جميع الظواهر الأدائية في العالم.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد السؤال المطروح على الثقافات الأخرى: كيف تنتجون أشكالكم الأدائية؟ بل أصبح: أين يوجد المسرح لديكم؟ وإذا لم يُعثر عليه وفق التعريف الأوروبي، عُدَّ ذلك نقصًا ينبغي تعويضه بالاقتباس أو التحديث.
وهكذا تحولت الكلمة من مفهوم تاريخي إلى معيار كوني، ومن وصف لتجربة ثقافية خاصة إلى سلطة معرفية تقيس جميع الثقافات الأخرى. ولم يعد البحث يدور حول فهم الاختلاف، بل حول قياس مقدار الاقتراب أو الابتعاد عن النموذج الأوروبي.
ومن هنا نشأت الثنائية التي سيطرت على الفكر المسرحي العربي طوال قرن ونصف: إما أن المسرح وافد من أوروبا، وإما أن العرب عرفوه قبل أوروبا. وعلى الرغم من التناقض الظاهري بين الموقفين، فإنهما يشتركان في افتراض واحد، هو أن النموذج الأوروبي يمثل المرجع النهائي الذي تُقاس به الشرعية التاريخية.
إن السؤال ليس: هل كانت الحلقة، أو خيال الظل، أو السامر، أو التعزية مسرحًا؟ فهذا السؤال نفسه يفترض أن المسرح هو الأصل، وأن بقية الظواهر مطالبة بإثبات انتمائها إليه.
أما السؤال الذي أقترحه فهو مختلف جذريًا: لماذا نطالب هذه الظواهر بأن تكون مسرحًا أصلًا؟
إن مجرد طرح هذا السؤال يغيّر موقع البحث كله. فلم تعد المشكلة في الظاهرة الأدائية، بل في المفهوم الذي يحاكمها. ولم يعد المطلوب تصنيف الفرجات العربية وفق معايير أوروبية، بل دراسة كل ظاهرة داخل شروطها التاريخية والثقافية الخاصة.
وبهذا المعنى، فإن الحلقة ليست مرحلة بدائية من المسرح، ولا خيال الظل مسرحًا ناقصًا، ولا التعزية نسخة دينية من التراجيديا، كما أن المقامة ليست محاولة أولى لكتابة النص المسرحي. إن جميع هذه التصنيفات لا تقول شيئًا عن الظواهر نفسها، بقدر ما تكشف عن سلطة المفهوم الذي يصدر أحكامه عليها.
إن الخطأ المنهجي الأكبر في الدراسات المسرحية العربية لم يكن في وصف هذه الظواهر، بل في إخضاعها جميعًا لتعريف واحد للمسرح، وكأن التاريخ الإنساني لا ينتج إلا شكلًا واحدًا من الأدائية. وهكذا تحولت المقارنة إلى أداة للإقصاء؛ فما يطابق النموذج الأوروبي يُعترف به، وما يختلف عنه يُصنف بوصفه «ما قبل المسرح» أو «شبه مسرح» أو «مقدمات للمسرح».
ولهذا أقترح التمييز بين مفهومين أساسيين: الأدائية بوصفها خاصية أنثروبولوجية عامة تتجلى في مختلف المجتمعات الإنسانية، والمسرح بوصفه أحد الأشكال التاريخية التي تجلت فيها تلك الأدائية داخل سياق ثقافي محدد. فإذا كان الأداء ظاهرة إنسانية مشتركة، فإن المسرح ليس سوى إحدى صياغاتها التاريخية، ولا يجوز تحويله إلى معيار عالمي تُقاس عليه جميع التجارب الأدائية.
إن هذا التمييز يحرر الدراسات المسرحية العربية من السؤال الذي استهلك قرنًا ونصفًا من البحث: هل عرف العرب المسرح؟ لأنه يستبدله بسؤال أكثر عمقًا: كيف نظمت المجتمعات العربية ممارساتها الأدائية؟ وما المفاهيم التي استخدمتها لفهمها قبل أن يُفرض عليها مفهوم المسرح الحديث؟
وهكذا ينتقل البحث من الدفاع عن وجود المسرح العربي أو نفيه، إلى دراسة أنظمة الأداء العربية بوصفها أنظمة مستقلة، لا بوصفها محاولات ناقصة لبلوغ النموذج الأوروبي.
إن التحول الإبستمولوجي الذي أدعو إليه لا يهدف إلى رفض المسرح الأوروبي، ولا إلى إنكار أثره في الثقافة العربية الحديثة، وإنما إلى تحرير المعرفة من احتكار مفهوم واحد لتمثيل جميع الظواهر الأدائية. فالمشكلة ليست في أوروبا، بل في تحويل تجربة تاريخية خاصة إلى قانون معرفي عالمي.
وعند هذه النقطة يغادر البحث سؤال التاريخ، ويدخل سؤال المعرفة؛ إذ يصبح السؤال المركزي ليس: متى بدأ المسرح العربي؟ بل: كيف أصبح مفهوم المسرح سلطة تحدد ما ينبغي الاعتراف به وما ينبغي استبعاده؟
وهنا تبدأ، في تقديري، الإمكانية الحقيقية لتأسيس نظرية عربية جديدة، لا لأنها تستبدل مركزية أوروبية بمركزية عربية، بل لأنها ترفض منطق المركزيات جميعًا، وتعيد الاعتبار لتعدد التجارب الأدائية الإنسانية دون إخضاعها لنموذج واحد أو تاريخ واحد أو مفهوم واحد.
حين تصبح البنية قدرًا معرفيًا لم تكن مشكلة الدراسات المسرحية العربية، طوال تاريخها الحديث، كامنة فقط في طبيعة الإجابات التي قدمتها حول سؤال النشأة والبداية، بل في البنية المعرفية التي أنتجت هذا السؤال أصلًا. فالبحث المستمر عن لحظة الميلاد، وعن الأب المؤسس، وعن نقطة الانطلاق التاريخية، لم يكن سوى نتيجة لتصور أعمق يرى أن الظاهرة المسرحية لا يمكن أن تكتسب مشروعيتها إلا عبر الانتساب إلى أصل محدد.
لقد تحولت فكرة البداية إلى بنية حاكمة للتفكير المسرحي العربي؛ فلم يعد السؤال متعلقًا فقط بما حدث تاريخيًا، بل بالطريقة التي ينبغي أن يُفهم بها التاريخ نفسه. وهنا تظهر أهمية الانتقال من دراسة المسرح بوصفه ظاهرة مكتملة إلى دراسة الشروط التي جعلت مفهوم المسرح يبدو مكتملًا وقابلًا للتعميم.
إن مفهوم البنية في هذا السياق لا يشير فقط إلى تنظيم العناصر الداخلية للعمل المسرحي، بل إلى شبكة من الافتراضات التي تحدد مسبقًا ما الذي يمكن اعتباره مسرحًا، وما الذي يقع خارجه. فحين يصبح نموذج معين هو المعيار الوحيد للحكم، تتحول البنية من أداة تحليل إلى سلطة تصنيف.
ومن هنا يصبح تجاوز البراديغم التأسيسي مرتبطًا بتجاوز التصور الذي يرى المسرح جوهرًا ثابتًا له شكل واحد وتاريخ واحد ومسار تطوري واحد.
إن السؤال الذي يطرح نفسه لم يعد:
متى ظهر المسرح؟
بل:
كيف تشكلت البنية التي جعلتنا نعرف المسرح بهذه الطريقة دون غيرها؟
إن مفهوم المسرح كما استقر في الوعي الحديث لم يظهر خارج التاريخ، بل تشكل داخل شروط ثقافية وجمالية محددة. فقد ارتبط المسرح الحديث بمنظومات معينة: النص الدرامي، فضاء العرض المغلق، الفصل بين الممثل والمتفرج، مركزية الشخصية، وهيمنة التمثيل بوصفه إعادة إنتاج لواقع مفترض.
ومع مرور الزمن، لم تعد هذه العناصر مجرد خصائص تاريخية لنمط مسرحي معين، بل تحولت إلى تعريف ضمني لماهية المسرح ذاته.
وهنا تكمن المشكلة الإبستمولوجية: عندما تتحول تجربة تاريخية خاصة إلى معيار عالمي، فإن الثقافات الأخرى لا تُقرأ وفق منطق اختلافها، بل وفق درجة اقترابها أو ابتعادها عن هذا النموذج.
لهذا فإن السؤال التقليدي:
“هل عرف العرب المسرح قبل القرن التاسع عشر؟”
يحمل في داخله افتراضًا مسبقًا، لأنه يفترض أن المسرح موجود كحقيقة مكتملة تنتظر أن تُكتشف، وليس كمفهوم تاريخي تشكل داخل سياقات معينة.
ومن ثم فإن النقد الإبستمولوجي لا يبدأ من البحث عن وجود المسرح أو غيابه، بل من تحليل النظام المعرفي الذي جعل وجوده مرتبطًا بتعريف محدد.
يقدم مفهوم ضدّ البنية (Anti-Structure) عند فيكتور تيرنر إمكانية نظرية مهمة للخروج من أسر البنية المغلقة. فالمقصود بضدّ البنية ليس الفوضى، ولا إلغاء النظام، وإنما اللحظة التي تكشف فيها الممارسة الإنسانية أن النظام القائم ليس الشكل الوحيد الممكن.
فالطقس، عند تيرنر، يخلق حالة انتقالية تُعلَّق فيها بعض القواعد الاجتماعية المعتادة، فتظهر علاقات جديدة لا تنتمي بالكامل إلى النظام السابق.
لكن أهمية المفهوم لا تكمن في فكرة التعليق فقط، بل في كشفه عن حقيقة أعمق: كل بنية تحمل داخلها إمكانية تجاوزها.
وبتطبيق هذا المفهوم على المسرح، تصبح ضدّ البنية المسرحية لحظة نقدية تكشف حدود النموذج المسرحي السائد، وتفتح المجال أمام إمكانات أخرى للأداء.
فحين يتحرر العرض من مركزية النص، لا يعني ذلك موت المسرح، بل انتقال مركز إنتاج المعنى من اللغة المكتوبة إلى الجسد والفضاء والعلاقة الحية مع المتلقي.
وحين يصبح الجمهور جزءًا من الحدث، لا يعني ذلك إلغاء العرض، بل إعادة تعريف العلاقة التي يقوم عليها.
وحين يخرج الأداء من العلبة المسرحية المغلقة إلى الفضاء الاجتماعي، لا يعني ذلك التخلي عن المسرح، بل مساءلة الحدود التي رسمت تاريخيًا بين الفن والحياة.
يطرح مفهوم ضدّ البنية إشكالية مركزية تتعلق بطبيعتها ووظيفتها: هل هي مجرد لحظة مؤقتة يتم فيها تعليق النظام القائم، أم أنها تمثل إمكانية فعلية لإنتاج نظام بديل؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي تجاوز الفهم الثنائي الذي يضع البنية وضدّها في علاقة صراع نهائي. فـ”ضدّ البنية” ليست نقيضًا مطلقًا للبنية، لأن وجودها يفترض وجود بنية سابقة تكشف حدودها وتعيد اختبارها. كما أنها ليست مجرد فراغ أو غياب للنظام، لأنها تنتج أشكالًا جديدة من التنظيم والمعنى.
إن ما يحدث في لحظة ضدّ البنية ليس اختفاء البنية، بل تحول موقعها ووظيفتها. فالقواعد التي كانت تبدو طبيعية وثابتة تظهر بوصفها اختيارات تاريخية قابلة للتغيير. ولهذا فإن ضدّ البنية تمتلك وظيفة نقدية قبل أن تمتلك وظيفة تأسيسية؛ فهي تكشف أن النظام القائم ليس ضرورة مطلقة، بل إحدى الإمكانات الممكنة.
وفي المجال المسرحي، يصبح هذا التمييز ضروريًا؛ لأن العديد من التجارب التي أعلنت تمردها على المسرح التقليدي لم تكن تهدف إلى إلغاء المسرح، بل إلى تحريره من تعريف واحد مغلق.
فالمسرح التجريبي، ومسرح الطقوس، ومسرح المشاركة، والمسرح الذي يشتغل على الجسد والفضاء، كلها لم تكن مجرد رفض للمسرح السابق، بل محاولات لإعادة بناء العلاقة بين الأداء والمتلقي والفضاء والزمن.
وعليه فإن ضدّ البنية المسرحية ليست بديلًا جاهزًا يحل محل البنية القديمة، بل هي قوة إنتاج للبدائل. إنها لا تقدم نموذجًا واحدًا جديدًا، وإنما تفتح المجال أمام تعدد النماذج.
وهذا الأمر مهم جدًا في سياق المسرح العربي؛ لأن الخروج من البراديغم التأسيسي لا يعني البحث عن “مسرح عربي بديل” يحل محل النموذج الأوروبي، فهذا سيعيد إنتاج المنطق نفسه الذي ينتقده البحث. فالمشكلة ليست في استبدال مركز بمركز، بل في مساءلة فكرة المركز ذاتها.
إذا انتقلنا إلى المجال العربي، فإن مفهوم ضدّ البنية يسمح بإعادة قراءة العديد من الظواهر الأدائية التي ظلت محكومة بسؤال خاطئ: هل هي مسرح أم ليست مسرحًا؟
لقد أدى اعتماد نموذج مسرحي معياري إلى وضع كثير من الممارسات العربية داخل منطقة ملتبسة: ليست مسرحًا كاملًا، لكنها أيضًا ليست خارج المجال المسرحي تمامًا. فظهرت تسميات مثل: “أشكال ما قبل المسرح”، أو “المقدمات المسرحية”، أو “الأشكال الشعبية القريبة من المسرح”.
غير أن هذه التصنيفات تكشف مشكلة المنهج أكثر مما تكشف طبيعة الظواهر نفسها.
فالـحلقة مثلًا لا ينبغي النظر إليها بوصفها شكلًا ناقصًا ينتظر التحول إلى مسرح، بل بوصفها نظامًا أدائيًا له منطقه الخاص:
الحكواتي بوصفه مركزًا متغيرًا للحضور.
الجمهور بوصفه شريكًا في إنتاج الحدث.
الفضاء المفتوح بوصفه عنصرًا دراميًا.
الارتجال بوصفه آلية إنتاج للمعنى.
وكذلك التعزية لا تصبح ذات قيمة فقط إذا قارناها بالتراجيديا الغربية، بل لأنها تنتج نظامًا خاصًا من العلاقة بين الجسد والذاكرة والجماعة والرمز.
أما خيال الظل فلا يحتاج إلى شهادة من المسرح لكي يكتسب شرعيته؛ فهو شكل أدائي يمتلك منطقه الجمالي الخاص، قائم على العلاقة بين الضوء والظل والصورة والحركة.
إن التحول الإبستمولوجي هنا يتمثل في الانتقال من سؤال:
هل هذه الظواهر مسرح؟
إلى سؤال:
ما نوع المعرفة الأدائية التي تنتجها هذه الظواهر؟
وهذا التحول يحرر البحث من الحاجة إلى إدخال كل أشكال الأداء داخل نموذج واحد، ويفتح المجال لفهم التعدد بوصفه خاصية أساسية للظاهرة المسرحية.
لا ينبغي أن يبقى مفهوم ضدّ البنية مجرد أداة لتحليل التاريخ المسرحي، بل يمكن أن يتحول إلى مبدأ إخراجي.
فإذا كانت البنية التقليدية تقوم على مركز ثابت، فإن الإخراج المنطلق من ضدّ البنية يبحث عن لحظات انتقال المركز:
من النص إلى الجسد.
من الشخصية إلى الحضور.
من الخشبة إلى الفضاء.
من التلقي إلى المشاركة.
من التمثيل إلى الفعل.
لكن هذا لا يعني إلغاء العناصر المسرحية، بل إعادة ترتيب العلاقات بينها.
فالمخرج هنا لا يكون مجرد منظم لعناصر العرض، بل يصبح باحثًا في الشروط التي تجعل حدثًا ما يتحول إلى تجربة أدائية.
إن الإخراج وفق هذا التصور لا يسأل: “كيف نمثل النص؟”
بل يسأل:
“ما الشروط التي تجعل اللقاء بين الأجساد والأصوات والأمكنة ينتج حدثًا مسرحيًا؟”
وهنا يصبح العرض نفسه بحثًا إبستمولوجيًا؛ لأنه لا يقدم إجابة عن ماهية المسرح، بل يختبر إمكانات تعريفه.
إن الانتقال من البراديغم التأسيسي إلى البراديغم الإبستمولوجي لا يعني استبدال رواية تاريخية بأخرى، ولا البحث عن لحظة ميلاد جديدة للمسرح العربي، لأن ذلك سيُبقي البحث أسير المنطق نفسه الذي أنتج الأزمة. فحتى لو اكتشفنا ممارسة أدائية أقدم من مارون النقاش أو أبي خليل القباني، فإننا سنكون قد غيّرنا الإجابة فقط، بينما بقي السؤال كما هو: البحث عن الأصل بوصفه مصدر الشرعية.
إن المشكلة العميقة ليست في معرفة متى بدأ المسرح، بل في فهم لماذا أصبح سؤال البداية هو السؤال المركزي أصلًا. وهنا يظهر مفهوم ضدّ البنية بوصفه أداة إبستمولوجية؛ لأنه لا يبحث عن أصل جديد، بل يكشف أن الحاجة إلى الأصل نفسها جزء من بنية معرفية محددة.
فالبراديغم التأسيسي يقوم على افتراضات أساسية:
أن لكل ظاهرة ثقافية نقطة بداية واضحة.
أن القيمة التاريخية مرتبطة بالأسبقية الزمنية.
أن الهوية تحتاج إلى أصل يؤسس شرعيتها.
أن التاريخ يسير في خط تطوري من مرحلة ناقصة إلى مرحلة مكتملة.
أما البراديغم الإبستمولوجي فيقترح الانتقال إلى أسئلة أخرى:
كيف تشكل مفهوم البداية؟
من يملك سلطة تحديد ما يُعد بداية؟
ما المعايير التي تجعل ممارسة ما تدخل في تاريخ المسرح وتستبعد أخرى؟
كيف تتحول رواية تاريخية معينة إلى حقيقة أكاديمية؟
ومن هنا تصبح ضدّ البنية ليست مجرد مفهوم جمالي، بل أداة لتفكيك آليات إنتاج المعرفة.
قد يُفهم تجاوز البنية المسرحية التقليدية بوصفه دعوة إلى إلغاء المسرح، لكن هذا الفهم يقوم على افتراض أن المسرح لا يمكن أن يوجد إلا داخل شكل محدد.
غير أن تاريخ المسرح نفسه يثبت عكس ذلك؛ فالمسرح لم يتطور لأنه حافظ على صورة واحدة، بل لأنه كان قادرًا على إعادة تعريف نفسه باستمرار.
إن كل تحول مسرحي كبير بدأ بوصفه خروجًا عن قاعدة سابقة: الخروج من هيمنة الخطابة إلى مركزية الفعل الخروج من سلطة النص إلى حضور الجسد الخروج من الخشبة المغلقة إلى الفضاءات البديلة الخروج من المشاهدة السلبية إلى المشاركة.
ولهذا فإن ضدّ البنية لا تمثل موت البنية، بل شرطًا لاستمرارها. فالبنية التي تفقد قدرتها على إنتاج ضدّها تتحول إلى نظام مغلق، بينما البنية الحية هي التي تسمح بإمكان تجاوزها. لقد أنتج البراديغم التأسيسي في الدراسات المسرحية العربية إحساسًا دائمًا بالتأخر؛ إذ ظل السؤال الضمني هو: متى امتلك العرب مسرحًا يشبه المسرح الأوروبي؟ وهذا السؤال جعل الثقافة العربية تُقرأ بمنطق النقص، أي باعتبارها مطالبة دائمًا بإثبات امتلاكها لما امتلكه الآخر أما المنظور الإبستمولوجي الجديد فيقترح تغيير نقطة البداية: لا نبحث عن المسرح العربي بوصفه نسخة محلية من نموذج عالمي، بل ندرس كيف أنتجت المجتمعات العربية أنظمتها الخاصة في التعبير الأدائي وهنا يصبح الاختلاف مصدر معرفة لا علامة نقص فالأشكال الأدائية العربية لا تحتاج إلى أن تُثبت أنها كانت مسرحًا قبل أن تحصل على الاعتراف، لأنها تمتلك شرعيتها من داخل شروطها التاريخية والجمالية إن الحلقة، والاحتفالات الطقسية، وخيال الظل، والمدائح، والمواسم، والفرجات الشعبية، ليست مراحل بدائية في طريق الوصول إلى المسرح، بل أنظمة أدائية لها منطقها الخاص إذا كان هذا التحول النظري صحيحًا، فإنه يفرض تحولًا في وظيفة المخرج نفسه فالمخرج داخل التصور التقليدي يعمل غالبًا على تنظيم عناصر موجودة مسبقًا: النص، الشخصيات، الحوار، الفضاء أما المخرج الذي يتحرك داخل أفق ضدّ البنية، فإنه يبحث أولًا في شروط ظهور الحدث المسرحي إنه لا يبدأ من السؤال: كيف أحول النص إلى عرض؟ بل: كيف يمكن خلق حالة أدائية ينتج فيها المعنى من العلاقة بين الجسد والفضاء والزمن والمتلقي؟ وهنا يتحول الإخراج من عملية تفسير إلى عملية اكتشاف العرض لا يصبح تنفيذًا لفكرة سابقة، بل مختبرًا لاختبار حدود المسرح نفسه إن مفهوم ضدّ البنية يتيح إعادة صياغة السؤال المسرحي العربي بعيدًا عن هوس الأصل والبداية. فهو لا يقدم تاريخًا بديلًا للمسرح، بل يقدم طريقة مختلفة لكتابة هذا التاريخ فالانتقال الحقيقي ليس من بداية أوروبية إلى بداية عربية، ولا من مؤسس إلى مؤسس آخر، بل من البحث عن الأصل إلى تحليل شروط إنتاج الأصل ومن هنا فإن البراديغم الإبستمولوجي لا يسأل: من أسس المسرح العربي؟بل يسأل: كيف صُنعت الحاجة إلى وجود مؤسس؟ ولا يسأل:هل كانت هذه الظاهرة مسرحًا؟ بل: أي نظام أدائي تنتج؟ وما المعرفة التي يحملها؟ إن ضدّ البنية تكشف أن المسرح ليس هو الشكل الذي وصل إلى نهايته، بل هو مجال دائم للتحول. وكل محاولة لتثبيت تعريف نهائي له تحمل في داخلها إمكانية ظهور ضدّها.
وهنا تكمن الإمكانية النظرية للمسرح العربي: ليس في البحث عن شرعية تأتي من الماضي، بل في إنتاج معرفة جديدة تجعل التعدد والاختلاف مصدرًا للتأسيس، لا عائقًا أمامه.

