عبدو جلال
تطرح تجربة عرض “المصعد” (إخراج أمين ناسور، وتأليف وترافق الزبير هلال) سؤالاً إستراتيجياً متجدداً في جماليات الدراما العربية والمغربية: كيف يمكن لفضاء سينوغرافي محصور ومغلق أن يستحيل معبراً نحو تفكيك أزمات المركّب السياسي والاجتماعي؟ ينتمي هذا العرض هيكلياً إلى متخيل “مسرح الغرفة المغلقة” (Huis Clos)، حيث يتعطل مصعد بين طبقات بناية ما، ليتضح أن هذا العطب التقني لم يكن إلا صنيعة احتساب انتقامي بين غريمين، ليجد بقية الركاب أنفسهم رهائن “تصفية حسابات” لا يد لهم فيها.
1. المصعد كـ “ميكروكوزم” درامي: تقاطعات التناص والمفهوم
ليس استخدام “المصعد” أو الفضاء المحتجز رمزاً بكرًا في التجميع المسرحي؛ بل هو امتداد لبنية جينولوجية عريقة في المسرح الحديث والسينما:
المستوى العالمي: يتغذى العمل من إرث جان بول سارتر في “جلسة مغلقة” (Huis Clos)، حيث الآخر هو الجحيم والاحتجاز هو المجهر الأخلاقي، ومسرحية “المصعد الآلي” (The Dumb Waiter) لـ هارولد بنتر التي تسائل عبثية السلطة والتواصل.
المستوى العربي: يستحضر العرض رأسًا بنية الشريط السينمائي الخالد “بين السماء والأرض” (صلاح أبو سيف / نجيب محفوظ)، ومسرحية “المصعد” لـ سعد الله ونوس، حيث تتحول الكابينة المعلقة إلى مجسم مصغر للمؤسسة السياسية والمجتمعية التي يتوقف حراكها التنموي ويتعطل نموها بسبب أنانيات ورغبات ثأرية ضيقة.
المستوى المحلي المغربي: يلتقي العرض في جوهره المفهومي مع نص “العطش” (La Soif) للكاتب والمسرحي المغربي عبد الفتاح الحي أبطاني؛ النص الذي أسس لتقنية الاحتجاز الفضائي والخنق النفسي كرمز للعطش إلى العدالة والحرية والفكاك من الشلل المؤسساتي.
في عرض “المصعد”، أجاد أمين ناسور بلورة هذه المرجعيات عبر سينوغرافيا ضاغطة؛ حيث أطر الحركة الجسدية للممثلين داخل مساحة مختنقة، موازياً بين العطب الفني للمصعد والشلل الذي يصيب المؤسسات جراء الصراعات الفردانية.
2. جمالية الاستنبات وواجب “الأمانة”: الميثاق الأخلاقي في الفرجة
إن عملية الاستلهام، الاقتباس، والاستنبات (Transplantation) تُعد من أنبل العمليات الحيوية في تاريخ المسرح؛ فالإغريق اقتبسوا عن أساطيرهم، وشكسبير تناص مع مآثر رومانية، والمناحي الطليعية أتاحت إعادة كتابة النصوص المرجعية وفق رؤى وإسقاطات معاصرة. المسرح بطبعه جدارية تتداعى عليها الأفكار وتتلاقح.
غير أن هذا التلاقح الخلاق يظل محكوماً بـ “ميثاق أخلاقي ورسالي” صريح بين المبدع وجمهوره ومحيطه النظري:
الاعتراف بالمرجعية حق أصيل: إن توارد الخواطر وتقاطعات البناء الدرامي مع أعمال سابقة — كنص “العطش” للحي أبطاني أو غيره من الأصول الدرامية — لا ينقص مطلقاً من قيمة الرؤية الإخراجية لأمين ناسور أو الجهد الدراماتورجي للزبير هلال. بل على العكس، يمنح العرض ثقلاً نقدياً وعمقاً يربطه بسياق مسرحي مغربي وعربي ممتد.
شرف العزو الفني: الأخلاقيات المسرحية تقتضي عدم تغليف “الاستلهام” أو “الاستنبات” بصمت إعلامي، بل إبراز الأصول والتجليات المرجعية في بطاقة العمل والكتيب التوثيقي (Le Programme). إن إحالة الجمهور والناقد إلى جذور الفكرة هي اعتراف بفرسان النص الأصليين، وتحويل للفرجة إلى حوار ثقافي متصل بين أجيال الكتابة المسرحية.
خاتمة
يظل عرض “المصعد” تجربة فنية مكتنزة بالدلالات والرسائل السياسية اللامعة؛ حيث ينجح في توظيف “الثأر الفردي” كمعادل موضوعي لتعطيل الشأن العام. لكن اكتمل البناء الجمالي للعرض يظل مرهوناً باكتدائح التوثيق وشجاعة الإفصاح عن المراجع والتأثيرات. فكما يحتاج المجتمع إلى رفع العطب عن مؤسساته لتستمر بالحركة، يحتاج المسرح المغربي إلى إرساء الشفافية والأمانة العلمية لتستمر العافية في جسده الإبداعي

