قراءات نقدية

التفكيك والخاتمة في سياق ما بعد الدراما العربية:

قراءة لنص (مهزلة النهاية) لـ(حسام الدين مسعد)

 

د. أرشد التكمه جي

 

ملاحظة/ هناك نصين لنفس العنوان … تم الاطلاع عليهما وقد كتبت عن الأول بإختصار وأتمنى قراءته قبل هذا المقال بوصفه محطة انطلاق قبل هذه التحليل عبر الرابط التالي (https://www.facebook.com/share/p/16Wfu8ZEob/)، والان نحن بصدد ما يخص النص الثاني الذي تمت إضافة شخصية الجندي والأم ، وفكرة تناسبهما مع عدم ترك الأفكار الرئيسية للنص الأول بل تم تزاوجها بشكلٍ ابداعي وجمالي ومنطقي ، فإن هذه الإضافة اوهبت للنص بعد آخر مضاف لأبعاده الأولية ، مما دفعني لهذه القراءة.

ان نص “مهزلة النهاية” هو من أهم النصوص العربية المعاصرة الذي يتبنى اسلوب مابعد الدراما في مدونة التأليف النص المسرحي، ومرتكزاً على طروحات مابعد الحداثة؛ لما تحمله من تشعبات فكرية وآراء متعددة على جميع الأصعدة وبالخصوص الفنون المسرحية، وعلى هذا الأساس يمكن قراءته بمختلف القراءات النقدية واتجاهاتها المتعددة وذلك يعود لطبيعة ذلك النص المعقدة، بيد أننا نعتمد منهج التفكيك كونه جوهر أسلوب تدوين ذلك النص او كمنهج أساسي في سطر أفكاره وشخصياته وحروفه، اذ يرفض أن يثبت في زاوية واحدة على الأقل من أمره، لاسيما يتحي لنا قراءة الثنائيات وعمليات التأجيل وإرجاء المعنى والتكرار والتحول الرمزي للمعاني ومبدأ الحضور والغياب، لذا نرى ان نبتدأ من حيث بدأ وانتهى الكاتب، وعليه ننطلق من تبيان الثنائية المقننة التي تلاعب بها المؤلف عبر مدونته الأدبية، إذ نلاحظ بقوة قضايا التصدع التي يتهاوى المعنى فيها لثبوت إلتصاقه بأرض خصبة ليحيا فيها، فإن النص له طابع غالب في تشعباته التي دائما تنحو نحو إرجاء حسم المعنى، أي كيف يؤدي لعبة الاختلاف والتأجيل كونه يرتكز على سلسلة من المواقف الجدلية تدور حول (الخلود/ العبث/ الحرب/ الزمن/ الهوية/ الحقيقة/ الوهم)، عوضاً من ان يعرض مركز وطيد لمعنى الكلمة الثانية من عنوانه (النهاية)، في حين الكلمة الأولى (مهزلة) تعمل على تعري الطروحات والأفكار والايديولوجيات القديمة والحديثة والمعاصرة التي توظفها في متن النص، بوصفها الكفة الأخرى من ميزان اللعبة، إذ يأخذ الكاتب على عاتقه هدف واضح في الصرح المسرحي – إذ يرى أن المسرح وخشبته وأدبه النصي ليس إعطاء او إتمام المعنى بل فضاء لكشف حقيقة معنى النهاية؛ التي بدأت حيث انتهت وانتهت حيث بدأت، إذ تُعبر عبارة (مهزلة النهاية) على مركز تفكيكي يتصدى للمفاهيم التقليدية للنهاية في السرديات، إذ يعمد المؤلف على طرح تساؤلات جوهرية متعلقة بطبيعة الخاتمة كمرتكز معرفي، حيث تبان ان النهاية بانها دعوة حيوية لا تهدئ تشترط إعادة التفكير في الدلالات والمعاني من خلال التساؤلات ما بعد النهاية، وهنا تكون النهاية ليست نقطة وصول بل بداية لنهايتها الحقيقية، ففي داخل المشاهد تتحول التساؤلات حول الانتظار والعبث والنهاية والهوية والزمن والمعنى إلى أنشطة لغوية متكررة سرعان ما تلتهم فراغ العلامة من مرجعها الثابت بالرغم من تعدديته، مما تضع المتلقي في خانة ملئ فجوات القراءة ما بعد قراءة النص بحرية مطلقة لإمساك المعنى الحقيقي والتشبث به، بعبارة أخرى يعمد الكاتب على تنبيه القارئ بوجود مقعد له في دوامة السرديات؛ بشرط الأخذ بالتدابير المطلوبة في مجابهتها جدلياً كان أم إضافة حقيقية لمسوغ المعنى المطلق، إذ ان النص يترك القارئ في سراب أي انه يريد ان يتغلب على المعرفة ام العبث ام الخلود الخ ام ضدها ام يجاورها فهو يدور في فلكة الحلقة المفرغة لما هو قائم في الواقع الحياتي، ان اللغة في النص لا تقتصر على انها وسيلة للتواصل ولتأكيد الحقائق الثابتة بل أحدى أدوات التفكيك، ليعيد تشكيل مفهوم (النهاية) بوصفه فعلاً درامياً غير ثابت البتة، وهذا ما يعكس طبيعة الحياة ذاتها فهي غنية بالتغيير وعدم اليقين المطلق, والكاتب (حسام) يظهر للقارئ كيف يمكن للنهاية أن تكون مستمرة وفي ديمومة من أمرها عكس ما هو سائد بانها حدث حاسم للمقولات الحصولية وليس اللدونية قطعاً، والمتلقي عليه أن يغور في ميدانها والتطلع على مناطقها الرمادية، ولا سيما بين البداية والنهاية بغية تعضيد أو تقويض معانيها الأصيلة التي صبغت بألوانٍ شتى، وهذا ما يجعل النص أن يتجاوز حدوده الدرامية فهو يضرب بقوة ناعمة على مدار مشاهده, فضلاً عن ان النص يتكئ على ابراز الهامش بوصفه مركزاً من خلال الشق الأول من عنوانه الذي يوظف بأسلوب تهكمي ساخر من مركزه (النهاية) وهذه الأخيرة تُعرى لا تُغلق على مدار مشاهد النص.

كما يعمد الكاتب على ثنائية مغايرة قد لا يلاحظها القارئ أو لا يلتمس غايتها او قد يغفل عنها أو قد يمسك بسطحها لا مضمرها، وهنا نشير الى ترسيمه النص بالذي يعرف بالميتا مسرح (مسرح داخل مسرح) وهذه الثنائية واضحة جداً وهي دلالة أو إشارة على إنها مرآة بين الماضي والحاضر والمستقبل، ومن جهة أخرى انها ميدان مجابهة وجدال فكري لدحض بعض الأفكار وتقويض البعض الاخر, بالإضافة على انها تقرأ بوصفها درس عيني للمتلقي بما ذكر سابقاً وبما سنتطرق اليه لاحقاً، فضلاً عن ان النص يصرح بسلطة الكتابة غير ان البروفة ومداخلات المخرجة تقوض هذه الهيمنة، وبهذا تتحول الكتابة الى وضعية قابلة للمراجعة أو الاختبار ولا تنكفئ على انها مصدر تم اغلاقه مما يعزز إرجاء المعنى، كما قد جسد موضوع الثنائيات عبر اللغة (فصحى/عامية) وكذلك الشخصيات (مؤلف/مخرج) (مفكر/متواضع) علاوةً على ذلك فداخل كل من تلك الثنائية تقابلها ثنائيات (رجل/امرأة) (قائم/محجوب) (ملهم/مهمش) (المنطق/اللامنطق) (حقيقة/وهم) (خير/شر) (شرق/ غرب) (ذاكرة/نسيان) (حضور/غياب)، ولا يترك الكاتب هذه الثنائية بل يعمد على ميزان تضاد لتلك الثنائيات عبر أفكار وطروحات تلك الشخصيات، أي ان كل شخصية تمثل بعداً فكرياً ووجودياً متناقضاً أو متعارضاً مع الشخصية الأخرى, إذ نرى (كانط) بوصفه النموذج للعقل النقدي يصطدم بعبثية الانتظار (بيكيت) وهذا يعري طروحات الغرب، و (ابن سينا) الباحث عن الروح يتباين مع تدمير جسد (الجندي) بل ذاته وروحه, وثنائية (الرائي/المؤول) اذ يعملان كوظيفة درامية معرفية أيضاً، الأول (الرائي) يسعي لإرساء مركزٍ سردي غير أنه يتكبد ارتباك متكرر في مسار حدثه داخل النص؛ وارتباطه الجدلي مع الشخصيات وبالذات مع (المؤول) فهو يدعو الاخر الى صناعة المعنى الكامن في جوهر الحقيقة؛ ويهيب بأسلوب تشفيري على أنه أصلُ المعنى، بعبارة أخرى أكثر دقة هو ما ينوب عن مركز السلطة العليا وليس هو تنصيب ذاتي أو جمعي بشري، وهذه الثنائية المتداخلة تصب في خانة تعرية وتقويض الأفكار من خلال ابراز أصل المركز الذي أصبح هامشاً بفعل التلاعب التاريخي القصدي الذي يعيد تدوين شروط الأصل، لاسيماً أن شخصية (المؤول) ظهرت بإنها مركز بشري وهامش إلهي فان الهامش هنا هو الذي يصنع ثبات المركز، فهي دوامة من الثنائيات المقننة والمتضادة التي تعمل على إرجاء المعنى عبر آليات الهدم والبناء والتشظي، ومن الجدير بالذكر هناك موضوعات ذات ثنائيات معقدة قد يجدها القارئ فرعية غير انها مركزية, مثل الفرق بين التأليف والتأويل والزمن بوصفه دوامة متكررة, والخلود خديعة تأملات وجميع الأسئلة التي طرحت ما هي الا أسئلة تعبر عن جوهر الوجود غير ان هناك حوار يعيد او يكرر المشكلة : “من يمتلك الحقيقة؟” وهذا ما يصب في فكرة النص الرئيسية والفرعية على حدٍ سواء, مما يشكك النص في السرديات وغايتها ويطرح مفهوم اللعب (مابعد الحداثة) كوسيلة للبقاء، في حين شخصية (المخرجة) التي تجسدت عبر المسموع فقط (صوت) هي في ثنائية مع شخصية الكاتب بوصفها شريك حياة النص والعرض وهذا ما يتعاضد مع الوجود الحتمي للبشرية، كما ان شخصية (الجندي) لها ثنائية مع شخصية (الرجل) حيث الأول بمثابة ضحية الثاني الذي هو يمثل السلطة وبؤرة الشر، فضلاً على ان هذه الثنائية للشخصيتين تتعاضد مع شخصية (الأم) والتي تعبر عن انهما توئمان من بطن واحدة، وبذات الوقت شخصية (الام) تحيل أيضاً إلى الأرض بوصفها الحاضن الشامل للبشرية جمعاء, بيد أن الخلاف بين الاضداد هناك من يهب الخير والأخر العكس وهذا أيضاُ يتداخل مع موضوعة المركز والهامش لما هو متصدر وما هو مهمش في الواقع الملموس والمحسوس، وأيضاً (الام) هي مرفئ الحنان وتمثل أيضاً الوعي الجمعي بصورة مشفرة مع قرينها (هيباتيا) بوصف الاخيرة المعرفة النسوية المضطهدة في مجابهة منطق التاريخ الدموي الذي تمارسه الهيمنة الذكورية, لاسيما يترنح الجدال بين تنظير فلسفي وبعد انساني ملموس بحضور شخصية (الام-الجندي)، وبالتأكيد هناك ثنائية مائزة حين يجتمع الغرب بالشرق عبر منضدة التعري بميزان الفكر، إذ يجابه (كانت) و(بيكيت) مع (ابن سينا) و (هيباتيا) ويكون الحوار ليس ساذجاً أو بريئاً بينهم وبين (الجندي/الام), فمن جهة هي ميدان توازن الفكر الغربي مقابل العربي وكذلك يعري مركزية الغرب في سطوته على الفلسفة والفكر والواقع والمسرح؛ وبالوقت نفسه يضع الفكر العربي شريكاً حتمياً لا تابعاً مستهلكاً، أي يقوض فكرة الغرب بجعله طرف في مائدة الحياة برمتها لا حكاماً على الآخر (هي جدلية مابعد كولونيالية) والكاتب (حسام) موظفاً ومستفيداً من تعرية أفكار الغرب، علاوة على ان شخصية المؤلف تظهر ككينونة متزعزعة ومضطربة لا تمسك المعنى الحقيقي؛ رغم استدعاء الشخصيات وافكارهم لكنه يخفق في ضبط مسارهم ومن جهة أخرى مسار النص ذاته، كما ان (المؤلف) هو الشخصية المحورية بكل تقلباتها وتعدد مهامها فهو يبحث عن معنى او نهاية في نص كتب مسبقاً يتحدى النهاية والمعنى ذاته، والكاتب (حسام) برع في ترسيمته من هدف النص فلا يملك أحداً منهم الحق في الإنهاء من تلك المهزلة ولا النهاية، أي يؤكد على انهزام سلطة الكاتب على المعنى فهو جزء من التلقي، ومن جهة أخرى يعمد على وضع مكانه كمادة للنقد والتفكيك بدلاً من الاكتفاء كعامل ابداعي فقط، وهذا جلي عبر أحياء آلية الإعادة والتكرار وتشكيل سرده بتجدد وذو طابع تفكيكي داخل كل مشهد؛ وهذا ما يقترن مع مفهوم اللعب بما يخص الأداء المسرحي غير انه يزاوله على سلطة السرد ويعمل كخارطة طريق لفهم تلك اللعبة (النص)، كذلك ان الكاتب يعمد على تفكيك صنفين من أساليب السلطة (سلطة الكتابة/المؤلف) و (سلطة المعنى/النهاية) اذ يحول النهاية الى مهزلة من خلال الاستعراض الشخصيات وطروحاتهم، ومن جهة (سلطة التجسيد/المخرج) وآلية التكرار التي تنتزع وتتلاعب بحضور أفكار الشخصيات واماطة اللثام عن شخصيات لها أسمائها الشبه حقيقية بذات الوقت, مستعيناً بتغير اللغة (فصحى/عامية) (تجسيد/بروفة) إذ يمكن عدها معالجات ميتاثيارتية (مُبَهَمْ)، بعبارة أخرى يؤكد على تفكيك نطاق النص الادبي ونسخة العرض المسرحي؛ كذلك يعري مركزية النص كمرجع نهائي، اذ شخصية (المؤلف) يكتب ويراجع ويتفحص وشخصية (المخرجة) تقاطع البروفة وتعيد انخراط الواقعية بقصدية مبتغييه تعرية الأفكار لتهب مبدأ التقويض للوعي الجمعي، على الرغم من ان شخصية (المؤلف) تعتزم علو سطوة الكتابة بيد ان المسرح (المخرجة/الأداء) تخلخل تلك الفكرة مما ينتج ان الكتابة لا تروق لختم المعنى بالعكس تضعه كبوابة لميدان اللعب الأدائي من اجل السعي نحو المعنى الأصيل, كما ان الكاتب (حسام) يعمد على تناص فكرة الانتظار لـ(بيكيت) وتجسد أفكاره بشخصية حاضرة غير أنه يجعل من الانتظار ذاته مادة درامية ومن جهة أخرى يسخر منها، وتجدر الإشارة بالعودة الى شخصية (المؤول) اذ تظهر الشخصية بوصفها هي من تمتلك تفسيراً لطروحات وأفكار وتساؤلات النص الادبي, غير انها في كل مسعى للتفسير تعزز زيادة الغموض للنص ذاته, وهذا ما يؤكد ان المعنى الحقيقي لا يقبع في النص وشخصياته لكنه كامن في مكان بينهما، ومن الجدير بالذكر ان بعض الشخصيات ليست ذوات بل جسدت بوصفها أفكار والبعض الاخر بالعكس والمتبقي منها كلاهما؛ فان جميع الشخصيات ما هي الى لعبة بين الحضور والغياب ومركز وهامش، وبالمجمل ان فكرة جمع تلك الشخصيات في نصٍ مسرحي تسعى الى إحالة خشبة المسرح لفضاء مباحثات مجادلات تتجاوز الحدود الزمكانية، إذ يجتمع المتباعد والمختلف والقريب والبعيد ليشكل جدلية كبرى للمشهد الوجودي للإنسان ومعناه وغايته الحقيقية وليست المزيفة بزخرف السرد، كما ان النص يعري مؤسسات المعرفة (فلسفة/ الدولة/ العلم/ التاريخ) على اعتبار انها أنظمة ضبابية تمارس سطوتها في تكوين المجتمعات من خلال المقايضة او الإبادة لا أحياء الحياة بسمو انسانيتها على أقل تقدير، ان هذا الجمع ينجم عن خريطة فكرية متوترة بنعومة صراعها وقاسية جداً بنتائجها؛ فهي أشبه بمحكمة كونية تعيد كتابة مصير الفرد بحلقة مفرغة، أي لا تعطي المعنى الحقيقي بل تعري زيف ما هو قائم وتترك المتلقي هو من يصيغها أو يميط لثامها والتشبث بها, وهذا لا يصب في خانة التنوع فقط بل يمثل أوركسترا فكرية الجميع يعزف ما يحلو له, فضلاً على ذلك يضع المستهدف في موقف الثنائية أيضاً الأول بما ذكر آنفاً والأخر في موقف الفن المسرحي بوصفه الحاضن لتلك الأفكار ومجسد لها وما يؤول عنه من مهام في الطرح والتجسيد؛ أي يعري فكرة المسرح فهو لا يقدم قصة بل تساؤلات جوهرية، لاسيما يثير سؤالاً مهماً (ما هو جوهر الانسان وانسانيته وهو مسجون بين اضداد الوجود؟) فالعقل يرسى النظام ويهبنا سراب سطوةٍ لأن الجنون هو وجهها المتباين الذي يعبث بالقوانين، والروح تلهث بفطرتها النقية نحو المعنى والمطلق والجسد يتوق إلى اللذةِ والألم, إذ ان الوجود لم يأتي بمعنى متاح للجميع مما يجعل الغالبية في دوامة صناعة المعنى، وهذا هو ثنائية الحضور والغياب الوجودي، أنه حضور يماثل مسرحية مفتوحة كل برهةٍ تلعب دوراً جديداً ومتجدداً تجسد مظهراً آخر من ذواتنا، معتقدين اننا نقترب من الحقيقة أو ضفافها ؛ لكننا نصدم بسؤالٍ أعمق يهدم ما بناه العقل والحس، وهذان الاخيران هما ناقصان مادام في ضلال من أصلهما الأوحد.

يسوغ بنا النص الى تحليل الاكسسوارات كونها ايقونات خضعت الى آلية التحول العلاماتي؛ بفعل التشفير النسقي على مستوى الادبي والفكري سيما إنها تتعاضد مع طروحات مابعد الدراما ومن جهة أخرى مع تقويض المعنى وتعريته بثنائية انزياحيه, اذ ان الأشياء (كتاب/ خوذة/ بندقية/ شريحة/ ساعة رملية/ دمية/ عين/ فرجار) لا تقتصر على وظيفة درامية غير انها أصبحت آلات إنتاج/ إلغاء؛ تأخذ على عاتقها وظيفة أيديولوجية وتمزق نفسي مع الاستعانة بالمفردات الحوارية التي ساهمت في رسم نسقها الفني، بالإضافة الى انها تأخذ حمولات دلالية متعددة وفقاً لتركيبها الما بعد درامي والسيميولوجي أيضاً، ومن الجدير بالذكر انه ذات ثنائية مادية ومعرفية؛ وحتى تتضح القراءة سنعمد على انتقال كل علامة من موقع الإشارة إلى موقع السؤال؛ بعبارة أخرى كيف لهذه العلامة التنازع أو دحض المعنى وتعريته وتعري نفسها أيضاً, على سبيل المثال توظيف الكتاب كشيء ملازم (للمؤلف) بيد أنه يقرأ كحامل للمعنى الذي يروم اليه النص وفي سياق اخر يشير إلى معنى لا يضاهي ما ينطوي عليه، أي انه جزء من كل المعارف ان كانت (دينية/ فلسفية/ أيديولوجية/ سياسية/ معرفية/ علمية/ اجتماعية/ سلطوية/ اقتصادية/ ذاكرة رجعية …ألخ)، إذ جعل الكاتب (حسام) من الكتاب أداة جدلية تترنح بين الدال والمدلول وبالمقابل بين تعرية المعنى الحصولي فهو سلاح وأداة وقناع عبر التدوين والحذف والاستبدال, اذ عمد الكاتب (حسام) على إظهار الفجوات والفراغات من خلال استدعاء أفكار الشخصيات ومجابهتها فيما بينها، وعليه يكون الكتاب كجسد ذا طبقات تاريخية تركيبية كلاسيكية تؤول الى الحداثة السائلة, وكقانون فكري وهو التاريخ ذاته وهو المعرفة المكتشفة والغير مكتشفة بذات الوقت أنه صفحة كبيرة من المعنى واللا معنى، رغم هذه الثنائيات نلاحظ ثنائية أخرى بين الكتاب والشريحة الإليكترونية هي بمثابة كتاب تقني حديث يمكن قراءته كقراءة الكتاب، فهو تقنية الوجود الضبابي، وبالمقابل تعمل كبديل للذاكرة البشرية وكذلك اقتحمت الجسد البشري بما يسمى سايبورج أو السايبورغ إنها آلات باردة لقمع الأنسنة, مما أضحى الفرد من حامل لاسم إلى عدد رياضي وعليه تكون رمز للعنف القهري على الذات, أي كالكتاب تحقن وتحذف وتقوض واشتغالها هنا يكون مفتاح لزمن معاد برمجته وتوجيه وهنا تكمن المهزلة, ومن الجدير بالذكر ان المقصود بالكتاب /الشريحة ما هو زائف وزائل منها غير ان هناك كتاب هو الأصل الذي يدحض الجميع وعلى المتلقي البحث عنه، أما الخوذة فهي أداة وقائية لحماية الرأس كما في الواقع؛ غير إن توظيفها ضمن السياق الحدثي للمشهد تتحول بفعل التعرية إلى أداة تحنيط للرأس والجسد (الجندي) مما يضحى كتمثال صامت لا حياة فيه سوى حياة تضحيته واستغلاله من قبل الساسة, اذ تستخدم الخوذة في بعض المشاهد كتابوت مما تحولها الى قارعة لطريق الموت، لاسيما تتعاضد الخوذة مع السلاح (البندقية) اذ ان الأخيرة.

 

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية