نص “قيء” نموذجا …
رشيد بلفقيه
على نمط الأسئلة التي تناولها موريس بلانشو في حديثه عن “كتابة الفاجعة”، حين تأمل عجز اللغة أمام فاجعة الموت، وما يتلوه من صمت وغياب، بوصفه-أي الموت- تجربة ملغزة لا يحيط بها الإنسان إحاطة كاملة، لأنه إما يعاينه أو يتعرض له فلا يراه، والذي تصبح كل كتابة عنه أو بعده محاولة دقيقة للاقتراب منه وفهم غموضه، على ذلك النمط، تتبلور مجموعة من الأسئلة المماثلة، بعد قراءة النصوص المسرحية الواردة في “براد الموتى” للكاتب والفنان المسرحي علي العبادي، خصوصا نص “قيء”، أسئلة من قبيل كيف يمكن للإنسان أن يكتب بعد أن يتجاوز الأحداث المأساوية والكوارث التي تحدث له في مرحلة معينة من تاريخه الخاص، أو التاريخ العام لمجتمعه؟ وما هو أثرها عليه بوصفه كاتبا مسرحيا، أيكتبها بعد انقضائها لينسى؟ أم يكتبها ليحفر في الذاكرة ويقوم بوشم ما عاشه؟ أم يكتب ليتطهر من آثارها؟
في النص المسرحي “قيء” تبرز الرغبة في التطهر من أدران الماضي، أو آثار الزمن، قوية بل جارفة، لأنها الفكرة الوحيدة التي تشغل بال الشخصية الرئيسية ممثلة في المرأة التي تقاتل لتتخلص من الأشياء السلبية التي تحاصرها كلها، بدءا بآثار ماضيها العنيف عليها، ومرورا بما يمارسه عليها مجتمعها الذكوري المفرط القسوة من تسخير وتلاعب ممثلا في حارس الخراب، السياسي، ورجل الدين، ليبقيها مقيدة إلى الصورة النمطية المرسومة لها، وهكذا نتابعها منذ البداية تقول:
المرأة: “على مدى شهر وانا أتقيء كل القيم الزائفة، التي كانت قرآنا لي ذات يوم، كل شيء حولي ملوث (تستدرك) لا بد أن أستحم لكن في أي جحيم وألسنة اللهب تذرع محبتها على أجسادنا، خراء في خراء، وسخ في وسخ”.

يبرز المقطع تطلع المرأة العسير إلى التطهر الداخلي بأعنف طريقة ممكنة، هي التي قضت مدة تفرغ ما بجوفها، مدركة بإيمان ما، أن التطهر يبدأ من داخلها، من أعماقها المشبعة بما لا تستسيغ، والمثقلة بما لا تستطيع هضمه، او تحويله إلى طاقة تحركها.
بعد ذلك تتنقل في فضاء الخربة التي كانت عمارة قبل أن تدمرها الانفجارات، التي لم يحدد لها سببا، ولا مسببا، ربما لإدراك الذات الكاتبة أن المتلقي يشاطرها معرفة الفاعل، فلا حاجة لذكره، أو لرغبتها في جعل تلك الانفجارات العنيفة جزءا من حرب كونية، يمكن أن تحدث في كل مكان أو زمان، دون حدود تقيده، أو تربطها بأمة معينة، أو سياق تاريخي محدد.
تتحرك المرأة فيها باحثة عن مرحاض، وعن الماء بالتحديد، ذلك العنصر الذي يحقق لها التطهر، لكن الذي يعد استعماله محفوفا بالمخاطر، فهو قد يعرض مستعمله للافتضاح، لأن استعماله يجبره على استعمال الحمام، الذي “سوف يعرضك لمشاكل أنت في غنى عنها، وخصوصا إذا كان حمامك في الهواء الطلق ولم يعرف له باب ليوصد، وبذلك تجعل القاصي والداني يراك”.
الماء الموجود في الحمام يعرض للفضيحة، بعكس الماء الموجود في الخارج، الذي يأتي على شكل مطر مسترسل، متاح للجميع، \لكنه يعرض حياة من يستسلم للذة الاغتسال به للخطر الشديد، لأنه بمجرد الوقوف تحته يأتي انفجار قوي يختم التجربة بموت زؤام، أو يحولها إلى رحلة بين الجثث والذكريات، فالموت في النص المسرحي ليست حدثا يأتي وينتهي، ولكنه تجربة تجعل المرأ يتغير منذ أن يختبرها، لذلك بمجرد سقوط المطر، تنفجر ذاكرة المرأة مستحضرة موت ابنها:
الحارس: (بهدوء مستفهما) هل مات؟
المرأة: تفحم.
الحارس: كيف؟
المرأة: رائحة الشواء … رائحة الشواء هي من سربت الخبر.
يطبق أثر الفاجعة الملتصقة بالماضي الخاص للشخصية عليها، ويجعل حواراتها لا تخرج عن موضوع الموت، والأشلاء، والاحتجاج المكتوم على الأوضاع السيئة التي تحيط بدنياها وعن سرعة تدهورها، وهو ما تكشفه في حديثها مع السياسي:
السياسي: نعدكم … (تقاطعه الأم)
المرأة: بارتفاع منسوب القيء، لحاجة السوق إليه، وإنه يشكل مصدرا مهما لدخل البلد عبر منافذ الاسثمار المتعددة.
السياسي: يعدّ هذا (تقاطعه الأم)
المرأة: واحد من أهم روافد الحضارة المعمول بها عالميا.
يستوي في عرفها السياسي برجل الدين، فكلاهما يعد على حدة بما لا يستطيع الوفاء به، وكلاهما يمارس سفسطته لتشويه المبادئ والقيم، لذلك يشبه حوارها مع رجل الدين حوارها السابق مع السياسي، بوصفه حواراً مبنياً على المقاطعة والاحتجاج:
رجل الدين: أحرّم عليك (تقاطعه الأم)
المرأة: الحياة ….
رجل الدين: عليكم باجتناب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فإن الفواحش هي مصدر لخراب كل شيء، الإنسان الأسرة، المجتمع.
المرأة: تبا لكم، بل أنتم الفواحش بعينها على هيئة وكلاء للرب.
يأتي الماء (المطر الخطر) مرة أخرى دون مقدمات ليطهر الفضاء كله من الزيف والانحراف، وعندما تهرع المرأة لتتعرض له، يهرع حارس الخراب باحثا عن مظلته التي تقيه المطر، وعندما يصلان إلى الفضاء المفتوح حيث تتساقط حبات الماء، ترقص المرأة تحته متحررة من خوفها كله، فيما يتحول الرجل (الحارس-والسياسي-ورجل الدين) إلى تمثال جامد، مطأطئ الرأس، قبل أن يتحول الماء المنهمر إلى دم.
أ كان ذلك دم أشخاص قتلوا نتيجة انفجار آخر، رافق عودة المطر؟
أم كان دم القيم التي تفسخت ولم تصمد تحت زخاته؟
أم كان دم حارس الخراب الذي قضى نحبه بعد ان تحققت نبوءته بأن التعرض للمطر قاتل؟
تبقى الأجوبة كلها ممكنة لنص عميق، ومفتوح على احتمالات متعددة …


