هايل علي المذابي
إنَّ الكثير من المشكلات التي تواجه الفنون والعلوم هي في جوهرها “مشكلة معرفة”؛ أي غياب الوعي الحقيقي بجوهر هذه المجالات في واقع الناس.
يُدرك المشتغل بالمسرح أهمية المسرح، لكن هذه المعرفة تظل محصورة في “فقاعة” ضيقة، تشبه ما يمكن تسميته بـ “لعنة المعرفة”. فالبعض يعتقد أن الآخرين، أيّاً كانوا، يمتلكون ذات المعرفة التي يمتلكها حول جدوى المسرح. لكن للأسف، هذه المعرفة غير مكتملة، وتكاد تكون غائبة عن الوعي العام.
ينطبق الأمر ذاته على العلماء في مجالات الفيزياء، الرياضيات، أو الحواسب؛ حيث يتصرف العالم بطريقة لا تجعله يربط علمه بواقع حياة الناس اليومية، حتى يدركوا أهمية هذا العلم في حياتهم.
لنأخذ على سبيل المثال “بائع الخضار”؛ إنه يبيع الطماطم والبطاطس وجميع أنواع الخضروات، ولا يحتاج لأن يشرح للناس أهميتها، لأن هناك “تعميمات مسبقة” في وعي المجتمع بأن هذه الأشياء أساسية للحياة اليومية وإشباع غريزة الجوع.
المعضلة هنا: لماذا لا يمتلك المسرح -وغيره من العلوم- نفس هذه المكانة في الوعي الجمعي؟ الإجابة تكمن في “ضرورة الربط” بالواقع.
إن المسرح ليس مجرد ترفيه، ولا هو “تحفة فنية” تُوضع في المنزل للزينة كـ”الأنتيكة”. هو حاجة ملحة كالطعام، ومثل وسائل الإنارة التي تضيء العقول. لو فهم الناس أن للمسرح نفس الأهمية التي للكهرباء في إنارة العقول، لما ترددوا لوهلة في الاهتمام به، والترويج له، واتباعه.
عندما يرى المواطن البسيط إعلاناً لمسرحية، فإنه يسأل نفسه: “ما دخلي وما شأني بذلك؟ وما فائدة هذا الشيء في واقع حياتي؟”. إن غياب هذا الربط هو الخلل الحقيقي. نحن نحتاج أن نربط عملية “الاشتغال بالمسرح” بالتعريف به، وبأهميته وضرورته في واقع وحياة الناس، وإلا سينفر منه الجميع.
فقدان الشيء لا يعطيه، فمن لا يعرف أهمية المسرح لن يعطيه، ولن يهتم به.
والخلاصة أنه يمكننا النظر إلى “المسرح” ليس كنشاط نخبوي، بل كأداة ضرورية لتطوير جودة الحياة، وذلك من خلال المسارات التالية:
– تماماً كما توفر الخضروات الغذاء الجسدي، يوفر المسرح “غذاءً للعقل” من خلال تنمية الوعي والقدرة على التفكير النقدي، مما يجعله ضرورة للحياة اليومية وليس كمالية.
– يجب الانتقال من اعتبار المسرح “تحفة أثرية” أو “أنتيكة” تزيينية للبيت، إلى إدراكه كـ”وسيلة إنارة” للعقول، توازي في أهميتها دور الكهرباء في حياتنا المعاصرة.
– يكمن الخلل في أن المشتغلين بالمسرح يفترضون امتلاك الناس لنفس معرفتهم بأهمية الفن، بينما يظل المواطن البسيط يتساءل عن جدوى هذا الفن في واقع معيشته. لذا، فإن واقع الناس يحتاج إلى استراتيجيات تربط المسرح مباشرة بـ”همومهم اليومية” وبضرورة وجوده كعنصر فاعل في مجتمعهم.
– غياب المسرح عن حياة الناس يخلق خللاً ثقافياً ونقصاً في الوعي الجمعي، لأن المسرح يمثل جزءاً أصيلاً من حيوية المجتمع. فعدم ربط الفن بواقع الناس يجعله يبدو غريباً عنهم، مما يؤدي إلى نفورهم منه، وهو ما يصفه المقال بأن “فقدان الشيء لا يعطيه”.

