مقالات

الميكافيلية في مسرحية “طقوس الاشارات والتحولات” 

 

د. طالب هاشم بدن

 

تعود جذور كلمة الميكافيلية الى القرن الخامس عشر، والتي ظهرت على يد المفكر والفيلسوف والسياسي الايطالي (نيكولو دي برناردو ماكيافيلي  1469-1527) الذي عاش في عصر النهضة، وقد تناولها العلم الحديث على وفق (الغاية تبرر الوسيلة) التي يعتمدها اصحاب تلك الشخصيات الامر الذي يجعلهم يقدمون مصالحهم الشخصية فوق كل اعتبارات وهي القناع الذي يستعان به في كثير من الامور والذي يمثل الخداع والازدواجية في السلوك. وقد استعين بهذا المصطلح في علم النفس الحديث ليوصف من خلاله شخصيات الثالوث المظلم  الذي يجمع بين شخصيات سلبية وبراجماتية تتميز صفاتها على انها تمارس التلاعب والخداع والبرود العاطفي والنفعية والافتقار الى الضمير الحي الى جانب النرجسية والاعتلال النفسي الذي يطلق عليه السيكوباتية. وقد دعا مؤسس هذا الفكر ( الميكافيلي ) الى فصل السياسة عن الاخلاق والدين معتبراً بقاء الدولة ونجاحها مرهون باستخدام القوة المفرطة والعنف مصحوباً بالخداع والتلون والتلاعب بالاخرين وتجاهل الاعتبارات التي ينشدها المجتمع.

من خلال تناول الميكافيلية نرى هناك ضرورة ملحة تجعلنا نذهب الى تسليط الاضواء على جوانب عدة أهمها ما يمارسه الحكام وحاشيتهم –على مر العصور –  من  ترف وظلم واستبداد مع الرعية وبالمقابل ما تفعله الغواني ومومسات المجتمع من اعمال مشينة مع هؤلاء النرجسيين وتبعاته على ابناء المجتمع الامر الذي عزز ظهور عاهات دائمة سببت تضاربا ملموساً بين فئات المجتمع وقد تجلى ذلك فيما قدمه الكاتب السوري سعد الله ونوس في  مسرحية طقوس الاشارات والتحولات كأنموذج متميز عبر اظهار المجتمع في حقبة من الحقب التي وصفت على انها تعرية السلطة ومظاهرها البذيئة.

تدور فكرة مسرحية “طقوس الاشارات والتحولات” حول تفكك المجتمع وتعريه وخلخلة التابوهات والمحرمات الاجتماعية والسياسية والدينية وعمق حركة حبكة الصراع الدائر بين الشخصيات المختلفة، إذ ان شخصية عبد الله نقيب الاشراف لما تمثله من هيبة السلطة يترنح تحت رداء غانية مومس تدعى وردة، يظهر في اسلوب حواره قائلاً: ” تعالي اركبي فوق ظهري .. افعلي بي ما تشائين” (ونوس، طقوس الاشارات والتحولات، ص12) الامر الذي يفضح تعري السلطة وهيمنة البغاء والعهر على كبارها، وقد اطلق ونوس على الجزء الاول من المسرحية ب(المكائد) إذ يكيد المفتي لعبد الله ويوقعه بشر اعماله بعد أن يفضحه عزت بك قائد الدرك متلبساً بجرم فضيحة ممارسة البغاء مع الغانية وردة قائلاً: ” يا سلام .. يا سلام .. انس وطرب وغرام” (ونوس، ص 13) . إذ ان تلك الفضيحة هزت اركان المجتمع الدمشقي في القرن التاسع عشر لما يمثله منصب نقيب الاشراف من مكانة دينية واجتماعية معروفة، غير ان تدخل المفتي- على الرغم من العداء الكامن بينه وبين عبد الله – كان له الاثر الكبير وتغيير مسار حركة حبكة الصراع عبر اقناع زوجة عبد الله دخول السجن بمكيدة مدبرة وابدالها بالغانية وردة، وحدث ذلك بالفعل لتلعب الاحداث بمصائر شخصيات المسرحية ويتغير مصير عبد الله من مذنب إلى بريء، فيما يودع عزت بك السجن نتيجة تهوره والمغالاة في تنفيذ الواجب بعد ان طاف بعبد الله ووردة حواري وازقة دمشق الامر الذي ازعج المفتي والوالي. اما العفصة وعباس فقد ذهبا إلى المفتي للظفر بجائزة بشرى الايقاع بعبد الله على حد قول العفصة: “رأينا عدوك مقيداً وعارياً إلا من الملابس التحتية، وقحبته تضع على رأسها عمامة النقيب، وترتدي ثيابه” (ونوس، ص 18) يظهر ذلك الحوار على شكل قفشة وهزل مازجا بين الفكاهي بالمأساوي، غير ان دهاء المفتي غير من مسار الحدث وسير الحوار لحماية سمعة الطبقة الحاكمة والتحول من الزيف الى الحرية المطلقة لعبد الله، قائلاً: ” أهذا خبر سار ! أيسركم ان تهين مرتزقة الدرك اشرافكم ! أن يمرغ الاسياد والاكابر في الوحل! وكيف يتجرأ الواحد منكم على تناول نقيب الاشراف بهذه اللغة البذيئة” (ونوس، ص 19) ما استدعى الى  صدمة وتحولاً كبيراً في بناء احداث المسرحية.

إن زيف المجتمع يتكشف من خلال اسلوب الحوار وبناء الاحداث في النص المسرحي وعلى وفقه تتحول مؤمنة زوجة نقيب الاشراف من سيدة الشرف إلى غانية وهي صفة تمرد صادمة تقبل عليها مؤمنة وتقوم بالتخلي عن اسمها إلى الماسة وتذهب مكانتها، ويشكل هذا التحول رحلة بحث عن الذات المفقودة والحرية المطلقة في كشفها عن الحقيقة دون زيف، في المقابل شكل دخول السجن اشارة مهمة وبالغة عند عبد الله ومن ثم تحوله إلى صوفي متعبد زاهد، بينما يقع المفتي رجل الدين الذكي المحنك والمحافظ في غرام الغانية الماسة، إذ ان هذا الحب يزلزل قناعاته ويحوله من رجل سلطة وميكافيلي يحمي ويدافع عن النظام، إلى عاشق ولهان يرتمي بأحضان غانية، الامر الذي يفضح ويعري السلطة ويكشف الشخصيات على حقيقتها دون قناع وما الجسد إلا وسيلة للتحرر من السلطوية والتشكيك في الحقائق المطلقة عند الناس عبر تفكيك الخطاب الديني وتعميق الصلة بالمجتمع وكشف زيفه وخداعه، إذ ان المسرحية تعد مجموعة من التداخلات ومحور من محاور السلطة الهشة المختلفة في باطنها وغير ثابتة المركزية والحقيقة، وما تحولات الشخصيات إلا علامة بارزة في الكشف عن فوضوية المعنى وجدلية البقاء ومتغيراته، فشخصية عبد الله تتحول وتنقلب، وشخصية عزت تتدهور وتضيع وشخصية العفصة تتخنث، وشخصية مؤمنة تنقلب الى غانية، وشخصية المفتي تذهب الى ابعد ما يكون في ذوبانها من حكيم الى ذليل خانع امام غانية تدعى الماسة، إذ يشير بناء الحوار إلى ان المفتي لا يستطيع مجاراة تلك الشخصية المنقلبة قائلاً :” ما اعجب هذه المرأة ! حقاً،  ما اعجبها ” (ونوس، ص 41) فيما تشير لغة الحوار إلى ان هنالك تفاوتاً وتباعداً في الشخصيات المتحاورة وتنافراً وتفككاً في العلاقات التي تربطها، وفي موضع آخر يتبلور اسلوب الحوار في تفككه عبر حوارية غير متجانسة يظهر جليا على لسان عبد الله مخاطباً وردة: ” اني انساك .. إني انسى ما سلف من الايام” (ونوس، ص 44) وهو تنكر كامل للحقيقة ونسف ما تقدم من علاقة ترابطية الامر الذي يعزو الى هشاشة العلاقات وضياعها في أي موقف تتعرض له الشخصية. وإن تكرار عزت بك لعبارة محددة يحيل النص المسرحي الى ان لغة الحوار تعود الى اسلوب تقنية الجوقة في تكرار المأساة، إذ يقول: “جنون .. ورأس أمي هذا جنون ..اختلت الموازين، وعميت العيون، ودفنت الحقيقة بمؤامرة وتدبير. لم تكن زوجته، ولو اجتمعت السماوات والارض على ذلك” (ونوس، ص 59).

ويمثل الجزء الثاني من المسرحية (المصائر) اشارة الى ما آلت إليه مصائر الشخصيات، فشخصية العفصة ينكشف الغطاء عنها وتظهر حقيقته المخنث إذ يهدي شواربه لعباس قائلاً: “نعم ..هي شواربي، أهبها لك، ويمكنك ان تعلن بطول المدينة وعرضها ان شوارب العفصة ملكي، وان العفصة كله ملكي” (ونوس، ص 86)، وهذا التحول يظهر تفكك المجتمع وهشاشته وزيفه، فيما تتحول شخصية مؤمنة سيدة الشرف إلى غانية تدعى الماسة قائلة: “ما افعله لا يخص أحد سواي” (ونوس، ص 95) في مرحلة تمرد وطغيان على العادات والتقاليد السائدة آنذاك، وبعد سير الحوار وتعدد اساليبه وتجاذبه بين الشيخ والد الماسة وأولاده يأتي مصير الماسة بالموت على يد اخيها صفوان الشاب الذي يحاول طمر العار الذي اصاب عائلته غير انها تخاطبه وهي تتداعى قائلة: ” آه يا اخي .. لم تفعل شيئاً. ان حكايتي ستزدهر الان كبساتين الغوطة بعد شتاء ماطر. ان الماسة تكبر وتنتشر، انها تنتشر مع الخواطر والوسواس والحكايات. حكا” (ونوس، ص150)  ومع لفظ انفاسها الاخيرة تترك اسئلة معاصرة لإعادة النظر في انهيار الثنائيات التقليدية غير المستقرة مثل الطهر /الخضوع والمقدس / بالدنيوي، والنهايات المفتوحة للنص المسرحي.

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية