مقالات

بيداغوجيا السرد: قراءة نقدية في تجربة المسرح التفاعلي عند أيوب بختياري

مهدي منصور

 

يُعدّ المسرح التفاعلي (Interactive Theatre) واحدًا من أكثر فروع العرض المعاصر جرأةً؛ شكلٌ من أشكال الأداء يُكسر فيه عمدًا الحدّ الفاصل بين “المتفرج” و”الممثل” ذلك الجدار الرابع غير المرئي الذي ترسّخ منذ عصر الواقعية المسرحية في الغرب. في هذا النوع من المسرح، لم يعد المتفرج ناظرًا سلبيًا، بل يتحوّل إلى فاعلٍ في بناء السرد؛ فعلٌ يحمل في آنٍ واحد مخاطرة كبيرة للمخرج، وفرصةً لخلق تجربة فريدة وغير قابلة للتكرار في كل عرض.

العمل الأخير لأيوب بختياري، كتابةً وإخراجًا، يندرج بدقة ضمن هذا السياق؛ عرضٌ يبدأ بطرح سؤال على الجمهور، ويبني مسار السرد على أساس ردّة فعله وتفكيره.

خلفية نظرية: من بريخت إلى بوال، ومن غروتوفسكي إلى المسارح الغامرة

لفهمٍ أدق لهذا الشكل الأدائي، لا بدّ من العودة إلى جذوره النظرية:

**بريخت وأثر التغريب (Verfremdungseffekt):** كان بريخت أول من ذكّر المتفرج، بشكل منهجي، بأنه يشاهد “صنيعًا” لا واقعًا. هذا الوعي كان البذرة الأولى لكسر الجدار الرابع، وإن ظلّ بريخت يُبقي المتفرج في موقع الحَكَم الخارجي.

**أوغوستو بوال ومسرح المقهورين:** خطا بوال خطوةً أكثر جذرية عبر “المسرح المنتدى” (Forum Theatre)، حيث يستطيع المتفرج الصعود إلى الخشبة وتقمّص دور الممثل وتغيير مسار الحكاية. حوّل بوال المتفرج إلى “متفرج-ممثل” (spect-actor) — وهو مفهوم ينعكس بوضوح في أسلوب بختياري، حيث لا يكون السؤال الموجّه للجمهور حيلةً تزيينية، بل محرّكًا فعليًا للسرد.

**غروتوفسكي والمسرح الفقير:** وضع يرزي غروتوفسكي، عبر حذف العناصر الزائدة من الخشبة، العلاقة المباشرة وغير الوسيطة بين الممثل والمتفرج في صميم الاهتمام؛ علاقة يصبح فيها الحضور الجسدي والذهني للمتفرج جزءًا من جسد العمل نفسه.

**المسارح الغامرة المعاصرة:** تُظهر نماذج معروفة مثل *Sleep No More* (فرقة Punchdrunk في لندن/نيويورك) كيف يمكن للتجربة الفردية لكل متفرج أن ترسم مسارًا مختلفًا من السرد. في هذه الأعمال، يحمل كل متفرج معه “نسخته الخاصة” من العرض.

الصلة بعمل بختياري

ما يتميّز به عمل بختياري هو مزجٌ بين هذه التقاليد مع إضافة طبقة جديدة: “الحمولة الثقافية والتاريخية”. فهو، إذ يطرح الأسئلة على الجمهور، يتابع أيضًا المسارات الفكرية المضادّة، ويُدخل في نسيج السرد معلومات من ثقافة وتاريخ بلدان أخرى. هذا النهج يتجاوز بالعمل حدود اللعبة التفاعلية البسيطة، ليقترب من شيء أشبه بـ”المسرح البيداغوجي”” (Pedagogical Theatre) وهو تقليد استخدمه بوال نفسه كأداة للتوعية لا للترفيه المحض.

النقطة الدقيقة، بل الحاسمة، في أسلوب عمل بختياري هي حساسيته تجاه “عتبة التحمّل الذهني للمتفرج”: فكلما لاحظ المخرج أن قدرة المتفرج أو رغبته في التفاعل تتراجع، خفّف من ضغط التفاعل حتى لا يضع ذهنه في فضاء أشبه بالحجب أو الانغلاق. هذا الضبط اللحظي يدلّ على تجربة سبق لبختياري أن اختبرها في أعماله الإبداعية السابقة، وهو يوظّفها الآن بدقة أكبر؛ ذلك أن المسرح التفاعلي، خلافًا لمظهره، يتطلّب سيطرة أدقّ من المسرح الكلاسيكي إذ على المخرج أن يقود السرد ويستجيب في آن واحد للانحرافات الحتمية الناتجة عن مشاركة الجمهور.

**تكمن نقطة القوة الأساسية** في هذا العرض في قدرة بختياري على تحويل المتفرج إلى “شريك في السرد” دون التضحية بتماسك العمل الداخلي — إنجازٌ كثيرًا ما يفتقر إليه العديد من التجارب المشابهة، وبخاصة في النسخ الأضعف من المسرح التفاعلي، حيث يؤول الأمر إلى فوضى أو تراخٍ في الإيقاع.

**أما التحدي الماثل**، فهو المعضلة الجوهرية لهذا الجنس الفني: التوازن بين حرية المتفرج وتماسك السرد. فكلما زاد المخرج من سيطرته، ازداد خطر العودة الخفية إلى الجدار الرابع نفسه الذي كان يُفترض كسره؛ وكلما اتّسعت حرية المتفرج، ازداد خطر التشتت الدلالي. وهذا التوازن الدقيق الذي يسعى إليه بختياري في هذا العمل هو ما يُختبر بالضبط عند هذه النقطة.

يمكن قراءة عمل أيوب بختياري في امتداد خطّ تاريخي: من التغريب البريختي، مرورًا بمفهوم المتفرج الممثل عند بوال، وصولًا إلى الحساسية الغروتوفسكية تجاه الحضور المباشر وأخيرًا، إضافة طبقة محلية وتأمّلية تميّزه عن مجرّد تقليد النماذج الغربية. يُظهر هذا العرض أن المسرح التفاعلي، حين يقترن بالوعي النظري والحساسية الأدائية، يمكن أن يتجاوز اللعبة الخشبية المحضة، ليصبح تجربة بيداغوجية ومحفّزة على التفكير.

 

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية