نادي المرآة للمسرح والسينما والموسيقى يفتح على الخشبة سؤال المعرفة بين الورق وسلطة (غوغل)
بشرى عمور
قدم نادي المرآة للمسرح والسينما والموسيقى، مساء السبت 12 شتنبر 2026، بقاعة مسرح عبد الصمد الكنفاوي بالدار البيضاء، مسرحية “في حضرة الشيخ كوكل”، بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة، وبتعاون مع مسرح عبد الصمد الكنفاوي، في تجربة تضع الكتاب والذاكرة الورقية في مواجهة مباشرة مع التحول الرقمي، وتطرح سؤالا يتجاوز ثنائية القديم والجديد نحو مساءلة مصير المعرفة الإنسانية نفسها.
العمل من تأليف كريم الفحل الشرقاوي، والتصوير الجمالي والإخراج لحسن مراني علوي، وتشخيص حسن بوعنان، الخمار المريني، وهند ضافر، فيما تولت صفاء كريت السينوغرافيا، ومحمد بالعسري تصميم الملابس، ورشيد حياني تصميم الإضاءة، بمشاركة فريق تقني وفني أسهم في بناء عالم العرض البصري والدرامي.
وتنطلق المسرحية من وضعية تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها سرعان ما تنفتح على أسئلة أكثر تعقيدا: ماذا يحدث للكتاب حين يصبح الوصول إلى المعلومة أسرع من عملية قراءتها؟ وما الذي يتبقى من مهنة الوراقة وبائعي الكتب عندما تصبح المعرفة متاحة بضغطة واحدة؟ وهل تستطيع الذاكرة الإنسانية أن تنافس ذاكرة رقمية لا تنام؟
من بائع الكتب إلى (الشيخ كوكل)
يضع النص شخصية (مسرور بن عاشور الكتبي) في قلب هذا الصراع؛ فهو يمثل ما تبقى من عالم الورق، بما يحمله من ذاكرة مهنية وثقافية، في مقابل عالم جديد تتسيده التكنولوجيا. ويبدو (الشيخ كوكل) في العرض أكثر من مجرد إحالة إلى محرك البحث المعروف؛ إنه يتحول إلى شخصية رمزية تجسد سلطة المعرفة الرقمية وقدرتها على إعادة ترتيب علاقة الإنسان بالمعلومة والذاكرة وحتى بالحقيقة.
ومن هنا تكمن إحدى أهم نقاط قوة النص، في أنه لا يقدم التكنولوجيا باعتبارها مجرد عدو للكتاب، ولا يكتفي بالحنين إلى زمن الورق، وإنما يدفع الصراع إلى منطقة أكثر قتامة: ماذا لو تحولت الوسيلة التي اخترعها الإنسان للوصول إلى المعرفة إلى سلطة تتحكم في المعرفة ذاتها؟
بهذا المعنى، يصبح (غوغل) في المسرحية شخصية لها حضور شبه أسطوري، فيما يتحول (الكتاب) من أداة للمعرفة إلى كائن مهدد بالانقراض.

سخرية سوداء خلف سؤال جاد
اختار العرض أن يمرر هذا السؤال الثقيل عبر الفنتازيا والسخرية السوداء، وهو اختيار يمنح الموضوع مساحة للتنفس بعيدا عن الخطاب المباشر. فبدلا من تقديم مرافعة تقليدية للدفاع عن الكتاب، يبني العمل مفارقاته من داخل العالم المتخيل نفسه، حيث تتجاور الذاكرة والمعلومة، الإنسان والخوارزمية، الورق والشاشة.
وهنا تبرز قيمة الدراماتورجيا في تحويل قضية تبدو تقنية إلى قضية إنسانية وثقافية. فالمسرحية لا تسأل فقط: هل سيختفي الكتاب؟ بل تسأل بصورة أعمق: هل يمكن أن تختفي معه طقوس القراءة، والذاكرة، والمهنة، والعلاقات الإنسانية التي كانت تنشأ حول الكتاب؟
وهو سؤال يكتسب راهنيته من التحولات التي يعيشها المجتمع اليوم، حيث لم يعد الصراع بين الورقي والرقمي مقتصرا على الكتاب، بل امتد إلى الصحافة والتعليم والأرشيف والبحث وحتى طرق صناعة الرأي.
السينوغرافيا.. حين يصبح الفضاء نفسه طرفا في الصراع
تأتي السينوغرافيا لتمنح هذه المواجهة شكلا بصريا واضحا. فالفضاء ينقسم عمليا بين عالمين: عالم الكتب والمخطوطات والأشياء القديمة، وعالم الشاشات والضوء والتكنولوجيا.
الكتب المتراكمة، القبو، المكتب، الخزانات، القلم والريشة، كلها تستحضر زمنا كانت فيه المعرفة مرتبطة بالمادة وباللمس وبالانتظار. وفي الجهة المقابلة، تحضر الشاشة والعالم الرقمي والإضاءة الباردة لتصنع فضاء يبدو أكثر اتساعا، لكنه في الوقت نفسه أكثر قسوة وبرودة.
وهذه الثنائية البصرية ليست مجرد ديكور؛ إنها جزء من البنية الدرامية للعرض. فكلما ازداد حضور التكنولوجيا، بدا عالم الكتاب أكثر هشاشة وانكماشا، وكأن الفضاء نفسه يمارس عملية إقصاء تدريجية للذاكرة الورقية.
ويأتي البيت الزجاجي بوصفه إحدى أقوى العلامات البصرية والدلالية في العرض؛ إذ ينتهي مصير الإنسان والكتاب داخل فضاء شفاف، لكنه مغلق، في مفارقة تكشف أن الشفافية لا تعني بالضرورة الحرية. وتتحول المعرفة هنا إلى شيء قابل للعرض والمشاهدة، بعد أن كانت فعلا إنسانيا حيا.

الضوء.. من دفء الذاكرة إلى برودة الشاشة
تلعب الإضاءة دورا أساسيا في الانتقال بين العالمين. فدفء الفضاء المرتبط بالكتب والذاكرة يختلف جذريا عن الضوء المرتبط بالعالم الرقمي، بما يحمله من برودة وشعور بالمراقبة والسيطرة.
وهنا ينجح العرض في جعل الإضاءة لغة موازية للنص، لا مجرد عنصر تقني. فالتحول من عتمة القبو إلى الضوء الرقمي الحاد يعكس تحولا في طبيعة السلطة نفسها: من سلطة الإنسان الذي يمتلك الكتاب، إلى سلطة منظومة رقمية تمتلك المعلومة وتعيد إنتاجها.
التشخيص.. ثلاث شخصيات ترسم صراع الإنسان والآلة
يقوم التشخيص في “حضرة الشيخ كوكل” على ثلاث شخصيات أساسية: مسرور بائع الكتب (الخمار المريني)، وزوجته التي تتحول إلى راقصة (هند ضافر)، ثم شخصية الشيخ كوكل (حسن بوعنان). وهي تركيبة محدودة عدديا، لكنها تتيح للعرض بناء شبكة من العلاقات والمفارقات التي تخدم موضوعه المركزي.
تأتي شخصية (مسرور) في قلب الحكاية، بوصفها الامتداد الإنساني لعالم الكتاب والورق والذاكرة. ومن خلال أدائه، يتجسد الرجل الذي يجد نفسه محاصرا بتحولات لم يعد قادرا على مقاومتها، متأرجحا بين التمسك بمهنته وعالمه القديم والخوف من مستقبل تفرض فيه التكنولوجيا منطقها الجديد. ويمنح الأداء الشخصية بعدا ساخرا وإنسانيا، فلا يظهر (مسرور) مجرد بائع كتب مهدد بفقدان مهنته، وإنما إنسان يدافع، من خلال الكتاب، عن جزء من ذاكرته ووجوده.
في المقابل، تحضر زوجته بشخصية تتخذ مسارا مختلفا، خصوصا مع تحولها إلى راقصة، بما يفتح للعرض مجالا لتوسيع دلالاته خارج العلاقة المباشرة بين الكتاب والتكنولوجيا. ويمنح التحول الجسدي والأدائي للشخصية بعدا دراميا وبصريا، يجعل الجسد وسيلة للتعبير عن التحولات التي تعصف بالشخصيات والعالم المحيط بها، كما يضيف حضورها إيقاعا مغايرا ومفارقات تتقاطع فيها الحياة اليومية مع الفانتازيا والسخرية.
أما (الشيخ كوكل)، فيمثل الطرف الثالث في هذه المعادلة، لكنه لا يحضر كشخصية تقابل مسرور فحسب، بل كتجسيد لسلطة رقمية جديدة تعيد تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة والمعلومة. ومن خلال المواجهة بينه وبين مسرور، ينتقل الصراع من خلاف حول مهنة أو وسيلة للمعرفة إلى مواجهة رمزية بين الإنسان ومنظومة رقمية تتسع سلطتها باستمرار.
وتتفاعل الشخصيات الثلاث داخل فضاء بصري يتغير تدريجيا، بما يجعل الجسد والحركة والإيقاع جزءا من بناء المعنى. ومع تطور الأحداث، تتراجع مساحة الإنسان أمام حضور (كوكل)، إلى أن تبلغ المفارقة ذروتها في النهاية، حين يصبح مسرور نفسه جزءا من العالم الذي كان يقاومه.
وبذلك يتحول التشخيص من مجرد أداء لشخصيات محدودة إلى وسيلة لتجسيد التحول الذي يقترحه العرض: بائع الكتب يمثل الذاكرة، والزوجة/الراقصة تمثل التحول والانفلات من المألوف، فيما يجسد (الشيخ كوكل) سلطة العصر الرقمي.

النهاية.. عندما يتحول الإنسان إلى قطعة متحفية
تبلغ المفارقة ذروتها في النهاية، حين يقبل (مسرور) بالعقد الذي يقوده إلى مصيره داخل عالم (كوكل)، لينتهي به المطاف محنطا داخل بيت زجاجي في متحف رقمي.
إنها نهاية شديدة الدلالة: الكتاب الذي كان يوما وسيلة لحفظ ذاكرة الإنسان يصبح شيئا محفوظا داخل متحف، والإنسان نفسه يتحول إلى قطعة من ماضيه.
وهنا تنقلب المعادلة: لم يعد السؤال هل ستنتصر التكنولوجيا على الكتاب، بل من سيملك حق تعريف ما يبقى من الإنسان بعد انتصار التكنولوجيا؟
“في حضرة الشيخ كوكل”.. مسرح يسائل المستقبل من خلال الكتاب
تنجح المسرحية، في مجملها، في الاشتغال على قضية راهنة من خلال لغة مسرحية تجمع بين الفكرة والصورة والسخرية والرمز، وتمنح السينوغرافيا والإضاءة وظيفة تتجاوز التزيين إلى بناء المعنى.
وإذا كان العرض ينطلق من الكتاب وبائعيه ومآلهم في زمن الإنترنت و(غوغل), فإنه ينتهي إلى سؤال أوسع بكثير: حين تصبح المعلومة متاحة للجميع، هل تصبح المعرفة بالضرورة ملكا للجميع؟
تلك هي المفارقة التي تمنح “في حضرة الشيخ كوكل” قيمتها, فهي لا تدعو إلى العودة الرومانسية إلى زمن الورق، ولا تعلن الحرب على التكنولوجيا، وإنما تضع المتلقي أمام مرآة عصره، وتقول له إن الخطر ليس في أن تحل الشاشة محل الكتاب فحسب، وإنما في أن تتحول الذاكرة الإنسانية نفسها إلى مجرد بيانات قابلة للحفظ والعرض والاستعمال.
ومن هنا، فإن (الشيخ كوكل) ليس شخصية مسرحية فقط، بل استعارة لزمن جديد أصبح فيه السؤال عن المعرفة سؤالا عن السلطة، وعن الكتاب سؤالا عن الإنسان، وعن المستقبل سؤالا عما إذا كان الإنسان سيظل قارئا للعالم أم سيتحول هو نفسه إلى صفحة داخل منظومة رقمية عملاقة.

