دراسات

دراسة نقدية في إعادة بناء الأسطورة عبر اللغة المسرحية

العرش والعدم

من الأسطورة إلى سؤال الوجود

 

عالية ميرزا

 

محتويات الدراسة

تمهيد: من الحكاية الموروثة إلى سؤال الوجود.

الفصل الأول: من الجرح إلى العرش: كيف يكتب النص أسطورته؟

الفصل الثاني: الراوي: من يملك حق البداية؟

الفصل الثالث: الحوار بوصفه فعلًا لخلق العالم.

الفصل الرابع: الأسطورة اللغوية: حين لا تُروى الأسطورة بل تستعيد وظيفتها.

خاتمة: اللغة بوصفها مصيراً للمعنى.

 

تمهيد: من الحكاية الموروثة إلى سؤال الوجود

لا تدخل مسرحية «العرش والعدم» للشاعر صلاح حمه أمين، والمنشورة في موقع <<الفرجة المسرحية الإلكترونية>> بتاريخ 30 / 6 / 2026 إلى الأسطورة المصرية من بوابة الحكاية، ولا تتعامل مع صراع ست وحورس بوصفه مادة سردية ينبغي تحديثها أو إعادة ترتيب وقائعها. إنها تبدأ من نقطة أبعد وأشد خطورة: من السؤال عما يبقى من الأسطورة حين تُنتزع منها طمأنينة الرواية، وتُدفع إلى مواجهة الإنسان في هشاشته وأسألته عن السلطة والموت والحرية والمعنى.

ولهذا لا تنشغل المسرحية بمن قتل أوزيريس، ولا بمن يستحق العرش، بقدر انشغالها بما يصير إليه العالم بعد أن ينفتح فيه الجرح. فالواقعة الموروثة لا تُلغى، لكنها تفقد مركزيتها لصالح حركة أخرى: حركة المفاهيم وهي تتكون داخل اللغة، وتتعارض، ثم تعود إلى المساءلة نفسها. العرش، والجرح، والجسد، والنظام، والفوضى، والعدم، ليست مفردات تصف عالماً مكتملاً؛ إنها القوى التي يتشكل بها هذا العالم أمام القارئ.

من هنا تنطلق هذه القراءة من النقد الأسطوري، لكنها لا تتوقف عند مطابقة الشخصيات بأصولها الميثولوجية أو استخراج رموزها. فالأسطورة مدخل إلى النص، وليست حدّه الأخير. وما يميز المسرحية أنها لا تستعيد الأسطورة لتفسر أحداثها، بل تستعيد الوظيفة التي أدتها الأسطورة في الوعي الإنساني: جعل العالم قابلاً للفهم، وترتيب العلاقة بين الإنسان والوجود. غير أن هذه الوظيفة تنتقل هنا من الحكاية إلى اللغة نفسها.

وعلى هذا الأساس تتدرج الدراسة من الجرح بوصفه أصلاً للعالم المسرحي، إلى الراوي بوصفه صاحب سلطة البداية، ثم إلى الحوار بوصفه فعلاً يُنشئ المفاهيم، قبل أن تبلغ مفهوم «الأسطورة اللغوية»: أي تلك الكتابة التي لا تروي الأسطورة بقدر ما تجعل اللغة تستعيد قدرتها القديمة على تفسير الوجود وإعادة بنائه.

الفصل الأول: من الجرح إلى العرش: كيف يكتب النص أسطورته؟

لا تبدأ «العرش والعدم» من الأسطورة كما استقرت في الذاكرة الثقافية، بل من لحظة تحريرها من يقينها. فمنذ عبارتها الافتتاحية، لا يقدَّم العالم باعتباره مسرحاً سبق أن وُزعت فيه الأدوار بين الخير والشر، والنظام والفوضى، والقاتل والوريث. إنه عالم لم يستقر معناه بعد، ولذلك لا تدخل الشخصيات إليه لتعيد تمثيل مصائرها القديمة، بل لتتنازع حق تعريفه.

حين يقول النص: «في البدء…»، فإنه يستدعي النبرة التأسيسية التي تبدأ بها الأساطير الكبرى، لكنه لا يستخدمها لاستعادة أصل معلوم. فالبداية هنا فعل إعادة خلق، لا عودة إلى ذاكرة جاهزة. وهذا ما تؤكده الصورة التي تجعل العرش «حجراً جلس عليه الخوف». العرش، في هذا التركيب، لا يظهر بوصفه غايةً للصراع أو علامةً على السيادة، بل أثراً نفسياً ووجودياً لحاجة الإنسان إلى الاحتماء من هشاشته.

بهذه النقلة ينسحب مركز المسرحية من السؤال السياسي المباشر: من يملك العرش؟ إلى سؤال أكثر عمقاً: ما الذي يصنع العرش في الإنسان؟ فالخوف لا يقف خارج السلطة بوصفه نتيجة لها، بل يجلس في أصلها. وما يبدو مؤسسةً راسخة ليس سوى صورة مادية لحاجة قلقة إلى الثبات. وهكذا تفقد السلطة قدسيتها قبل أن يبدأ النزاع عليها؛ إذ يكشف النص أن العرش لم يولد من القوة، بل من الخوف الذي اتخذ من الحجر جسداً.

غير أن الأصل الحقيقي للعالم المسرحي ليس العرش، بل الجرح. فالحكاية لا تبدأ بملك، وإنما بجرح ينفتح «مثل باب في الظلام». هذه الصورة تقلب ترتيب الأسطورة الموروثة: الجرح ليس نتيجة الجريمة فحسب، بل بداية الإدراك والتاريخ والصراع. إنه لا يقع داخل العالم؛ العالم هو الذي يخرج منه.

حين يصبح الجرح باباً، لا يعود الألم انغلاقاً على الذات، بل يتحول إلى معبر نحو المعرفة. فالإنسان لا يسأل عن معنى وجوده لأنه يقف أمام كون كامل، وإنما لأن كسراً ما شق هذا الاكتمال. ومن هنا تصبح أشلاء أوزيريس أكثر من بقايا جسد إلهي: إنها صورة لعالم فقد وحدته، ولذات لا تستطيع إدراك نفسها إلا عبر ما تناثر منها.

لهذا لا يكون فعل حورس، وهو يجمع الأشلاء، استعادةً للأب وحده. إنه يحاول أن يعيد للعالم شكله. فالجسد يخرج من دلالته الطقسية ليمثل مبدأ الوحدة ذاته، بينما يتحول جمعه إلى محاولة لإنقاذ المعنى من التبدد. ومع ذلك لا يقدم النص الترميم بوصفه حلاً نهائياً؛ إذ سرعان ما يظهر ست ليشكك في كل صورة تدّعي الاكتمال.

ست لا يهاجم النظام من خارجه، بل يفكك اللغة التي تمنحه شرعيته. حين يراه «قناعاً»، فإنه لا يقول إن النظام كاذب دائماً، بل يكشف إمكان تحوله إلى ستار يخفي الجرح الذي قام فوقه. بذلك يغدو ست أكثر من إله للفوضى: إنه الصوت الذي يمنع العالم من الاطمئنان إلى صوره المكتملة، ويعيد فتح ما تحاول السلطة أو الذاكرة إغلاقه.

أما حورس، فلا يمثل نظاماً مكتملاً مقابل فوضى مطلقة. إنه يمثل الحاجة إلى الشكل، وإلى بناء معنى يمكن العيش داخله. الصراع بينهما، لذلك، ليس بين مبدأين ثابتين، بل بين ضرورتين متعارضتين: ضرورة الترميم كي لا يتبدد العالم، وضرورة الشك كي لا يتحول الترميم إلى قناع.

هنا تتجاوز المسرحية إعادة كتابة الأسطورة إلى كتابة شروطها من جديد. فهي لا تسأل: ماذا جرى في الماضي؟ بل: كيف ينشأ العالم من جرح؟ وكيف تتحول الرغبة في إصلاحه إلى سلطة؟ وكيف تصبح الفوضى، التي بدت شراً خالصاً، أداةً لكشف كذب الاكتمال؟

إن النص لا يستعمل الشخصيات الأسطورية لكي يكرر وظائفها، وإنما يجعلها مواقع تتولد داخلها تعريفات متنافسة للواقع. ولذلك لا تُقرأ الأسطورة بوصفها أصلاً ثابتاً تقاس عليه المسرحية، بل مادة أولى تدخل اللغة فتتغير. وما ينتج في النهاية ليس نسخة حديثة من صراع ست وحورس، بل أسطورة أخرى يكتبها النص من داخل جرح الإنسان المعاصر.

وبذلك يتغير السؤال المركزي من «من صاحب الحق في العرش؟» إلى «كيف يولد المعنى من الجرح؟». فالعرش لم يعد خاتمة الصراع، والجرح لم يعد حادثةً في بدايته، بل صار الجرح أصل كل محاولة لبناء العالم، وصار العرش واحداً من الأشكال التي يتخذها الخوف حين يريد أن يمنح هذا العالم هيئةً ثابتة.

الفصل الثاني: الراوي: من يملك حق البداية؟

إذا كانت كل أسطورة تبدأ بصوت يمنح العالم صورته الأولى، فإن الراوي في «العرش والعدم» لا يؤدي وظيفة السارد الذي ينقل الحوادث، وإنما ينهض بوظيفة المؤسس الذي يضع القارئ أمام عالم لم يكتمل بعد. فالجملة الافتتاحية: «في البدء…» ليست افتتاحاً زمنياً بقدر ما هي إعلان عن سلطة القول؛ إذ لا يخبر الراوي بما وقع، وإنما يقرر الكيفية التي ينبغي أن يُرى بها العالم منذ لحظة ولادته.

ولا يلبث هذا الصوت أن يخلخل كل ما ينتظره القارئ من الأسطورة. فبدل أن يجعل العرش مركز العالم، يختزله في صورة غير متوقعة: «حجر جلس عليه الخوف». إن هذا التحويل لا يغيّر معنى العرش فحسب، بل يغيّر سلطة الأسطورة نفسها. فالراوي لا يستعيد الحكاية القديمة، وإنما يسحب منها يقينها الأول، ويقترح بدلاً منه أن السلطة ليست أصل التاريخ، وإنما الخوف هو الأصل الذي تتفرع عنه السلطة والحدود والممالك. وبهذا لا يعود الراوي ناقلاً للأسطورة، بل يصبح أول من يعيد كتابتها.

غير أن اللافت في هذا البناء أن الراوي، على الرغم من امتلاكه سلطة البداية، لا يحتكر سلطة الحقيقة. فبعد أن يؤسس العالم، ينسحب تدريجياً ليترك الشخصيات تتولى إعادة تعريفه. وهنا تتخلى المسرحية عن البناء الأحادي الذي يميز كثيراً من النصوص الأسطورية، لتقيم بدلاً منه فضاءً تتجاور فيه الأصوات دون أن يملك أحدها الكلمة الأخيرة. إن الراوي يمنح العالم نقطة انطلاقه، لكنه لا يمنحه تفسيره النهائي؛ فكل شخصية تدخل النص لا لتؤكد ما قاله، بل لتعيد مساءلته من زاوية أخرى.

وهذا ما يجعل وظيفة الراوي مختلفة عن وظيفة السارد التقليدي في المسرح الشعري. فهو لا يفسر الأحداث، ولا يملأ الفراغات السردية، بل يضع الإطار المعرفي الذي ستتحرك داخله الشخصيات. ومن ثم فإن سلطته ليست سلطة معرفة، بل سلطة تأسيس. إنه لا يقول للقارئ ماذا يعتقد، وإنما يحدد المجال الذي يمكن أن تتولد داخله الاعتقادات المختلفة.

ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى الراوي بوصفه أول تجليات البنية الحوارية التي يقوم عليها النص. فهو لا يفرض رؤية مغلقة، وإنما يطلق سلسلة من الأسئلة ستتلقفها الشخصيات لاحقاً، كل بحسب رؤيتها للعالم. ولذلك لا تبدو المسرحية وكأنها تنتقل من الراوي إلى ست أو حورس، بل كأنها تنتقل من صوت يؤسس السؤال إلى أصوات تحاول الإجابة عنه.

إن البداية، بهذا المعنى، ليست عنصراً بنائياً فحسب، وإنما جزء من الرؤية الفكرية للمسرحية. ففي النصوص التقليدية تمنح البداية القارئ يقيناً يدخل به العالم الحكائي، أما هنا فإنها تنزع هذا اليقين منذ اللحظة الأولى. فكل مفهوم يقدمه الراوي يبدو وكأنه يطالب بإعادة التفكير فيه، لا بقبوله. ومن ثم لا تكمن وظيفته في تثبيت المعنى، بل في زعزعته، ليصبح فعل القراءة نفسه مشاركةً في بناء العالم.

الراوي، إذن، لا يبني العالم كاملاً؛ إنه يفتح إمكان بنائه. أما البناء الحقيقي فيتم بين الأصوات: ست، وحورس، وإيزيس، والجوقة، والنيل، وأوزيريس. ومن امتلاك صوت واحد للبداية تنتقل المسرحية إلى توزيع حق التعريف على شخصياتها. فالحقيقة لا تُعطى مرة واحدة، بل تتشكل بالحوار، وتتغير كلما انتقلت من صوت إلى آخر.

الفصل الثالث: الحوار بوصفه فعلًا لخلق العالم

يكاد يكون من الخطأ قراءة الحوار في «العرش والعدم» بوصفه تبادلاً للكلام بين شخصيات أسطورية، لأن النص لا يبني حواره على مبدأ الرد والإجابة، ولا على تطور الحدث وحده، وإنما على إنتاج العالم من جديد. فكل صوت يدخل إلى المسرحية لا ليواصل ما قاله الصوت السابق، وإنما ليعيد ترتيب شروط التفكير نفسها. ولهذا لا تبدو الحوارات سجالاً بين ست وحورس بقدر ما تبدو سلسلة من المحاولات المتعاقبة لإعادة تعريف الوجود.

وهنا تكمن إحدى الخصائص الأكثر تميزاً في النص؛ فالحوار لا يشرح العالم، بل يخلقه. إن كل جملة تقال لا تضيف معلومة فحسب، وإنما تنقل القارئ إلى أفق إدراكي جديد. ولهذا فإن الكلمات الأساسية في المسرحية لا تبقى ثابتة؛ فما إن ينطق أحد الأصوات بكلمة مثل «النظام» أو «العدم» أو «العرش»، حتى يأتي صوت آخر لينزعها من معناها المستقر، ويعيد إدخالها في شبكة جديدة من العلاقات. إننا لا نشهد تبادلاً للأفكار، بل حركةً مستمرةً لإعادة إنتاج المفاهيم.

من هنا يصبح ست أول من يمارس هذا الفعل. فهو لا يعلن نفسه إلهاً للفوضى كما تروي الأسطورة، بل يبدأ بتقويض اللغة التي تُبنى عليها فكرة النظام. إنه لا يهاجم النظام من خارجه، وإنما يكشف هشاشته من داخله حين يصفه بأنه «مجرد قناع». وبهذا لا يهدم ست المدن أو القوانين فحسب، بل يهدم اللغة التي منحتها مشروعيتها. إن خطابه يعمل في مستوى المفهوم؛ ولذلك تبدو الفوضى عنده ليست نقيضاً للنظام، بل الأداة التي تكشف زيفه.

غير أن حورس لا يأتي لينقض هذا الخطاب، بل ليعيد ترتيب السؤال. فهو لا يدافع عن النظام لأنه نظام، ولا عن الملك لأنه حق موروث، وإنما يربط فعل جمع أشلاء أوزيريس بإعادة شكل العالم. إن الجسد هنا لا يعود جسد الأب وحده، بل صورة الكون نفسه. ولذلك فإن جمع الأشلاء لا يحمل وظيفة طقسية أو أخلاقية فقط، بل يصبح محاولةً لإعادة بناء معنى مهدد بالانهيار.

ولعل ما يميز هذا الحوار أنه لا يسمح لأي صوت بأن يمتلك الكلمة الأخيرة. فكل تعريف يقدمه ست يظل مفتوحاً على اعتراض حورس، وكل تصور يقدمه حورس يتعرض لاختبار جديد. حتى إيزيس، التي تبدو لأول وهلة صوت المصالحة، لا تنهي الصراع، بل تعيد صياغته حين ترى أن كليهما وجهان لجرح واحد، وأن الحياة لا تنمو من يد واحدة، بل من توتر النقيضين.

هنا لا يتدخل النص ليحسم الخلاف، وإنما يرفعه إلى مستوى آخر يصبح فيه الاختلاف نفسه شرطاً لإمكان الحياة. ومن هذه الزاوية لا يغدو الحوار وسيلة لنقل الأفكار، وإنما البنية التي يتكون عبرها الوجود داخل المسرحية. فما يوجد في هذا العالم ليس ما تقوله الشخصيات عن الأشياء، بل ما يحدث للأشياء عندما تتكلم الشخصيات عنها.

إن العرش والجرح والعدم والنظام والفوضى ليست معطيات تسبق الحوار، وإنما كيانات لا تكتسب وجودها إلا من خلاله. ولهذا لا تجعل المسرحية اللغة تابعة للعالم، بل تجعل العالم تابعاً للغة؛ إذ لا يتشكل الوجود إلا بقدر ما يُعاد قوله.

ولذلك فإن القيمة الدرامية للحوار لا تكمن في دفع الحدث إلى الأمام وحده، بل في دفع الفكر إلى الأمام. فكل مقطع يغير طريقة إدراك القارئ للمقطع السابق، بحيث يصبح النص سلسلة من التصحيحات المتبادلة، لا سلسلة من الوقائع المتتابعة. ومن هنا لا يعود السؤال المركزي: من انتصر؟ بل: أي معنى ظل قادراً على الاستمرار بعد هذا الحوار؟

ولعل الجواب الذي يقترحه النص هو أن المعنى الوحيد القادر على البقاء هو ذلك الذي يقبل أن يُعاد النظر فيه باستمرار. فالحوار ليس الطريق إلى حقيقة مكتملة، بل هو صورة وجود الحقيقة داخل المسرحية: مؤقتة، ومتنازعة، وقابلةً لأن يولد منها معنى جديد.

الفصل الرابع: الأسطورة اللغوية: حين لا تُروى الأسطورة بل تستعيد وظيفتها

لا تكمن جدة «العرش والعدم» في أنها تنقل أسطورة أوزيريس وست وحورس إلى زمن آخر، ولا في أنها تمنح شخصياتها دلالات رمزية حديثة. فمثل هذا الانتقال، على أهميته، يبقى داخل حدود إعادة الكتابة المعروفة: حكاية قديمة تُستعاد، ثم تُحمَّل بأسئلة الحاضر. غير أن المسرحية تتجاوز هذا المستوى؛ إذ لا تتعامل مع الأسطورة بوصفها مجموعة من الوقائع والشخصيات، بل تستعيد الوظيفة التي كانت الأسطورة تؤديها قبل أن تتحول إلى أثر ثقافي: تفسير العالم، وإعطاء الألم صورةً قابلة للإدراك، وتنظيم العلاقة الملتبسة بين الإنسان والسلطة والموت والعدم.

ومن هنا يمكن اقتراح مفهوم «الأسطورة اللغوية»، لا بوصفه اسماً جديداً لكل نص يستعمل لغة شعرية في معالجة الأسطورة، بل بوصفه وصفاً لطريقة مخصوصة في اشتغال الخطاب. ففي هذا النوع من الكتابة لا تكون اللغة وعاءً تُصب فيه المادة الأسطورية، وإنما تصبح المجال الذي تستعيد فيه الأسطورة قدرتها الأولى على إنتاج المعنى. لا يُستدعى الماضي من أجل روايته، بل لكي تمارس اللغة، عبره، فعلاً تأسيسياً في الحاضر.

ولهذا لا تبدأ المسرحية من الواقعة الأشهر في الأسطورة: قتل أوزيريس وتقطيع جسده. إنها تبدأ قبل الحادثة، لا زمنياً، وإنما مفهومياً. تبدأ من العرش، لكنها لا تقدمه مركزاً للقوة أو موضوعاً للنزاع، بل تفككه منذ الجملة الأولى: «لم يكن العرش سوى حجر جلس عليه الخوف». بهذه الصورة لا تفسر اللغة أصل السلطة تفسيرًا تاريخياً؛ إنها تمنحها أصلاً وجودياً. فالعرش لا ينشأ لأن شخصاً أراد أن يحكم، بل لأن الخوف احتاج إلى صورة يقيم فيها.

إن اللغة هنا لا تستعير العرش من الأسطورة ثم تضيف إليه معنى فلسفياً؛ بل تعيد خلقه كأنه يظهر للمرة الأولى. وما كان في الحكاية موضوعاً للصراع يصبح في الخطاب سؤالاً عن منشأ الحاجة إلى السيطرة. وبذلك يتغير مركز الثقل: لم يعد المهم من يجلس على العرش، بل ما الذي يجلس في الإنسان قبل أن يجلس الإنسان عليه.

والأمر نفسه يحدث مع الجرح. فالحكاية الأسطورية تعرف الجسد الممزق بوصفه نتيجة لجريمة ست، أما المسرحية فتقلب العلاقة بين السبب والنتيجة حين تجعل الحكاية نفسها تبدأ بجرح: «لم تبدأ الحكاية بملك. بدأت بجرح انفتح مثل باب في الظلام». لم يعد الجرح خاتمة فعل عنيف، بل صار مدخلاً إلى العالم. إنه لا يقع داخل التاريخ؛ التاريخ هو الذي يخرج منه.

وفي هذا التحويل تتجلى وظيفة الأسطورة اللغوية بوضوح. فاللغة لا تسأل: من أحدث الجرح؟ بل: ماذا يصبح العالم بعد أن يُفتح فيه جرح؟ ومن ثم لا يعود الجرح علامة نقص ينبغي محوها، بل موضعاً تنبثق منه المعرفة والصراع والحاجة إلى المعنى. إن الإنسان لا يفكر لأنه يقف أمام عالم مكتمل، وإنما لأن شيئاً فيه انكسر.

هكذا تنتقل الأسطورة من تفسير حادثة إلى تفسير إمكان الإنسان. فالجسد الممزق لا يحيل إلى إله غائب وحده، بل إلى ذات لا تستطيع إدراك نفسها إلا عبر شظاياها. وجمع الأشلاء لا يعود مجرد فعل وفاء للأب أو تمهيداً لاستعادة الملك، وإنما يصبح محاولةً لإعادة تركيب عالم فقد وحدته.

لكن المسرحية لا تسمح لهذا الترميم بأن يتحول إلى جواب نهائي. فست لا يقف في الجهة الأخرى بوصفه الشر الذي ينبغي إقصاؤه حتى يستقيم العالم، وإنما يتدخل ليطعن في معنى الاستقامة نفسه. حين يصف النظام بأنه «مجرد قناع»، لا ينفي الحاجة إليه فحسب، بل يكشف أن ما يبدو اكتمالاً قد يكون صيغةً لإخفاء التصدع. وهنا لا تعود الفوضى واقعة تهدد العالم من الخارج؛ إنها إمكان يسكن كل نظام ويفضح ادعاءه الاكتمال.

وبهذا تحرر اللغة ست من الوظيفة التي ثبتها له السرد الموروث. إنه ليس حامل الفوضى بوصفها قوة تدمير فقط، بل حامل السؤال الذي يمنع المعنى من التحول إلى عقيدة مغلقة. وحورس، في المقابل، ليس ممثل النظام المنجز، بل ممثل الرغبة في إنقاذ العالم من التبدد.

ومن هنا لا تعمل المسرحية وفق منطق الأضداد الصلبة. إنها لا تضع ست في مقابل حورس ثم تدعو القارئ إلى اختيار أحدهما، بل تجعل كل صوت يختبر الحدود التي يقف عندها الصوت الآخر. فالفوضى تكشف كذب النظام، لكنها قد تعجز عن تأسيس عالم يمكن العيش فيه؛ والترميم يحمي العالم من التفتت، لكنه قد يخفي الشقوق التي قام فوقها. وبذلك لا تنتج اللغة جواباً، وإنما تنتج توتراً معرفياً يصبح هو الصيغة الممكنة للحقيقة.

وهذا ما يمنح إيزيس موقعها المختلف. فهي لا تدخل الحوار لتتوسط بين خصمين ولا لتصالح بين قوتين متعارضتين، وإنما تعيد تعريف الصراع من أساسه عندما ترى في الطرفين وجهين لجرح واحد. لا تلغي إيزيس الاختلاف، بل تمنحه وظيفةً وجودية. فالعالم لا يستمر بأنتصار أحد الصوتين، وإنما لأنه يبقى مفتوحاً على التوتر بين الهدم وإعادة البناء.

وعند هذه النقطة تفارق المسرحية الأسطورة الرمزية أيضاً. ففي القراءة الرمزية يمكن تثبيت المعادلات بسهولة: ست يساوي الفوضى، وحورس يساوي النظام، وإيزيس تساوي الحياة أو الذاكرة. غير أن النص يقاوم هذا التثبيت، لأن كل شخصية تتجاوز معناها حالما تبدأ الكلام. ست لا يمثل الفوضى فقط؛ إنه يعيد تعريف النظام. وحورس لا يمثل النظام فقط؛ إنه يعيد تعريف الجسد والمعنى. وإيزيس لا تمثل الأمومة أو الخصب فقط؛ إنها تعيد تعريف العلاقة بين النقيضين.

إننا، لذلك، لا نكون أمام أسطورة جرى تحديث رموزها، بل أمام لغة تستخدم الأسماء الأسطورية لكي تضع المفاهيم في حالة حركة. وهذا هو الحد الفاصل بين الأسطورة الرمزية والأسطورة اللغوية: الرمز يحيل إلى معنى يمكن استخراجه، أما الأسطورة اللغوية فلا تمنح معنى مستقراً خلف الكلام؛ إنها تجعل المعنى يحدث في الكلام نفسه.

فالعرش لا يساوي الخوف على نحو نهائي، بل تبدأ علاقته بالخوف ثم تتغير كلما انكشف وجه آخر للسلطة. والجرح لا يساوي الألم وحده، بل يغدو باباً للمعرفة وأصلاً للتاريخ وشرطاً للبحث عن الوحدة. والجسد لا يعود مادةً أو أثراً لأوزيريس، بل يصبح صورةً لوحدة العالم وإمكان تشظيه. أما العدم فلا يبقى نقيضاً للوجود أو خاتمةً له، وإنما يحضر بوصفه الفراغ الذي يدفع الإنسان إلى ابتكار المعنى.

بهذا المعنى لا تصف اللغة الأشياء بعد أن توجد، بل تمنحها كيفية وجودها داخل المسرحية. فالشيء لا يدخل النص محتفظاً بتعريفه؛ إنه يمر بين الأصوات، ويتبدل في كل مرة يُنطق فيها. ومن ثم يمكن القول إن البنية الدرامية ليست إطاراً خارجياً تُعرض داخله الأفكار، بل هي الشرط الذي يسمح للمفاهيم بأن تتولد.

هنا تتشكل المنطقة الثالثة التي لا تنتمي كاملةً إلى الأسطورة ولا إلى الفلسفة. فالأسطورة تمنح النص شخوصه وطاقته التأسيسية وذاكرته الجمعية، والفكر يمنحه أسئلته عن الحرية والسلطة والموت، لكن الشكل المسرحي يخلق بينهما مجالاً تنتج فيه اللغة مفاهيمها من خلال الصراع والتكرار والاعتراض والتحول.

ولهذا فإن «الأسطورة اللغوية» ليست صفةً للغة المزخرفة، ولا مرادفاً للشعرية. قد تكون اللغة شعرية من غير أن تؤدي وظيفة أسطورية، حين تكتفي بتجميل العالم أو وصفه. أما هنا فإن الصورة الشعرية تعيد تنظيم العلاقة بين الكلمات والأشياء. حين يصبح العرش حجراً يجلس عليه الخوف، لا نحصل على تشبيه جميل فحسب؛ بل تتغير أمامنا طبيعة السلطة. وحين ينفتح الجرح مثل باب في الظلام، لا يزداد الألم كثافةً جماليةً فقط؛ بل يتحول من إصابة إلى بداية، ومن أثر إلى ممر.

الصورة، إذن، أداة معرفة. إنها لا تقرب مفهوماً جاهزاً، بل تخلق علاقة لم تكن موجودة من قبل، ومن هذه العلاقة يولد المفهوم. وهذا ما يجعل التفكير في المسرحية تفكيراً شعرياً: ليس لأنه يتخلى عن الدقة لمصلحة المجاز، وإنما لأن المجاز نفسه يصبح وسيلة لاكتشاف ما لا يستطيع التعريف المنطقي بلوغه.

ومن ثم لا تعيد «العرش والعدم» سرد الأسطورة المصرية، وإنما تعيد تشغيل ضرورتها. فالإنسان القديم احتاج الأسطورة لكي يجعل الكون قابلاً للفهم؛ والإنسان الذي تقترحه المسرحية يحتاج اللغة لكي يعيد بناء قابلية العالم للمعنى بعد انهيار اليقينات. غير أن اللغة لا تمنحه نظاماً نهائياً، بل تمنحه وعياً بأن كل نظام يولد من جرح، وأن كل معنى يحمل إمكانية انكساره.

لذلك لا تنتهي وظيفة الأسطورة اللغوية عند تفسير العالم، بل تمتد إلى إعادة ترتيب علاقة الإنسان به. الإنسان هنا ليس سيداً يفرض المعنى على الأشياء، ولا ضحية تقف عاجزة أمام العدم. إنه الكائن الذي يعيش بين التمزق والترميم؛ يحتاج إلى الأشكال لكي لا يتبدد، ويحتاج إلى الشك فيها لكيلا تتحول إلى أقنعة.

وعلى هذا الأساس تنقل المسرحية مركز الأسطورة من الحدث إلى فعل التسمية. لم تعد اللحظة المؤسسة هي قتل أوزيريس أو معركة ست وحورس، بل اللحظة التي يعاد فيها قول العرش والجرح والجسد والفوضى. فكل تسمية تغير موقع الإنسان من العالم، وكل تعريف يفتح إمكانيات جديدةً للعيش داخله. لقد كانت الأسطورة القديمة تخلق العالم بالحكاية؛ أما «العرش والعدم» فتخلقه بإبقاء الكلمات في حالة ولادة.

وهنا تتحدد فرادة النص: إنه لا يطلب من القارئ أن يصدق الأسطورة، ولا أن يفك شفراتها، بل أن يدخل في الحركة التي تعيد بها اللغة بناء مفاهيمه. القارئ لا يقف خارج الصراع ليراقب شخصيات قديمة؛ إنه يجد الكلمات التي ينظم بها حياته – النظام، والحرية، والجسد، والسلطة، والحقيقة، والموت – وقد فقدت بداهتها. وبقدر ما تغدو الكلمات غريبة، يغدو العالم قابلاً لأن يُرى من جديد.

تلك هي وظيفة الأسطورة اللغوية في المسرحية: لا أن تمنح الإنسان قصةً يطمئن إليها، بل أن تعيد إليه دهشته أمام الكلمات التي صنع بها عالمه، ثم نسي أنها من صنعه. إنها لا تنهي السديم، وإنما تمنحه لغة؛ ولا تبدد العدم، وإنما تجعل الإنسان قادراً على الوقوف أمامه، وتسميته، والبدء مرة أخرى.

خاتمة: اللغة بوصفها مصيراً للمعنى

تبدأ «العرش والعدم» من أسطورة معروفة، لكنها لا تنتهي عندها. فما تستعيره من الميثولوجيا المصرية ليس الحكاية وحدها، بل الطاقة التأسيسية الكامنة في الحكاية: قدرتها على جمع الأسئلة الكبرى داخل صور وشخصيات وصراعات تتجاوز زمنها الأول. ومع ذلك لا تكتفي المسرحية بإحياء هذه الطاقة، بل تنقلها إلى اللغة المسرحية، وتجعلها تعمل في قلب الحوار والصورة والتسمية.

لقد ظهر الجرح بوصفه أصلاً للعالم، لا حادثةً فيه؛ وظهر العرش بوصفه تجسيداً للخوف قبل أن يكون علامةً للسيادة. أما الراوي فامتلك حق البداية من غير أن يحتكر الحقيقة، وترك للأصوات أن تتنازع حق تعريف الواقع. ومن خلال هذا التنازع تحول الحوار من تقنية درامية إلى فعل أنطولوجي: لا يعرض عالماً موجوداً، بل يصنع كيفية وجوده.

ومن هنا جاء مفهوم «الأسطورة اللغوية» ليصف جوهر هذه الحركة. فالأسطورة لا تعود قصةً تُروى أو رمزاً يُفك، بل وظيفة تستعيدها اللغة: تفسير العالم، وإعادة ترتيب علاقة الإنسان بالسلطة والموت والجرح والعدم. غير أن هذا التفسير لا يقدم يقيناً نهائياً؛ إنه يبقي المفاهيم في حالة توتر، لأن الحقيقة في النص لا تستقر في صوت واحد.

تلك هي القيمة الأعمق للمسرحية: أنها لا تمنح القارئ معنى جاهزاً، بل تعيد إليه الكلمات التي اعتادها بعد أن تجعلها غريبة. وحين تغدو الكلمات غريبة، ينفتح العالم من جديد على السؤال. عندئذ لا تكون الأسطورة ذاكرةً للماضي، بل طريقةً في مقاومة انغلاق الحاضر؛ ولا تكون اللغة أداةً لوصف الوجود، بل الفضاء الذي يواصل فيه الإنسان خلق معنى لوجوده.

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية