مقالات

عرض “غروب” : الفرد في مواجهة الانكسار/ د. رشيد بلفقيه

تمهيد

يتأطر فعل قراءة العرض المسرحي “غروب”، الذي أنتجته فرقة “أوريكة Eureka “، وقام بتأليفه وإخراجه يس هواري، ووقعت هدى الحامض  على سينوغرافيته وملابسه بأناقة وتناسق جليين، وأضاءته رميساء شراشر، وشارك فيه باقتدار مائز كل من وليد المعروفي، وحنان العلام، وأمينة الليق، ويس هواري، وأطربت ملكوت قيش مشاهده بمعزوفات مميزة، -يتأطر- بمجموعة من الموجهات النصية/الحوارية من جهة، والشكلية/البصرية من جهة أخرى، بوصفها علامات إرشادية تقود عمليتي التلقي والتأويل وتوجههما في سيرورة تفسير العرض مسرحي واستجلاء مضمراته، بوصفه عرضا راهن على تعدد الوسائط، وتكثيف العلامات، فجُعلت مشاهده شبيهة بأجزاء متداخلة لقصيدة شعرية ملقاة.

 في سياق تلقي العرض ينتصب السؤال ما هي أبرز المعاني التي يمكن استخلاصها من مشاهدة هذا العرض المسرحي؟ وكيف اشتبكت الرؤيتان الدرامية والإخراجية لإنتاجها؟ وماهي أبرز الأسئلة التي طرحها العرض وانشغل بالإجابة عنها؟

سعيا إلى تقديم إجابات عن هذه الأسئلة ننطلق في قراءتنا للعرض من أول مدخل لتلقيه وهو العنوان بوصفه العتبة الأبرز في العبور نحو كل عمل فني.  

1- عتبة العنوان:

يحيل العنوان “غروب” زمنيا على نهاية نهار وبداية ليل. لكن، باستدعاء الطباق اللغوي “نهاية/بداية” المتضمن في معناها ودلالتها اللغويتين، وبعرض العنوان على شساعة المجاز، يمكن أن يصير معنى الغروب “بداية حياة جديدة، وأفول أخرى قديمة”.

 كما يمكن أن يكون اللحظةَ العسيرة التي يحتضر فيها الضوء، ويتحقق فيها اكتمال انطفاءٍ يستوجب الغياب، أو يكون بداية انتشار جيوش الظلام الزاحفة ونهاية فلول النور المنسحبة، أو لحظةَ تأمل مقتضبة تعيشها الدنيا قبل أن تقفز إلى الجانب المعتّم من الوجود.  إنها لحظة عسيرة، ولا شك، توَلّد تساؤلات أولية من قبيل “ولكن ماذا حدث بالضبط بين المرحلتين؟ ولماذا؟ وأين؟”.

باستكشاف العوالم التخييلية للعرض، يظهر أن رؤيتيه الدرامية (ما يقال) والإخراجية (كيف يقال) قد شيدتا عند الحد الفاصل بين اليقين والاحتمال، عبورا نحو المضمر وتجاوزا للظاهر السطحي الذي لا يمكن أن يقدم أجوبة مقنعة عن معانيه. لأن نصا مقتضبا قُدم في بداية المسرحية، قال  … لنسمع ما لا يقال عبر ميكروفون يعري الصوت من الخوف، ويكشف ما نخفيه عادة خلف الإيماءات، ما سترونه لم يحدث، لكن يمكن أن يحدث، وقد حدث بطريقة ما في مكان ما شبيه بهذا المكان.

قُدّم النص وفقا لاستراتيجية إقناعية أبرز ملامحها:

تكثيف أسلوب التكرير: إذ قدم النص مكررا وبالتزامن مكتوبا في الخلفية، ومقروءا بصوت خارجي.

-استهداف النص متلق عام/كوني: من خلال توظيف اللسان العربي في كتابته والفرنسي في قراءته.

– التطلع إلى الاستحواذ على الانتباه الكامل للمتلقين: لأن هذا التدبير الإخراجي استدعى حاستي السمع والبصر معا لحظة تلقيه.

– الإطناب والتكثيف المقصودان: (سواء في هذا النص أم في غيره) وهدفهما ترسيخ الحضور وتثبيت المعاني.

هذه المؤشرات ستوجه تلقي بقية عناصر العرض ومشاهده، وستفرض على المتلقي الانتباه للتفاصيل الصغيرة، ففي تلك التفاصيل يكمن المعنى كله.

تركيبيا تبدو عبارات النص متنافرة، “لم يحدث”، و”يمكن أن يحدث”، وقد حدث”، لكن في المسافة بين النفي والاثبات تزهر الاحتمالات، ويصير هذا التنافر الظاهري وسيلة لتفجير الاحتمالات الدلالية، وفتح باب الاحتمال على مصراعيه. ورغم اقتضاب هذا النص ذي النفس “المانيفيستي”، إلا أن تكثيفه كان كافيا ليفتح بابا للايقين لتلقي العرض المسرحي، ولتوسيع دائرة الأسئلة كلما تقدمنا في مشاهدة العرض لتتشعب وتدفعنا للتساؤل:

هل يمكن للإنسان أن يُعمّر في المساحات التي تتيحها باحات الاحتمال؟ هل يجعل ذلك كل شيء نسبي؟ هل الحب نسبي؟ هل الكتابة نسبية؟ هل يمكن للاحتمال أن يضمن حياة جديدة؟

2- غواية الأسئلة ولذة الإقامة في الاحتمال

على صدى الأسئلة وتقاطعاتها يتحدد سبيلا تلقي العرض وتحليله. وإذا كان مبدأ الاحتمال يفترض تعدد التأويلات فإنه يؤجج غواية التّمادي في توليد الأسئلة سعيا إلى تفكيك العرض وقراءته، بوصفها (أي الأسئلة) توقا عسيرا إلى الحقيقة، وتورطا في الإقامة في اللا اكتمال بمنطق ‘موريس بلانشو’. وبوصفها تماديا بدافع التلذذ في البحث عن الامتلاء بعد تحقق وهم الاكتمال. أو بوصفها من زاوية أخرى بحثا عن المعرفة بمنطق الفلسفة، فالحكمة تبدأ بالسؤال وفقا للمنطق السقراطي، والسؤال نصف المعرفة بالمنطق الأفلاطوني.

بهمسة مركزة، ينبهنا الصِّحافي عادل بنشريفة أبرز أبطال العرض، أن الإصابة بلوثة السؤال أقوى، هو الذي جرب غوايته وعاش شغوفا به، فيقول: “ملي كنت صغير كنت باسل … كنت كنبغي الأسئلة أكثر من الأجوبة”.

ومن أثر سيره تقبض بقية الشخصيات أسئلة تنفخ فيها من صفاتها وسماتها، جاعلة منها المدخل الرئيس لفهم وجودها، أيكون هو كبيرهم الذي علمهم السؤال؟ من يدري …

-ياك ما كنت كندق البيبان الغالطة؟ بيبان ماشي ديالي في صدى هذا السؤال تتبدد حياة يعقوب صاحب الاسم الثقيل، الذي انتظر وانتظر الفرصة دون جدوى، قبل أن يغتال طموحه الانتظار ثم الأمواج.

وتتساءل مريم: -بغيت غير نعرف علاش كتبكي؟ ياك شحال وأنت كتسناي هاد النهار (يوم الزفاف)؟ بغيت غير نعرف علاش البنات كيبكيو نهار عرسهم؟ مريم الشخصية التي سيظل وجودها مرتبطا إلى آخر أنفاس العرض بوجود الآخرين، وكأنها ظل لهم. فتظل مهتمة بما يقع لهم أكثر من تركيزها على ما تعيشه هي نفسها، فتسأل كلما سنحت لها الفرصة عن أحوالهم، مثلا ” بغيت غير نعرف كي درتي عرفتي عادل؟” كما تسأل خولة مستفسرة.

وتتساءل خولة: -إلى ما كانش بحال عادل هاد الشفارة في هاد لبلاد شكون غادي يهضر عليهم؟ تتساءل متمردة على المنطق الذي ينبهها إلى ضرورة اختيار شريكها وفقا لشروط عقلية وليس خلف انسياق عاطفي، هي التي تعتبر الحياة خيطا رفيعا قابلا للتلف في كل لحظة.

ويتساءل عادل المعلّق بين حبه لمهنته وعشقه لزوجته: -كيف تشرح لمن تحب أنك محكوم بمهنة الصِّحافة كما يحكم على سجين بسجنه؟ هو الذي يعيش قدره معلقا بين طموحه في الوفاء لمبادئه، وتطلعه إلى الاستجابة لمتطلبات أسرته.

تكسر غواية السؤال الحدود مع الجمهور، وتكبر وفق طرائقها مثل كرة الثلج، حتى تقذف بالشخصيات من واقعها التخييلي إلى عالم المتلقين الواقعي، وتجعلها تتجول في ماوراء الخشبة باحثة عن إجابات بين المتفرجين، خلف السؤال السرابي “زعمة غا تكون معنا شي وحدة سبق ليها دارتها؟” أي اعترفت لأحدهم أنها تحبه.

تتوالد الأسئلة وتتفرع مع تنامي الأحداث، أسئلة رومانسية، حالمة، مشرقة، كالحة، وجودية، بروميثية، مغرقة في المثالية، موغلة في المادية، حارقة، باردة، عميقة، وسطحية. لكنها في حالاتها كلها تتشكّل أسئلة بشرية، تحاكي حالات الإنسان في مراحل تشكله، ونموه، واندثاره، معبرة عن حالاته المختلفة وهو يتدثر بالأقنعة في “حفلة تنكرية” تندُر فيها الملامح الحقيقية. يحدث ذلك كله على الخشبة، مرسلا إدانته الشديدة للواقع الذي لا يطاق.

2- بلاغة التكثيف في بناء الفضاء الركحي

في مسار البحث عن إجابات ممكنة لما أثير من أسئلة خلال زمن العرض المقتضب، برز “خيار التكثيف” في تشييد التشكيلات البصرية وتوظيفها بوصفه خيارا حيويا، سخرت بموجبه عناصر العرض المسرحي جميعها لإنتاج خطاب يدين فساد الناس والمجتمع.

 واعتمدت الرؤية الإخراجية على العلامات البصرية والتشكيلات المشهدية أكثر من اعتمادها على اللغة المباشرة والتقريرية، رغم أن “الإبداعات المشهدية -تعدّ- أكثر استعصاء على الباحث من غيرها من الإبداعات الخالصة”(1) كما يرى مصطفى الرمضاني، لأنها تقوم على علامات سيميائية بلاغية رمزية مركبة، وأحيانا موغلة في المجاز، تتأبى إلى حد ما على التلقي الغافل. وفعّلت السينوغرافيا أداة لتحقيق مقصديتها هذه بكامل إمكانياتها، بوصفها -أي السينوغرافيا- “تصورا مشتركا بين المخرج والسينوغراف والدراماتورج، توجد في صلب الكتابة الركحية” (2) كما يراها خالد أمين.

مثلا: في أوج مشهد المواجهة بين عادل وخولة، حين ستبلغ علاقتهما نقطة الانهيار، تتعطل لغة الكلام لأن أثرها لم يعد فارقا، وتعوضها لغة الجسد “الفيزيقية الفضائية المحسوسة”(3) بتعبير حسن المنيعي، مستدعية خطابا يتجاوز التمفصل اللغوي إلى التعبير الرمزي للجسد بوصفه “موضوع بحثٍ وإنتاجٍ تفكيكي للصور الدلالية (idéogrammes)” (4).

 يُنتِج هذا التدبير لوحة كوريغرافية معبرة يتصارع فيها الحبيبان في عنف وصمت تلفّهما الموسيقى التي تسهم باقتدار كبير في تشكيل دثار شفاف بعزف متميز يساهم في إضاءة الحالة النفسية للشخصيات، ويُبرِز حزنها على ما وصلا إليه تحت ضغط الحياة ومتطلباتها. وبالتزامن مع صراعهما تملأ صور صفحات الجرائد الخلفية، بل تسد الأفق، كأن السماء أمطرت مقالات متنوعة، يُحيل حضورها الطاغي والفوضوي على مركزيتها فيما هما فيه من مشاكل، في توظيف إخراجي بليغ للجزء للدلالة على الكل.

وُظّف الدرج توظيفا مكثفا، ومتعدد الدلالات في العديد من المشاهد، فكان بداية أداة لتشغيل التناص في تأويل علامات العرض، باستدعائه أعمالا سينمائية ومسرحيات سابقة وُظّف فيها الدّرج للتعبير عن الوضعيات النفسية والاجتماعية للشخصيات، فأعطى بهذا توظيفه خلفية كثيفة لأحداث العرض وإواليات تحليله وتلقيه، كما أبرز -في الآن نفسه- الانفصال المكاني والروحي بين الشخصيتين حيت خصص درج خاص لكل منها، ترتقيه وتنزل منه أثناء الحوار، في إجراء إخراجي يُبرز أن كل شخصية اختطت طريقا خاصا بها.

حقق الدرج فصلا آخر هو فصل الشخصيات عن الخشبة (الأرض) ورفعها إلى الفوق في العديد من المشاهد، وهو الإجراء الذي استدعى استعارة فضائية وظف بموجبها الجزء العلوي من الدرج (فوق) ليعبر عن السمو والصفاء الروحي، أما جزءه الأسفل (تحت) فعبر عن اليومي البائس والمغرق في الوضاعة، فكان تنقل الشخصيات بين الأعلى والأسفل أو حتى توقفها في الوسط دالا في كل حالة عن وضع نفسي أو اجتماعي محدد.

ورغم مصائرها التراجيدية برز الأمل في نهاية العرض، مفاجئا، وخافتا، ودقيقا لكن حيّا، بوصفه بداية “حياة جديدة” ترمم “الأجنحة المتكسرة”، ممثلا في الجنين الذي تشكل في بطن خولة، والذي ظهر ليعيد حمل اسم العلم نفسه “يعقوب”، تعبيرا عن استمرار دورة البحث عن الأبواب الصحيحة، والمحاولات الغريزية والمستمرة التي لا يمكن أن تتوقف في بحث الإنسان عن الانبعاث والعودة.

3- بلاغة التكثيف وأثرها في تشكيل عناصر العرض

ساهمت الإنارة في تكثيف رمزية الفضاء محققة بذلك اتساقها مع الموجهات العامة لخطابه التأثيري، فقامت بتبئير الشخصيات في كل مرة تتحدث أو تصمت فيها إما بالتناوب أو التزامن، وساهمت تلويناتها (التي اقتصرت على الأبيض والأزرق والأحمر غالبا) في الإيحاء بالحالة النفسية للممثلين في مشاهد متعددة، فعمقت حزنها أو فرحها … إلخ، كما أبرز تخفيف شدتها أو غيابها الكلي -في لحظات معينة من العرض- قتامة الواقع، وجسدت بذلك التحقق النصي لأجواء فترة الغروب.

تشابكت عناصر السينوغرافيا وفقا للرؤية التكثيفية نفسها، لتشكل علامات استعارية مركزة متجاورة أحيانا، ومتكاملة أحيانا أخرى، ومنسجمة أحيانا ومتنافرة أحيانا أخرى، نستحضر هنا توظيف الخلفية (عمق الخشبة) لعرض قصص موازية أو مكملة لما كان يقدم على الخشبة. كما نستحضر دور الوسائط البصرية (المابينغ) والصوتية في عرض الأحداث، حيث ساهمت هذه العناصر بفنية طافحة في تعزيز الإيهام بحالات نفسية معينة، أو في استرجاع الذكريات، أو عرض صور ومقاطع فيديو ونصوص نثرية وشعرية… إلخ.

وقد أسهم التوظيف الفني المكثف لمكونات “الكرونوتوب” متمثلا في تداخل أماكن الحكي وفضاءاته، وتفاعل أزمنة الأحداث، وتكسير خطية السرد بتوظيف الاسترجاع والاستباق، وتشظي وحدات السردية المعروضة، وتشابك المسارات الدرامية… إلخ، في الزج بالمتلقي في تجربة التيه وهو يحاول تتبع مسار الحكي، وتجعله في حالة بناء مستمر لمعاني العرض، فأخرجته قسرا من شرنقة المتلقي البسيط، إلى باحات الواعي اليقظ، الفاعل وفقا لفلسفة التلقي عند إيزر وياوس.

ختاما

لم يجترح عرض “غروب” سردية تخييلية خارقة ولم تكن الاحداث الدرامية غرائبية أو مجانية مبالغ فيها، ولكنه أعاد عرض قصص من المعيش اليومي، بشخصيات مألوفة، وأحداث درامية تكاد تكون واقعية. ولكنه حقق التميز في الرؤية الإخراجية، التي قدمت الشخصيات والأحداث بنفس شعري طافح، أفرد مساحات واسعة للمجاز والانزياح، وراهن على المعاني الاستعارية والبعيدة، قال العرض كلمته ومضى لكنه ترك أسئلة، ومساحات كبيرة للنقاش …

هوامش الدراسة

(1): مصطفى الرمضاني، نقد النقد المسرحي المغربي، منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة، سلسلة رق 31، ص94.

(2): خالد أمين، المسرح والهويات الهاربة، رقص على حد السيف، منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة، سلسلة رق 63، ط1، سنة 2019 ص 186.

(3): حسن المنيعي، الجسد في المسرح، منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة رق 10، ط2،  2010، ص 19.

 (4): نفسه، ص 19.

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية