أحمد طنيش
في كل مهرجان مسرحي، تتجه الأنظار عند حفل الاختتام إلى منصة التتويج، حيث يعلن عن الأعمال والأسماء الفائزة، غير أن ما يسبق تلك اللحظة من مشاهدة دقيقة، وقراءة نقدية، وحوار فكري، ومداولات مسؤولة، يظل عملًا هادئًا لا يراه الجمهور، لكنه يشكل العمود الفقري لمصداقية المهرجان. تلك هي المهمة التي اضطلعت بها لجنة تحكيم الدورة الثامنة والثلاثين للمهرجان الدولي للمسرح الجامعي للدار البيضاء، التي حملت على عاتقها مسؤولية صيانة العدالة الفنية، والاحتكام إلى معايير جمالية وأكاديمية تليق بتاريخ هذا الموعد الثقافي العريق.
لم يكن اختيار أعضاء لجنة التحكيم اعتباطيًا، بل جاء معبرًا عن رؤية المهرجان في الجمع بين الخبرة الأكاديمية، والممارسة المسرحية، والقراءة النقدية، والانفتاح على التجارب العربية والدولية. فقد التأمت داخل اللجنة شخصيات تمثل مدارس مختلفة، لكنها اجتمعت حول هدف واحد، هو إنصاف الإبداع، ومنح الجوائز لمن يستحقها وفق معايير موضوعية ونزيهة.

ترأس لجنة التحكيم الأستاذ الدكتور علي محمد هادي الربيعي، عميد كلية الفنون الجميلة بجامعة الحلة في جمهورية العراق، وهو أحد الأسماء الأكاديمية العربية المرموقة في مجال المسرح والفنون الأدائية. راكم الرجل تجربة علمية ومهنية واسعة في تدريس الفنون المسرحية، والإشراف على البحث الأكاديمي، والمشاركة في العديد من لجان التحكيم العربية والدولية، الأمر الذي أكسبه مكانة مرجعية في تقييم التجارب المسرحية. وقد منح حضوره على رأس اللجنة بعدًا علميًا رصينًا، جعل النقاشات تنطلق من أسس معرفية دقيقة، تراعي البناء الدرامي، والرؤية الإخراجية، والأداء، والسينوغرافيا، والرسالة الفكرية للعرض.
إلى جانب هذا العمق المسرحي، حضرت المقاربة النقدية من خلال الأستاذ رشيد الإدريسي، أستاذ السيميائيات وتحليل الخطاب بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك، جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء. وهو من الباحثين الذين راكموا خبرة في تحليل الخطابات والأنساق الدلالية، بما يجعل من العرض المسرحي نصًا بصريًا وسمعيًا مفتوحًا على التأويل. من الأكيد أن خبرته تسهم في إغناء النقاشات داخل اللجنة، من خلال قراءة العلامات، والرموز، وبنية المعنى، والعلاقات التي تنسجها الصورة المسرحية مع المتلقي، وهو ما منح عملية التحكيم بعدًا فكريًا يتجاوز الانطباع إلى التحليل العلمي.
أما الفنان المغربي إدريس الجاي، المقيم بألمانيا، فإنه يمثل داخل اللجنة صوت الممارسة المسرحية المنفتحة على التجربة الأوروبية. فمن خلال مساره الفني، الذي جمع بين الخشبة المغربية والفضاءات المسرحية بأوروبا، راكم رؤية عملية تستحضر خصوصيات الأداء، وإدارة الممثل، والعلاقة بين الجسد والفضاء، وإيقاع العرض، وحيوية التفاعل مع الجمهور. ستضيف تجربته الدولية على مداولات اللجنة أفقًا مقارنًا، يجمع بين الأصالة والانفتاح، ويجعل قراءة العروض أكثر ثراءً وتنوعًا.
كما ضمت اللجنة الفنان المغربي هشام بهلول، أحد الوجوه المعروفة في المسرح والسينما والتلفزيون المغربي، له مرجعية الانتماء لهذا المهرجان الذي يعتز به ويعتبر نفسه من خريجيه، والذي يجمع بين تجربته الإبداعية كممثل، وخبرته المؤسساتية باعتباره إطارًا بوزارة الشباب والثقافة والتواصل ـ قطاع الثقافة، الأمر الذي يتيح له أن يقدم قراءة متوازنة للعروض، تستحضر دقة الأداء التمثيلي، وتماسك الرؤية الإخراجية، وأهمية الرسالة الثقافية التي يحملها المسرح الجامعي. يشكل حضوره قيمة مضافة داخل اللجنة، حيث التقت عين الفنان بخبرة المسؤول الثقافي، في مقاربة تراعي الجودة الفنية والدور المجتمعي للمسرح.

لقد جسدت تركيبة لجنة التحكيم في هذه الدورة نموذجًا للتكامل بين الجامعة والمسرح، وبين البحث الأكاديمي والممارسة الإبداعية، وبين التجربة الوطنية والانفتاح العربي والدولي.
لم يكن هذا التنوع مجرد تنوع في السير الذاتية، بل كان تنوعًا في زوايا النظر إلى العمل المسرحي، وهو ما سيمنح المداولات عمقًا، والقرارات توازنًا، والجوائز مصداقية.
تابعت اللجنة خلال أيام المهرجان، جميع العروض بكثير من التركيز والانضباط، وهي تدرك أن كل عرض يحمل تجربة إنسانية وفنية تستحق القراءة والإنصاف. لم يكن هدفها البحث عن عمل يفوز وآخر يخسر، بقدر ما كان السعي إلى الاحتفاء بالإبداع، وتشجيع التجارب الواعدة، وترسيخ ثقافة التميز داخل المسرح الجامعي.
عندما تُعلن النتائج في حفل الاختتام، فإنها حتما ستكون ثمرة حوار نقدي مسؤول، ومداولات علمية وفنية احترمت اختلاف الرؤى، وانتهت إلى قرارات جماعية تستند إلى الخبرة والمعرفة والنزاهة.
هكذا، تؤكد لجنة تحكيم الدورة الثامنة والثلاثين للمهرجان الدولي للمسرح الجامعي للدار البيضاء أن الجوائز ليست غاية في ذاتها، بل تتويج لمسار من الاجتهاد والإبداع، وأن العدالة الفنية لا تتحقق إلا حين تتكامل الخبرة الأكاديمية، والرؤية النقدية، والتجربة المسرحية، في خدمة المسرح، وفي خدمة الأجيال الجديدة التي تجعل من الخشبة فضاءً للحلم والمعرفة والحياة المشتركة

