حبيب ظاهر
قدمت دائرة السينما والمسرح بالتعاون مع محترف بغداد المسرحي عرض مسرحية (أنا .. أنا) تأليف وإخراج د. عواطف نعيم، على مسرح الرشيد يوم الاربعاء 10/ 8/ 2026.
استند العرض في إطاره الحكائي على مسرحية (لير) لشكسبير المكتوبة عام 1605م. أما مصدر المسرحية الأصلي فهو كتاب تواريخ انجلترا واسكوتلندا لمؤلفه رافائيل هولنشيد.
تتلخص حكاية مسرحية لير لشكسبير بالاتي: يقرر الملك لير تقسيم المملكة وتوزيعها على بناته الثلاثة (الكبرى جونريل والوسطى ريغان والصغرى كورديليا) على أن تكون حصة كل واحدة بمقدار حبها لأبيها، تبرع البنت الكبرى والوسطى في اظهار مدى حب الأب/الملك بمبالغة وتعظيم وتزويق نفاقا ورياء طمعا بالملك، في حين البت الصغرى تعرب عن مشاعرها كأب، يغضب الملك لير، ويقرر نفي ابنته وحرمانها، ومنح المملكة للكبرى والوسطى، اللتان سرعان ما يظهر جحودهن ويطردنه بعيدا في البراري خلال عاصفة قوية… تبدأ المؤلفة د.عواطف نعيم مسرحيتها من الملك لير في العاصفة. وهذا يتوافق مع ما ذهبت إليه الأستاذة في المعهد العالي للفنون المسرحية في القاهرة الناقدة (د. نهاد صليحة) في كتاب (أضواء على المسرح الإنجليزي – ص69) عن مسرحية (لير) “مسرحية تقوم من البداية إلى النهاية على مبدأ التشكيك في جميع الأنظمة والقيم التي تحكم عالم المسرحية، مما جعل ناقدا شهيرا- هو جورج لوكاتش – يصفها بأنها كانت نبوءة مبكرة بانهيار النظام الاقطاعي في إنكلترا. وقد كان (لوكاتش) محقا في ملحوظته هذه. اذ ان المسرحية تعج بالإشارات الى الأوضاع الاقتصادية السيئة للفقراء- خاصة في مشهد العاصفة التي تتحول في المسرحية من عاصفة عادية إلى عاصفة رمزيّة تنذر باقتراب عاصفة من نوع آخر تقتلع النظم القيمية من جذورها ”

تأسس نص العرض على مشهد (العاصفة) تحديدا. وتجسد ذلك منذ بداية العرض بواسطة المنظر والمؤثرات الصوتية من خلال صناعة الجو العام والإسهام في دعم صراع الشخصية الداخلي.
قبل الدخول إلى العرض نقرأ العنوان (أنا … أنا) تكرار الـ (أنا) يدل على مركزية ذات – سلطة – نرجسية – ثقة مفرطة بالنفس … جعلت الأمور تؤول إلى عاصفة وسفينة محطمة.
بدأ العرض بإضاءة مسلطة على خلفية خشبة المسرح، لتكشف عن أشرعة ممزقة في الخلفية، وحطام سفينة متناثر يمينا ويسارا، مقود (دفة) مستند على مدرج بثلاث مستويات. لم يتوقف صوت الرياح العاصفة الذي شكل المؤثر الصوتي الأبرز في العرض، إلى جانب الموسيقى الداعمة لاجواء العرض والمعبرة عن مختلف الحالات الانفعالية لصوت شخصية الملك.
العاصفة رافقت العرض منذ البداية وحتى اللحظة الاخيرة حين نزل المطر ليعلن انتهاء اعترافات الملك بأخطائه الكبرى التي مزقت المملكة ودمرت كل شيء، وقد أنشأ السينوغراف (علي السوداني) معادلا عيانيا لهذه المملكة عندما ملأ الفضاء البصري بمكونات حطام السفينة إلى جانب التعبير السمعي ل موسيقى ومؤثرات (ضياء عايد)
تمحورت رؤية المؤلفة/المخرجة على تجسيد شخصية الملك المهزوم نفسياً والمأزوم اجتماعياً والخاسر سياسيا، وهو نفسه بناء الشخصية الشكسبيري، على أنها افترقت عن البناء الدرامي بأنها اعتمدت على صياغة نص قائم على التداعيات النفسية والرجوع إلى استذكار ما حدث بلغة شاعرية مكثفة. صورت صراع الملك مع نفسه في لجة العاصفة على أنقاض سفينة محطمة.
يدور العرض في ثلاثة محاور هي:
- فقدان المملكة
- جحود البنت الكبرى والوسطى.
- عدم تقدير عاطفة البنت الصغرى.
عندما تستذكر الشخصية عملية تقسيم المملكة، يجري حوار مع البنت الكبرى والبنت الوسطى، دون حضورهم المادي/الجسدي، اكتفى الاخراج بحضورهم الصوتي، والاستعاضة عن وجودهم العياني ببقعتي ضوء ابيض يتحرك يمينا ويسارا في خلفية خشبة المسرح. أما ظهور البنت الصغرى فقد بدا ملائكيا، حيث الزي باللون الأبيض والحركات التعبيرية حول أبيها الذي يذكرها بكل محبة وخير يرافقه الندم لأنه لم يفهم مشاعرها النبيلة ولم يهبها حقها.

من أهم جماليات العرض، السرد بصوت عزيز خيون إذ وفر متعة سمعية، وشكل حافزا للمتابعة وغمر المتلقي بأجواء صورة العرض السمعية، وفي الوقت نفسه وجه الانتباه الى بقاء مفردات المنظر ساكنة، وسلط النظر على جمود الصورة البصرية ، إلا من حركة الشخصية وتحولات مشاعرها وانفعالاتها المتدفقة المثيرة للتعاطف، إلى جنب صورة العرش الذي ظهر بصورته الافتراضية، متحركا في جميع أنحاء الفضاء، إنه ذلك العرش المغري اللامع كما يصفه الملك.
ظهر طيف البنت الصغرى ثلاث مرات، بأداء حركات تعبيرية تفصح عن التودد والمواساة لوالدها، عبر شغل مسرحي صامت على أنغام موسيقى برداء ابيض وكانّها تستعيض عن الأخوات الثلاث، وفي المرة الأخيرة أفصحت عن مدى اهمية حضورها عندما قادت الملك الاعمى.
في الدقيقة (35) ينادي الملك على بهلول الذي يفتقد حكمته، يخاطبه قائلا: (كنت محقا وأنا الأحمق). طوال العرض يؤنّب الملك نفسه ويصفها بـ الحماقة والغباء، حتى أن مفردة (الاحمق والحماقة) تكررت كثيرا وشكلت العلامة الأبرز في لغة الحوار، استنادا إلى فكرة العرض المحورية التي أوجزتها المؤلفة بمقولة: (أنا الملك الاحمق الذي قسم المُلك في لحظة ضعف) على لسان شخصية الملك.
الـ 60 دقيقة التي استغرقها زمن العرض يؤنب نفسه، بل وذهب إلى تعنيفها لأنه أضاع الملك بسبب أتباعه للمحيطين به من المتملقين والمصفقين حتى أنه وهبهم كل شيء، ولم يقدر الصادقين بمشاعرهم النبيلة التي لم تستوعبها الكلمات. هؤلاء هم المخلصون وتمثلوا بابنته الصغرى.
ثمة ثنائية مزدوجة في المعالجة الاخراجية لشخصية الملك، فهي تثير تعاطفا واسعا وشفقة على الحال المأساوي الواضح في بناء الشخصية الذي اضطلع بأداءها الممثل (عزيز خيون) ، وفي الوقت نفسه، وعند الاحتكام للعقل والتفكير يبدو التعاطف أمرا في غير موضعه لأن الملك أضاع المملكة بسلسلة من الأفعال غير الحكيمة، وبحسب تعبير المؤلفة أفعال (حمقاء) وبالنتيجة (تعاطف مع الملك الأحمق) وقد يفسر الأمر على تعاطف مع (لير الأب الذي يعاني جحود ابنتيه الكبرى والوسطى) وسخط الوعي على (لير الملك الذي أضاع مملكته) وهذه الازدواجية (التعاطف مع الفاعل/شخص الملك والسخط على الفعل/ضياع المملكة) قائمة منذ زمن (لير) الشكسبيري إلى زمن (ملك) عواطف نعيم وعزيز خيون اللذان جسدا هذه الرؤية بسردية درامية إخراجا وتمثيلا محكما، وإن اعتراها شيء من رتابة غالبا ما يملأها صوت ولياقة الممثل المتمكن من أدواته (عزيز خيون) الذي تحكم بإيقاع العرض، فكان الأداء هو مرتكز العرض بتنويعات ما كانت لتظهر لولا هذا الصوت العميق وذاك الجسد المطواع والحضور الذي يملأ الخشبة حتى وإن كان صامتا ساكنا.
يصعب تحديد انتماء أزياء شخصية الملك إلى عصر محدد. غير أنه يمكن القطع بالقول انها أزياء لا تنتمي إلى العصر الحالي، ومنذ الدقائق الأولى تبدأ الشخصية بالتخلي عن العباءة الواسعة ثم ترمي الصولجان وبعدها تخلع الحذاء. وبهذا تتجرد من مهابة أزياء الملك وتتحول إلى أسمال الناس العوام. وكان المكياج توضيحا لملامح الشخصية، أما تسريحة الشعر ذات الضفائر فيمكن إرجاعها إلى أصول أفريقية. لذا يصعب تحديد هوية شخصية الملك من مظهره. ويفسر ذلك بالذهاب إلى عولمة الشخصية وإمكانية وجود مثيلاتها الذين يدمرون الممالك في كل زمان ومكان.

ثمة تساؤل -اجده مهما- الذين لا يعرفون شكسبير ولم يطلعوا على مسرحية لير، هل يتمكنون من فهم العرض والتواصل معه بمعزل عن المرجعية التي دونتها المؤلفة/المخرجة في الفولدر ونوهت عنها في التقديم قبل بدء العرض؟ لقد كان التدوين والتنويه جزء من الأمانة الفكرية، والارتكاز على النص الشكسبيري جزء الوعي بتاريخ المسرح وإعادة صياغة روائع الدراما المسرحية على وفق متطلبات ومجريات العصر الحالي. مع الأخذ بالاعتبار عدم وجود علامات دالة مباشرة أو موحية بالبيئة المحلية. ولكن ما دام العرض يقدم لهذا المتلقي فلا بد من حدوث اشتباك مع الوعي العام واثارة أسئلة: لماذا اختير هذا النص؟ ما الذي أثارني وجعلني أتواصل مع العرض؟ ما الفكرة المركزية الكامنة؟ وسواء كان التفكر بالعرض تلقائيا أم بقصدية نقدية/بحثية، فإن العرض يترسب في وعي المتلقي، ويشكل جزءا من كيانه الفكري والجمالي، ويشرع بإنشاء عناصر مشتركة في الواقع المعاش، وهذا هو أحد أهداف الفنون والآداب، فهي ليست حدث عابر، بل إنها واقعة تترسخ في الوعي الجمعي وتسهم في تشكيل الفكر العام للمجتمع.
أحكمت المؤلفة/المخرجة والممثل معالجة قكرة العرض ودفعوا الجمهور لمتابعة المجريات بانتظار الآتي الأكثر إثارة وتشويقا، ولكن لا تحولات في مسار ندم الملك على فعلته الحمقاء بتقسيم المملكة، إلا في المشهد الأخير الذي أثار تساؤل على درجة من الاهمية: ففي مسرحية شكسبير جميع الشخصيات تنتهي أما في السجن أو الموت، وينطبق هذا الحال على البنت الصغرى (كورديليا) التي تموت في السجن بعد محاولة انقاذ ابيها ومملكته. أما في رؤية (عواطف نعيم) فإن (البنت الصغرى) تحضر في نهاية العرض. التساؤل: هل أن حضورها واقع ام محض خيال؟ في حال كان حضورها من وحي مخيلة (الملك) وفكره المضطرب، فإن هذا يجعل العرض يميل إلى السوداوية في قراءة الواقع والتسليم بالنظرة التشاؤمية المغلقة. أما اذا كان حضورها واقعا فهي تمثل قوة الأمل والفعل الدائم للتغيير نحو إشراقة أفضل. لقد كان ظهور (البنت الصغرى) النقية يمثل الملاك الحارس وقوة الشباب في قيادة الماضي إلى بيئة الضوء الأزرق الجميل وصناعة الغد. لقد هدأت العاصفة ونزل المطر وظهرت البنت الصغرى الشابة التي لم يفهمها والدها، ولم يسعَ للتفاهم معها عندما باحت له برأيها، تقود الملك -والدها- العجوز، بعد أن انطفأت عيونه ولم يعد يرى شيئا، وتتولى حمل الكتاب، تتحول الاضاءة إلى لون أزرق يغمر الفضاء، وينتهي العرض. انها الضربة الأخيرة – كما يصطلح على تسميتها الدراميون- التي تبقى حاضرة بقوة ويأخذها الجمهور معه إلى خارج قاعة العرض.
مبارك لكم د. عواطف نعيم- الفنان القدير عزيز خيون- السينوغراف علي السوداني – أيار عزيز – لمار محمد – بهاء خيون – والجميع بلا استثناء، والجهات الداعمة، بوركتم وانتم تعملون على إنعاش المسرح بابداعكم، وتثابرون على التواصل مع الجمهور. الجمهور الذي يفتقد البرنامج والموسم المسرحي منذ زمن، ذلك أن العروض المقدمة -خلال النصف الأول من العام الحالي- باتت تعتمد على المبادرات والجهود الفردية أكثر من المؤسسات والمنظمات المجتمعية.

