د.حيدر علي الاسدي
مسرحية امرؤ القيس في باريس هي مسرحية من تأليف المغربي عبد الكريم برشيد، وربما يبدو العنوان غريباً بعض الشيء، فامرؤ القيس شاعر جاهلي عاش ومات في العصور العربية الجاهلية وباريس عاصمة عصرية من عواصم اوربا. اذ تتداخل في المسرحية عوالم مختلفة، عوالم سيرية واخرى افتراضية، يتداخل الماضي بالحاضر، يجمع المؤلف بين متناقضات شتى في فضاء النص المسرحي. فالقصة تحكي ان والد امرؤ يرسل ابنه للدراسة في جامعات باريس، ولكن امرؤ القيس حينما يصل باريس فانها تغويه بكافة بهرجها وزبرجها، مما يجعله ينشغل عن الدراسة باللهو والمجون ويسكن الحانات وفنادق المومسات، ويبقى هكذا يبذخ باموال ابيه في اوربا ويتصرف كامير عربي لا يعرف غير الشهوات، حتى ياتيه الخبر عن طريق صديقه عامر الاعور والذي يبلغه بخبر مقتل ابيه عن طريق بني اسد فيجن جنون امرؤ القيس ويتوعدهم بالانتقام.
ان المؤلف عبد الكريم برشيد يؤسس لمدخل تعريفي في بداية المسرحية يشير فيه الى ان امكانية حضور امرؤ القيس لباريس هو تركيبية كيمائية جعلها الكاتب في النص المسرحي لادخال امرؤ القيس في شبكة علاقات جديدة ويشير الى ان امرؤ يشبه تماما هاملت فكلاهما امير وكلاهما فقد اباه وكلاهما بحثا عن استرداد ملك الاب والانتقام لقتله. وقد اعتمد المؤلف عبد الكريم برشيد الصفات نفسها لامرؤ القيس من حيث مجونه وبحثه عن اللذة والاباحية، فهو كان شاعر جاهليا يتصف بهذه الصفات على المستوى الشعري والشخصي.
وفي المسرحية عمد المؤلف على الابقاء على صفاته وهو ما يخدم فكرة المسرحية بالتحديد والتي تمثل اباحية الغرب وانفتاحها امام الانسان العربي ذو المرجعيات المحافظة المنغلقة :”يظهر امرؤ القيس في زي امير عربي ..يمضي في شبه رقص عاري حافي القدمين يحمل حذاءه بيده ..يظهر انه خرج لحينه من حانة او مرقص” في سيرة امرؤ القيس الحقيقية قد استاء والده جداً من قصائده الشعرية الماجنة فعمد الى ارساله في منطقة اخرى ليرعى ابله في مكان بعيد من الصحراء الا انه استمر على حاله بنظم الشعر الغزلي الفاضح.
فمن حيث تماثل شخصية امرؤ القيس، فان برشيد حافظ على الصفات السلوكية في المجون وعشقه للنساء الجميلات كما اشرنا، ومن حيث ارساله فقد غير برشيد من غاية بعث والده له، فبدلاً من ابعاده بسبب شعره ليرعى الابل كان ارساله لباريس لغرض الدراسة في الجامعات هناك. وامرؤ القيس عندما بلغه نبأ مقتل والده أتاه بهذا الخبر رجل اسمه عِجْل ويُعْرف بعامر الأعور وقد التزم مؤلف المسرحية بنفس الشخصية اي استلهم سيرة امرؤ الحقيقية في مسالة اعتماد ناقل الخبر وهو عامر الاعور الذي اوصل بشارة السوء لامرؤ القيس في الحقيقة كذلك. ومن السيرة كذلك ما جاء على لسان امرؤ ” ان ابي الشيخ ملك على بني اسد ” وهي وظيفه والد امرؤ الفعلية في العصر الجاهلي، وكذلك تضمنت المسرحية موقف ام جندب زوجة امرؤ القيس التي حكمت بينه وبين الشاعر الجاهلي علقمة وصار حكمها لصالح علقمة وقد اوردها برشيد عن طريق بيت شعري لامرؤ القيس.

وبرشيد بهذا النص سعى لاقامة صراع بين الحاضر والماضي ولكن كان الهدف هو الحاضر وهذه عملية تطعيم للحاضر بالماضي وهي عملية حقن الحاضر بجرعات من احداث الماضي بما يعزز دلالة النص الذي يمثل زمن الحاضر. وبنيت المسرحية كذلك على مستوى سردي واضح، بوصف ان اليات مسرح عبد الكريم برشيد تقوم على تقنية السرد وتعد عنصراُ مهماُ في بناء المسرحية، فقد جاء وصف باريس في المسرحية بصورة سردية واضحة “انها فضاء مفتوح على العالم يأتيه الناس من كل مكان وبهذا كانت عاصمة الدنيا عموما وعاصمة العرب وبالخصوص وعاصمة الاغنياء والمشردين عاصمة السياح واللاجئين عاصمة الباحثين عن اللذة والباحثين عن الخير والامان عاصمة رجال الاعمال الذين يبحثون عن عمل عاصمة الشهداء والقتلة والمناضلين والمخبرين” هذا السرد يمثل بناء داخل النص المسرحي ويكمل الاحاديث مع الحوارات التي تتضمنها المسرحية وبالتالي لم يأت السرد عبثاً، بل حاضراً في بناء النص المسرحي وجاء كذلك على لسان بابلو احد شخصيات المسرحية وهو يصف باريس لعامر الاعور: “باريس للمتخمين مراقص ومتاحف وخمارات واضواء وسياحة ولكنها يا عامر منفى للفقراء والغرباء منفى للعاملين واللاجئين والهاربين، لفد هاجرت اليها يوما ولا شيء معي لا شيء عير حفنة من تراب وطني، جئت وحدي من غير ارض ولا وطن ولكن في صدري وقلبي كل قضايا الوطن، خبأت راسي في حقيبة وهربته عبر الخدود، هربت نبضي وانفاسي وكلمات الحق، هربتها خوفاً ” هذا السرد يتضمن على وصف باريس وتعدد مشاربها، من حيث هي مدينة زئبقية تتواءم مع ارادات ورغبات قاصدها، فهي مرتع للسكارى لاولئك الباحثين عن اللذة والملاهي، وهي دار للعلم لمن يبحث عن العلم والدراسة والجامعات وحضر السرد ايضاً على لسان بطل المسرحية امرؤ القيس “امرؤ القيس :في الطاحونة الحمراء اطحن همي وعذابي وفي بيكال انفجر قنبلة زمنية موقوتة في كهوف الميترو اخذ الحم واكتب. اترجم همي حرفا يعانق حرفا العن الظلم والقهر جهرا وادين اقفاص الحمام.الناس هنا يتقنون صناعة الحلم والعشق انهم يحلمون وهم يمشون يحلمون على الارصفة وفي الحانات وتحت قناطر السين كل الدنيا مختصرة في هذه الارض كل الازمنة في هذا الان. الا ما اعظمك من مدينة باريس غابة من العيون الزرق والخضر غابة من السيقان والشفاه الحمر الممتلئة –حتى التخمة-بالابتسام والتقبيل” وكذلك برشيد يضع عناوين لمشاهده كما يفعل العديد من الروائيين من وضع عناوين لفصولهم او لرواياتهم وهي تقنية روائية واضحة مثلاً: “( لقاء لم يكن ممكنا الا خارج البلاد)، (ربي لماذا خلقتني بدويا)، (يسالونك عن اشياء عديدة)، (امرؤ القيس بين الايدي الناعمة )، (بنو اسد قتلوا ربهم ).
اما المستوى الشعري فاول بيت شعري يستعيره برشيد من امرؤ القيس هو “خليلّي مرّا بي على أم جندب” وام جندب هي زوجته التي حكمت بينه وبين الشاعر الجاهلي علقمة وصار حكمها لصالح علقمة، فما كان من امرؤ القيس الا ان يطلقها وقتذاك. وقد استعارها برشيد بصورة ساخرة حينما اعيا الخمر امرؤ القيس وارادوا ان ينقلوه الى مكان ما، وكان يوصيهم بنقله لاحدى الحانات. ثم يكمل امرؤ القيس في المسرحية :”نُقَضِّ لُبَانَاتِ الفُؤادِ المُعذَّبِ”..فَإنّكُمَا إنْ تَنْظُرَانيَ سَاعَة …من الدهرِ تَنفعْني لَدى أُمِّ جُندَبِ…ألا ليتَ شعري كيف حادث وصلها….وكيْفَ تُرَاعي وُصْلَة المُتَغَيِّبِ”. وهذه قصيدة لأمرؤ القيس بعنوان(خليلّي مرّ بي على أم جندب) حضر جزء منها في المسرحية.
ويقول برشيد على لسان امرؤ القيس كذلك : “اِذَا مَـا الـثُّـرَيَّـا فِـي السَّـمَاءِ تَعَرَّضَتْ…تَـعَـرُّضَ أَثْـنَـاءَ الـوِشَـاحِ الـمُـفَــصَّـلِ… فَـجِـئْـتُ وَقَـدْ نَـضَّـتْ لِـنَـوْمٍ ثِـيَـابَـهَــا…لَـدَى الـسِّـتْـرِ إلاَّ لِـبْـسَـةَ الــمُـتَـفَـضِّلِ”. وهذا جزء من قصيدة لامرؤ القيس وبالتحديد من معلقاته ويتابع :” يمين الله ما لك حيلة..وما إن أرى عنك الغواية تنجلي”. وهذا الحوار لم يات منعزلاً ضمن مقطوعات شعرية بل جاء مندكاً ضمن الحوارات الدرامية التي يتنامى فيها الحدث المسرحي. ويقول المؤلف على لسان امرؤ:”اسارة مهلاً بعض هذا التدلل.. وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي” وهو جزء من قصيدة كذلك لامرؤ القيس ولكن استبدل برشيد فاطمة بسارة احدى بنات حاييم التي تعرف عليهن بطل المسرحية في حانات باريس. وكذلك وردت الجملة الاتية (اليوم خمر وغداْ أمر) وهو بيت شعري لأمرؤ تحور الى (اليوم خمر ولهو ..وغدا قل ما لديك) في المسرحية، وفي الصفحة نفسها حوار لأمرؤ”اليوم خمر وعربدة وغدا امر” وكان بهذه العبارات يسكت فيها عامر الاعور لئلا يقول له الخبر السيء الذي جاء به. وقد انشد حينما سمع مقتل والده:”أرقت لبرق بليل أهَلْ … يضيء سناه بأعلى الجبل..أتاني حديث فكذبته …بأمر تزعزع منه القلل..بقتل بني أسد رَبَّهم …ألا كل شيء سواه جلل …فأين ربيعة عن ربها ….وأين تميم، وأين الخول..ألا يحضرون لدى بابه … كما يحضرون، إذا ما استهل..بنو اسد قتلوا ربهم … ألا كل شيء سواه جلل” فقط استبدلها (بنو اسد قتلوا ربهم) والباقي اعتمده برشيد من نص للشاعر الجاهلي (امرؤ القيس) ولكنه جاء متوافقاً مع احداث ونهاية المسرحية.
في مسرحية امرؤ القيس في باريس يعيش امرؤ القيس بين وسطين متنافرين بين مبادئ شرقية وانفتاح واباحية غربية، اذ ان الفضاء الزمني الذي تشغله مسرحية امرؤ القيس يمكن ان يضم كل هذه العوالم المتداخلة التي قدمها لنا المؤلف ما بين بداوة التفكير العربي ومجون الحضارة الحداثوية الغربية. والمسرحية تعرية للواقع العربي والتباساته ورؤيته ومنطلقاته نحو الحياة حاول برشيد ان يجمع تلك الرؤى على وفق نظرة متماسكة موحدة، ان لقاء امرؤ القيس بالفلاح هذا لم يكن متوقعا في العالم الحقيقي لسيرة امرؤ ولكن برشيد جعلهم يلتقون سوية في باريس اذ يكشف الانسان العربي عن اقنعته. فباريس تجمع كل المتضادات ولا مكان لتفرقة الخيمة والقصر كما في المنظومة العربية. وهي التي جعلت ابن الامير يلتقي بالفلاح. وهو جزء من تداخل العوالم المتخيلة مع العوالم الواقعية الحقيقية، اذ اختلطت مفاهيم السرد والسيرة مع الشعرية لتؤسس في بنائها الكلي نص مسرحية امرؤ القيس في باريس.
* د.حيدر علي الاسدي ( ناقد واكاديمي عراقي)


