مجيد عبد الواحد النجار
الصادرة عن دار المتن للطباعة والتصميم والتي اتت بـ (196) صفحة قطع اوربي.
قبلة قبل الدفن، اي الوداع الاخير، اي النظرة الاخيرة كما يفعلون في أوربا، لكن الشرقيين اعتادوا على ان النظرة وحدها لا تكفي بل لا تطفئ نار المحب والعاشق، لذلك القبلة هي التعبير الاكثر حميمية في الترحيب والوداع.
العنوان الذي هو عتبة الرواية للكاتبة سمية المشتت، يحيلك الى ان الرواية سوداوية، بسبب العنوان الذي يقربك من الموت، الرحيل الابدي لشخص قريب منك، او قريب عليك، فالحزن سمة الرواية كما يعلنه العنوان، ولكن المفاجأة في الصفحة الاولى التي تقلب الموازين، والافكار كلها، وتبعدك عن الموت والحزن، وتحيلك الى الخلود الابدي، وهذا الخلود عادة ما يكون بالعمل الصالح، او بالأثر الطيب، لكن الروائية تصر على ان الخطيئة يمكن ان تخلد الانسان، وليس بالضرورة ان تكون الخطيئة او الذنب مقصودا كما حصل لبطل الرواية، فأحيانا يكون الذنب او الخطيئة مفروضة عليه، فالخطيئة او الذنب لا يمكن ان يستطيع احد ان يمحوها من ذاكرة الاخرين فكيف يمكن ان تمحى من ذاكرة المذنب، تبقى الخطيئة تلاحقه حتى لو غاص في اعماق البحر، تشهد عليه اعضاء جسده، يذكّرونه بالخطيئة كلما توحد مع نفسه، كيف يمكن ان ينسى والكل شهود، يؤنبونه في كل لحظة، (فليس كل الحكايات تنتهي حين يغلق الغطاء على النعش) ولا كل الحكايات تغلق عندما يغلق القبر، ولا كل الحكايات تغلق في الهزيمة، ارحل اينما ترحل فالخطيئة تلاحقك.
قادني كل هذا الى قراءة الرواية بلقطة عامة، فهي تعطيك رؤية لجميع الاشياء الموجودة داخل فريم اللقطة، تتصفح في عينيك المكان، وتتعرف على الشخصيات، وتعرف الرسالة، بلقطة واحدة، وبعد ان انتهى زمن اللقطة/القراءة، وجدت نفسي لا بد ان تكون هناك لقطة اقرب، اقترحت اللقطة المتوسطة(medium shot) وادخلت هذه المرة بعض التقنيات لأتمكن من قراءتي عن قرب فاللقطة العامة تعطيك قراءة المكان كله، ولكن لا تعطيك قراءة الوجوه، اريد ان اعرف ردود الافعال(reaction) اريد ان اعرف الحركات القريبة التي تكون لها دلالات تعينني على معرفة الحدث، فلا بد من اللقطة الشاريو، والكرين، لابد من تغيير العدسات الملائمة للحدث القريب، هنا وجدت الحزن اكثر في وجه اكرم، هنا شاهدت القهر في روح اكرم، هنا عرفت كم يكون الانسان مقهورا حينما لا يكون الذنب مقصودا، او لم يكن له يد في صناعته، او هو من سعى اليه، يتضاعف الهم عندما يكون الهم من صنع اناس اقرب من روحك اليك، فكان اكرم يطحن روحه كما الدقيق، يتدفق الالم الى اعضاء جسمه، تتآكل روحُهُ بصمت، خجلا من نفسه، من الخطيئة، التي لا يعرف كيف حصلت ولماذا؟ ما الذي فعله ليكون بهذا العذاب.
اكرم رجل متدين يخاف الله ويخاف على والديه، فالهم كبير والجرح غائر في النفس، من يعطيه الاكسير بهدوء لكي يرتاح وينام الليل ملء جفونه، لمن يشتكي، فخطيئته مع الله، الصلاة ليست كافية، والتوبة ليست بديل الغفران، بل الغفران اكثر وجعا اذا ما غفر له رب رحيم، كيف يقابل الرب، وكيف يعتذر منه، ماذا يقول له، هل يقول لم افعل تلك الخطيئة، ام لم اعلم بها، بل انا مجبر عليها، فالله اعلم واعرف بما حصل، هو بين نار الغفران ونار الاعتذار فيمكن ان يكون اعتذاره لأهله مقصلة لقلبه، وروحه، كان يهون على نفسه بالصلاة (كانت دموعه تسقط على سجادة الصلاة بلا صوت، لكنها كانت تتكلم. كل دمعة كانت تحاول ان تمحو حرفا من ذنبه او تسترضي السماء بشيء يشبه الندم).
لم اعرف هذا الشاب لم افهم مصيبته، لم افهم لم هذا الوجع كله، لا اعرف ماذا تريد الروائية منه، لماذا تعذب هذا الشاب الجميل المجتهد، الا تخاف على مستقبله، الا تنقهر على اهله، لذلك بادرت ان اتحول الى لقطة قريبة، لكي اجالس الحدث، اجالس صاحب المصيبة التي راحت الروائية تعذبه بلا ذنب اقترفه، خلقت له مصيبة لم يكن يعلم بها، ولم يدر في خلده لماذا هذا كله، احضرت عدتي، وفكرت ان اقرأ الرواية من زوايا متعددة هذه المرة، وبلقطة قريبة.
في البدء اخذت لقطة عامة بكامرا درون الى الام وهي تراقب وحيدها قريباً من النهر يحتضنه خضار الارض، كان قلبها يخفق فرحا وحزنا، تتمنى ان تسيل همومه في النهر، ان تتحول روحة خضراء بلون ما يحيط به، تقترب اللقطة اكثر واكثر الى ان تصل الى عيونها الغارقة بدموع الفرح والحزن، تستدير الكامرا لتكون اللقطة من وجهة نظرها، اكرم واقف قبالة النهر، فتاة تتحرك باتجاه اكرم بخطوات خجّلى، الكامرة تلاحقها تقترب منها لتتحول اللقطة الى مديم، تقترب الفتاة من اكرم، نشاهد ظلهم في النهر، تتحرك الكامرة بلقطة قريبة، على وجه اكرم، مندهشا من حضورها، بحركة دائرية تتحول الكامرا الى الشابة، ابتسامة عريضة صادقة، (الماء هنا يحمل اسرار المدينة كلها، أتظّن انه يحمل اسرارك ايضا) لقطة من كامرا ثابتة اكرم ادار وجهه نحو النهر عيناه تتبعان ورقة ساقطة تذوب في التيار: ليس لديه ما اخفيه)، لقطة بان تتحرك الكاميرا من اليمين، تمسح مساحة واسعة من جريان النهر الى ان تصل الى يارا وهي تجلس على صخرة ملساء، تقف الكاميرا بلقطة كبيرة جدا على وجه يارا(كلنا نخفي شيئا)، تتراجع الكاميرة لتكون اللقطة (Two shot)، اكرم(لماذا تتبعينني).
تركت التصوير، وتركت المعدات في مكانها، وعدت لتكملة قراءتي للرواية، ولكي يكون لي الوقت الكافي لتحضير معدات اضافية للتصوير، فالرواية كتبت بتلال من الصور وعلي ان اعدد الزوايا واللقطات.
لقد رسمت الروائية سمية للبطل ذنبا لن يغتفر، بل شِباّك حديدية تحيط به من كل مكان، كل شيء في الكون انقلب على راسه، اخلاقه مبادئه ثقافته، تجعله حبيس الذنب الذي ارتكبه، بل قل الجريمة التي خطط لها بليل اسود، ليس له ذنبٌ فيها سوى انه كان انسانا سويا، انسانا يعرف الله، ويحب عائلته ويخاف على اسمهم الكبير، انسانا يثق بالجميع.
لا اعرف ماذا فعل البطل للروائية لتكون قاسية عليه، حتى الهروب، لم يكن نافعا، اراد نسيان ما حصل، لكن الروائية سمية كانت تحفر له الجرح كلما راته يندمل، كانت تضع الملح عليه كانت تتلذذ بتعذيبه من خلال الكوابيس التي تحوكها بإبرة ناعمة، لم يستطع النفاذ من السجن التي وضعته فيه، حتى يارا التي وضعتها في طريقه؛ كانت لغاية في نفسها، كانت تريد ان تعذبه بها، وضعته بين جيشين، جيش الحب الذي يفتك بقلبه، واعصابه. وجيش يأكل بعقله كما الأرّضة في خشب عتيق، كانت الكوابيس تتلاحق عليه كلما رأته انتعش مع اهله او حبيبته، كانت ترسم المشاهد بدقة عالية مليئة بالأحداث، لم ينفك الا وأنزلت عليه الروائية سمية صاعقة بعد اخرى، لقد كانت تغرس انيابها بحقد لن يعلن سببه، مرة تعيده لما يريد ان ينساه، ومرة تسحقه بكابوس لعين، (طفل صغير يرتجف في ممر مظلم، اصوات صراخ في البيت، رجل ينهال ضربا، وام تصرخ، وتكتم الالم بالوسادة، وهو في الزاوية، لا يفعل شيئا سوى انه ينظر، نفس الزاوية، نفس الصمت، نفس العيون، شهق اكرم، كأن كل الهواء غدر به…) سحقته الروائية بكل حقدها، حتى جعلته يعلن لامه (انالا استحق الحياة يا امي) لقد كره الحياة كلها.
اكرم هذا الانسان الودود المثابر والمجتهد، اصبح يلعن الساعة التي خلقته فيها الروائية سمية، يلعن تلك اللحظة التي رسمت فيها ملامحه، يلعن كل اخلاقه التي جعلته يتعذب؛ لخطيئة رسمت له بالخفاء، وبقت تلاحقه في كل زمان ومكان.
نقلت معدات التصوير الى المقبرة، عساي اجد لحظة سعيدة لهذا المعذب الذي اسمه اكرم، عندما وجدت العلاقة الانسانية بينه وبين اهل يارا، قلت يا لله (بعد ان استكملت حلقاتها فرجت) كانت وفاة الجدة سببا لتقرب عائلة اكرم بعائلة يارا، حزمت امري، مع كادري، وكنا سعداء، سيكون بعد المقبرة لقاء جميل، كنا نظن ان مشهد المقبرة سيكون مشهدا تأسيسيا لسعادة قادمة، كأن يكون عقد قران اكرم من يارا.
راجعت النص قبل التصوير، فرأيت حقد الكاتبة على بطلها لم ينته بعد، لقد وضعت له السم في اطيب ما يشتهي، كان المشهد للجدة، لماذا دفعتِ به باتجاه خالد؟ من اين اتيتِ بخالد في هذه اللحظة؟ لماذا لا تتركيه يعيش سعيدا؟ لقد كانت الالفة بينه وبين اهل يارا، تشي بسعادة كبيرة، لماذا لا تتركيه يعيش بسلام؟
(فجأة، اخترق … صوت والد يارا،….هيا دعونا نمر على قبر رواء وابنها).
قلت فلأكمل الرواية، حتى لا اصدم مرة ثانية بمفاجأة كبيرة، وكنت على حق، فقد جلبت الروائية كوابيس العالم كلها على راس اكرم، لم تعطيه لحظة يتنفس بها، لم تمنحه الوقت ليقول شيئا ليارا، او لوالديه، (خطا اكرم بهدوء كمن لا يريد ان يقلق التراب، اقترب اولا من قبر ام رواء) كان قلبه يعتصر وكأن الجبال وضعت على صدره، وكأن الهواء غادر المكان، اصبح نفسه لا يصعد الى رئتيه الا قليلا (اقترب اكرم من القبر كمن يمشي داخل نفسه،… لم يعرف من اين يأتيه الرعب، من الصورة، ام من داخله!؟ من الشبه ام من الذنب!؟)، وبدل ان يُخرج من صدرة هماً اراد دفنه مع الجدة، خرج من صدره الهواء كله، فسقط مغشيا عليه، نقل الى المشفى مقبرة احلامه، ليس من اجل اعادة الحياة، بل من اجل حياة تغسل ذنوبه التي انساقت اليه في غياب النهار، فاحتضنته الارض كما تحتضن كوكبا سقط عليها في عتمة الليل دون قبلة وداع.
يقولون ان الروائي شاعر فاشل، لكني وجدت سمية شاعرة تكتب بإحساس من تقيدت اقدامه تحت الماء، وروائية تحوك الاحداث، كما تحوك امرأة عجوز طاقية زوجها الحبيب، وكاتبة سينايو تكتب بالصور لا بالسرد. لقد كتبت روايتها بأسلوب اسميته ج(الاسلوب الاوبرالي)، (الجواب/السيبرانو Soprano) فيما انزلت من احداث، وكأن صوتها انبثق من الجبال،- الأوبرا هي شكل من اشكال المسرح الكلاسيكي، حيث تجسد الدراما والقصة بالكامل من خلال الموسيقى والغناء بدل الكلام، ويعتمد على ست طبقات صوتية، منها السيبرانو Soprano، للأصوات النسائية، والباص Bass للأصوات للرجال-، فالكاتبة تكتب الحدث من القمة (الجواب)، تترك الطفولة والصبا، وتبدأ من (الاعدادية)، فترة الرجولة، وبداية المراهقة، (كأس من مشروب غامق… وضع امامه، تشجع، رفعه الى شفتيه شرب، وضحك، ظنها لحظة انتشاء! ولم يعرف (بداية سقوط)..(ص2)، (هاتفه يلمع بإشعارات… فتحه بأصابع مرتعشة فإذا (بصور فاضحة)… وتفاصيل وحشية تعرض امامه (ككابوس) صامت…شعر كانه (عار في عاصفة ثلجية) لا شيء يستر ذعره… شعور بالجناية… ذاكرته ممزقة (وقلب يذوب كشمعة في جوف فرن)...(ص3) هكذا بدأت الرواية، تتخللها (عُرب) من الاحداث، ويتخللها (جواب الجواب) وانتهت بنفس الطبقة (الجواب) (انا المذنب انا الجريمة التي مشت بينكم طويلا، ولم يعد لي حق في طلب المغفرة، وقفز!.. الصفحة ما قبل الاخيرة ص194) انتحر اكرم، وفي الصفحة الاخيرة تقول الروائية( وحدها يارا جاءت… ثم مشت كأنها (تسير في جنازته) للمرة الاولى)،بدأت بشمعة تذوب وانتهت بالموت، شكرا للكاتبة سمية المشتت بحجم كلمات الرواية وكوارثها.


