إعداد وتقديم: د. رشيد بلفقيه
اسم الكتاب: “في النقد المسرحي”
اسم الكاتب: د. سعيد الناجي
اسم الناشر : منشورات دار التوحيدي
******************
يسعى كتاب “في النقد المسرحي” إلى تحريك المياه الراكدة في مسارات النقد المسرحي العربي والمغربي، من خلال التشويش المقصود على وضع نقدي يعيش حالة راحة مزعومة، ومن خلال حث الشباب الناقد على مغادرة منطقة الراحة والاطمئنان، وشدّ الرحال نحو صحاري القلق والتساؤل المفضية إلى خلخلة السائد وإلى التجديد، وذلك بمعالجة أسئلة منها ما دُبّج في مقدمة الكتاب من قبيل هل نحن بحاجة إلى النقد المسرحي؟ وهل المجتمعات العربية في حاجة إلى المسرح؟ ومنها ما تناسل في طياته وتوالى تفصيل الإجابة عليه في محاوره، من قبيل كيف يتأسس الفعل النقدي في المسرح؟ ومن هو المخرج المسرحي؟ وهل يستطيع المسرح العربي أن يعيش بدون نقد مسرحي؟ وهل نحن في حاجة إلى المهرجانات المسرحية؟ كما يتساءل أين يمكن تصنيف مجموعة من الكتابات النقدية المؤسسة للنقد المغربي أيضا، يبرز تنوع الأسئلة المطروحة رغبة المؤلف في مقاربة النقد المسرحي من زوايا اشتغال متنوعة، بهدف تفكيكها وإعادة النظر فيها برؤية تتسم بالتوازن وبالشمولية.
ينطلق الكاتب من موقف متداول في أوساط المسرحيين يعتبر النقد المسرحي الضحية الأكثر عزلا من بين الممارسات المسرحية، موقف ما يزال ينظر إلى الناقد المسرحي بوصفه مجرد مؤلف فاشل، أو مجرد مخرج فاشل، وقد يكون أحيانا مُنظّرا لا يفهم في مهنة المسرح وفنونه، إلى درجة أصيب معها المسرح العربي بحساسية مفرطة ضد النقد المسرحي، وصار الناقد مصنفا في خانة المتطفل، الذي لا يؤخذ برأيه إلا مادحا للمسرحيات ولمخرجيها.
لكن بالعودة إلى مسار تشكل النقد المسرحي، يبرز الغبن الكبير الذي حاق به، رغم محوريته ومكانته وأثره في الممارسة الإبداعية، إذ يظهر للمتتبع الحصيف أن هذا النقد ظل مواكبا لتطور المسرح لصيقا به في مختلف مراحل تشكله وتطوره، مما جعله مكونا يستحيل تجاهله، أو بناء العرض المسرحي أو الانتقال من النص إلى العرض دون أخذه بعين الاعتبار.
بدون شك، يرتبط تطور المسرح بتطور نظرية الأدب، ويمكن لمتتبع تطور هذه النظرية أن يرصد أن الإخراج المسرحي في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين واكب التحولات التي عرفتها التبادلات الأدبية والنقدية، إذ تطورت علوم اللسانيات، والسيميائيات المهتمة بالعلامات المرئية في المسرح، بوصفه المجال الخصب الذي تُخلق فيه هذه النوعية من العلامات، وتنمو وتتشابك في توليفة تتشابك فيها أجساد الممثلين بمكونات السينوغرافيا لتشكل عرضا مسرحيا، وفي هذا السياق يُفترض أن الابداع في المسرح لا يستطيع التحرر من الوظيفة النقدية المحضة، لأن المسار الذي يقطعه النص ليصل إلى التشكّل عرضا مسرحيا، هو مسار تلق وقراءة نقديين بالضرورة، يؤولان النص المسرحي إلى لغات أخرى، في سيرورة تتوسع بالتدريج لتشمل مكونات تلك التوليفة من المتدخلين في صناعته كلها، بدءا بالفنانين الذين يقرأون دورهم ويحللون دوافعه والعلاقات بين شخصياته، ومرورا بمصمم السينوغرافيا الذي يقرأ النص قراءة نقدية فاحصة بهدف اقتراح ديكور مناسب، ثم قراءة الدراماتورج الذي يحلل النص، ويشرحه للممثلين، وينسق البناء الدرامي، ثم يقرأه مصمم الملابس … إلخ، في عملية تستمر في التوسع وصولا إلى لحظة تقديم العرض، وفي العرض الأول، تتاح الفرصة لجمهور محدود ومتخصص غالبا، لإعطاء رأيهم النقدي، الذي يساهم في تعديل بعض جوانب العرض، قبل أن يقدم العرض إلى الجمهور الواسع، ليخضع لنقد أوسع.
وقد يتطور هذا النقد إلى مستوى الخلاف بين مخرج العرض ومؤلفه، خلاف قد لا يعزى إلى رفض الإخراج من جانبه الجمالي أو التقني أو الإنجازي، ولكنه يعزى إلى رفض التأويل الذي قُدّم للنص أو أبعاده، ولا يتراجع تأثير هذا النقد الذي يمارسه المؤلف أو يخبو حتى عندما يكون مؤلف النص هو مخرجه، فالقارئ لكتابات برتولد برشت مثلا، يشعر أنه كان يكتب نصوصه أو يُعدّها عن نصوصه السابقة، ثم يصاحبها في مختلف تحولاتها، مفككا باحثا عن سبل نقلها إلى الخشبة، كما أقر لاحقا أنه من الصعب عليه بلورة أفكاره حول المسرح دون خشبة اختبار. ولعل في هذه السيرورة ما يكفي لإبراز مكانة النقد، ومستوى تدخله في مراحل إعداد العرض المسرحي المختلفة، وإن بدرجات متفاوتة في كل مرحلة، وهو ما يؤكد أهميته بوصفه ممارسة يستحيل الاستغناء سواء عند الاشتغال على العرض المسرحي أم عند تلقيه.
في العالم العربي، يميل سعيد الناجي في مؤلفه إلى الرأي القائل إن المسرح العربي بدأ بداية نقدية، تمثلت في الخطبة التي استهل بها مارون النقاش مسرحية البخيل، والتي تعد حسب العديد من النقاد أول مسرحية عربية، فقد افتتحها بخطبة خاض فيها في ظروف اتصاله بالثقافة الغربية، ومشاهدته لمسرحيات وتمثيليات أوحت له أن يبدع مسرحيته ويقدمها، لما يوفره هذا الفن من إمكانيات لإصلاح أحوال المجتمع، وتهذيب نفوس أفراده، فكان تمثله للمسرح الغربي تمثلا نقديا قبل المغامرة بالإبداع وإنجاز العرض.
أبرزت خطبة النقاش، بوصفها مدخلا نقديا، التصور الأخلاقي.


