كلمة منسق الندوة العلمية للمهرجان الدولي للمسرح الجامعي
“المسرح والحياة المشتركة”
الثلاثاء 7 يوليوز 2026
“
السيدة عميدة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ورئيسة المهرجان، الأستاذة ليلى مزيان المحترمة،
السيدات والسادة الأساتذة الأعزاء، ضيوف هذه الندوة من داخل المغرب وخارجه،
الحضور الكريم من طلبة وباحثين ومهتمين وإعلاميين،
تحية طيبة وصباحكم سعيد،
يأتي اقتراحُ “المسرح والحياة المشتركة”موضوعًا للندوة العلمية للمهرجان الدولي للمسرح الجامعي في دورته الثامنة والثلاثين (الذي تنظمه كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك)، في سياق جملةٍ من المنعطفات والتحولات العميقة التي تعيشها الإنسانية الحديثة بأنفاسٍ مضطربة، تتسم بقدر كبير من العزلة والتفكك والاغتراب وانحلال الذات، وبنموٍّ استنزافيٍّ لا متناهٍ للحمتنا الوجودية الإنسانية. في خضم هذه التحولات المهدِّدة للحياة، يبرز بإلحاحٍ السؤالُ حول مدى قدرة المسرح، على ترميم أعطاب كينونة عالمنا الهش، على نحوٍ يعيد إلينا ألفتنا الإنسانية الجماعية المفقودة، ويجدد ثقتنا بالحياة.
لكن، هل يملك المسرح حقًّا أدواتِ خلق الوجود المشترك، والشروط الرمزية، والتمثيلات الجمالية، والفضاءات والعلاقات المتمايزة التي تتيح للإمكانات المختلفة أن تتحاور، وأن يثري بعضها بعضًا، بما يجعل من المسرح لغةً كونيةً للمشاعر الإنسانية المشتركة، في مواجهة ما يحدث اليوم تحت راية الخرائط الحزينة؟
إن الجواب عن هذا السؤال، لا يكمن فقط في ما يتمتع به المسرح من قدرة فائقة على ممارسة الخيال في تحويل حالات الحياة التي يُعتقد أنها ثابتة، إلى مغامرة إبداعية حينما ينهزم أو يتهاوى الواقع، وينهار سقف المعنى ضمنه، فينبثق الحلم بتحويل هذا الواقع إلى حكاية قادرة على خلق حياة رمزية جديدة ومستقلة، عبر استعارات فنية تحمينا من وطأة إنهاك الحياة المضطربة.
إن الأمر أعمق فلسفةً من ذلك؛ إذ يرتبط الجواب الأكثر وجاهة بطبيعة المسرح نفسه، بوصفه فنًّا للوجود امتزج بالحياة على امتداد تاريخه امتزاجًا مدهشًا، فاختاره الناس أسلوبًا لحياتهم، ومرآةً رمزيةً لتعايشهم وتساكنهم، وتمرينًا روحيًّا يحصّن وجدانهم الجماعي من مخاطر المصائب الكبرى التي تهدد الحياة، و العمل على إعادة ضبط توازنها على نحوٍ جديد ومختلف، بما يعزز وجودهم المشترك،ويمنحهم متعة الوجود الإنساني الصافي.
تضعنا هذه الإشارة الأخيرة أمام الحاجة الأساسية إلى المسرح في الجامعة، في سياق ما أشرنا إليه آنفًا من تحولاتٍ مقلقة؛لا بوصفه مجرد درسٍ معرفي يقوم على معارف إيجابية وموضوعية ذات طابع نخبوي أو تعليمي، وإنما بوصفه حاضنًا وجوديًّا وجماليا نستشعر من خلاله قيمة الاشتباك الإيجابي بالحياة، على أرضية الثراء المعرفي والإنساني الذي يمنحه المسرح، وما يفتحه من آفاق إنسانية مشتركة تُسهم في تعزيز التماسك الجماعي، وترسيخ قدرتنا على بناء التوافق الإيجابي مع الآخرين.
ضمن هذا المسرى الخصب، تتحقق المتعة المزدوجة لدرس المسرح، ويكتمل أثره؛ متعة المعرفة التي تحرضنا على فعل التفكير، ومتعة تحويل هذه المعرفة إلى تجربةٍ حية تعلمنا كيف نتعايش مع الآخرين، بل وبالآخرين، من خلال فعل الممارسة. ويشكل المسرح الجامعي أحد أبرز تجليات هذه الممارسة القادرة على توليد هذا التعايش؛ فهو اللحظة الملهمة التي تستطيع أن تجمع أناسًا ينتمون إلى كيانات معزولة، ومغاليق جغرافية متباعدة، لا يعرف بعضهم بعضًا، غير أن فعل المسرح يوحدهم، ويمنحهم فرصة الوصل والالتحام والتوافق والتلاقي على خشبةٍ مشتركة، يعتليها الجميع بروح الإصغاء العميق إلى نبض حواسهم، وتخيلاتهم، وأحلامهم، وهم يحملون في دواخلهم حياةً واحدة لذاتٍ جماعية موحدة، تحتضن الأنا والآخر، وتجسد جماليات المقاومة في مواجهة هشاشة الحياة. وبهذه الكيفية ينتصر المسرح على نزعة التفرد، ويتجاوز الاختلافات التي تبدو لنا في الظاهر، تاركًا وراءه حالةً من التجانس الجماعي، لتغدو الحياة الإنسانية أكثر رحابة، وأكثر قابلية للعيش الآمن في تناغم مع العقل الكوني.
إن التحريض على الحياة المشتركة عبر فعل المسرح، أو وضع المسرح في خدمة الحياة المشتركة، لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال اللقاء بالآخر، على أرضية التفاعل بين مختلف الأجناس والأساليب والتأثيرات الثقافية والمعرفية، وفي إطار ذلك الترابط الإنساني الذي يجد أبلغ تعبيراته في فلسفة “الأبونتو” “أنا كائن لأننا كائنون”، حيث نصبح نحن والعالم كيانًا إنسانيًّا موحدًا. ولا يمكن القيام بهذا العمل من قبل أفرادٍ معزولين يعمل كل واحد منهم بمفرده، بل لا بد أن يتحقق بجهد جماعي. ومن هنا يغدو المسرح الجامعي، بما هو فضاء حي للتلاقي الجماعي، فرصةً حقيقية لإنجاز هذا العمل المشترك في الحاضر، لا في ماضٍ نتحسر عليه، ولا في مستقبل ننتظره. لقد جاء على لسان فاوست، بطل غوته الشهير “وحده الحاضر سر سعادتنا”.ولشباب المسرح الجامعي، من كل الضفاف المتوسطية والأطلسية، وغيرها من الآفاق الإنسانية، القدرة على صناعة هذه اللحظة الحاضرة؛ لأنهم يمتلكون أدوات الاقتدار التي يستمدونها من معين درس المسرح في الجامعة، معرفةً وممارسةً، ومن طموحه وعنفوانه وطاقته، وقدرته على الترميز الخلّاق، لتحويل حيواتنا المثقلة بالخيبات والأزمات الكارهة للحياة، بتعبير نيتشه، إلى أفكار جديدة متصالحة مع الحياة. لكن كيف يمكن أن يتحقق ذلك؟
يتحقق ذلك، أولًا، عندما تؤمن الجامعة بالمسرح، لا باعتباره درسًا مغلقًا تُصرَّف مضمناته البيداغوجية داخل قاعات الدرس فحسب، بل بوصفه ممارسةً حية تُمرَّر من خلالها طاقته الجمالية وسحره الخلاق. كما يتحقق بالإيمان بأهمية هذه الممارسة في تكوين الطلبة، وفي إسهامها في التحديث والتنوير والانفتاح على مجتمع الانتماء الإنساني، وفي تغذية خيالهم، وتنمية ذائقتهم الجمالية، وحسهم النقدي، بما يمكنهم من اكتشاف جماليات الحياة والاحتفاء بها، وفي الوقت نفسه ممارسة احتجاجهم الرمزي على مظاهر القبح فيها.
ويتحقق، ثانيًا، بعودة الروح إلى تجربة المسرح الجامعي بوصفه مدرسةً للتكوين في الفنون المسرحية وفق مواصفات جامعية رصينة، بعد أن فقدت أغلب المهرجانات المسرحية الجامعية كثيرًا من هويتها الأكاديمية (بل وتوقف سبيل أفق بعضها). فذلك وحده كفيل بضمان استمرارية هذا المشروع في أفق أكثر نضجًا وقوة، إبداعيًا وفكريًا، والعمل كذلك على مأسسته، وتحويله إلى مكوّن مندمج في بنيات التكوين والتنشيط الثقافي، بدل أن يظل مناسبةً سنوية عابرة. وهذا هو ما يحتاج إليه شباب المسرح الجامعي اليوم، دعمًا ومؤازرةً، لكي يبدؤوا من جديد وسط سيل الأزمات التي تعيشها البشرية، من دون أن تنقطع الصلة بالمجهودات السابقة الرامية إلى إعادة بناء معنى جديد للحياة، والتحرر من مخاوف المستقبل.
إن الشجاعة الحقيقية تقتضي منا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، “ألا نكتفي بالفرجة على إنسانيةٍ تتخبط خبطَ عشواء، من سيئ إلى أسوأ”، بتعبير الباحثة التونسية أم الزين بنشيخة المسكيني. ومن ثم، فإن اقتراح “المسرح والحياة المشتركة” موضوعًا لهذه الندوة ليس ترفًا فكريًّا، ولا مجرد إيماءة عابرة، بل هو ضرورة معرفية ملحة لتحصين الإنسانية من الأخطار والأزمات التي تهدد وجودها، بما نملكه من أدوات ومبادرات فنية وجمالية قادرة على استعادة الحياة إلى عافيتها، حتى نستعيد النظر إلى العالم بوصفه فضاءً للحكمة والمعنى.
والمسرح، بقوة الخيال الذي «لا يكذب»، بتعبير أوجين يونسكو، يمنح الإنسان هذه الإمكانية؛ فهو لا يكتفي بحفظ الحياة الرمزية للناس وحراستها، بل يبدعها ويجددها على الدوام، كلما اشتد وقع الكارثة وضاق أفقها. ومن هذه الزاوية، وقياسًا على الأدب، يمكن أن نعدَّ المسرح، وفق العبارة الجميلة للفيلسوف الفرنسي روني جيرار، “الوجه المشرق من الكارثة”.
إن المسرح والحياة المشتركة فكرة عسيرة المراس، تتطلب قدرًا كبيرًا من التأمل الفلسفي والمعرفي. وتمثل هذه الندوة فرصة حقيقية لفتح آفاق هذا التأمل، والانخراط الواعي في كل ما من شأنه أن يثري النقاش حول هذا الموضوع، انطلاقًا من منطلقات متعددة، ووجهات نظر متباينة، بعيدًا عن التوظيف السهل، والرؤى الاختزالية والتبسيطية التي كثيرًا ما حكمت سؤال العلاقة بين المسرح والحياة المشتركة.
وتلك هي الغاية التي تنعقد من أجلها هذه الندوة، حيث يلتئم اليوم حول مائدتها العلمية باحثون وفاعلون ومهتمون وممارسون ونقاد، سيقدمون أوراقًا علمية ثرية تسعى إلى مقاربة الأسئلة التي طرحتها الورقة العلمية المؤطرة لهذه الندوة، والتي بسطت محاور متعددة للبحث والتفكير والتداول.
وأخيرًا، لا يفوتني، في ختام هذه الكلمة، أن أتوجه بخالص الشكر وعميق الامتنان إلى كل من أسهم في الإعداد والتحضير لهذه الندوة، دعمًا وتشجيعًا وتعاونًا.
وأخص بالشكر السيدة عميدة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك، ورئيسة المهرجان، الأستاذة الفاضلة ليلى مزيان، التي منحت هذه الكلية نفسًا جديدًا، مبدعًا وخلاقًا، وما فتئت تدعم، بكل اقتدار، مختلف الأنشطة العلمية والثقافية، والمهرجانات الدولية التي تحتضنها الكلية، بما يعزز إشعاعها العلمي، ويليق بتاريخها العريق. كما ألتمس منها، مشكورة، العمل على إصدار أعمال هذه الندوة في كتاب علمي، يكون في متناول الباحثين، ومفتوحًا على إسهامات أخرى للباحثين الذين عبروا عن رغبتهم في المشاركة، إيمانًا منهم بأهمية هذا الموضوع و راهنيته.
كما أتقدم بجزيل الشكر إلى السيد المدير الفني للمهرجان، الأستاذ هشام زين العابدين على ما لقيته منه من يد مساعدة في التحضير والإعداد والتنسيق لهذه الندوة بدون قيد أو شرط، بجميل تواصل مستمر ومفيد ومثمر بروح أخلاق عالية، والشكر موصل لكل أعضاء اللجنة المنظمة للمهرجان.
ولا يفوتني كذلك أن أعرب عن بالغ تقديري وامتناني للأساتذة الأفاضل الذين لبوا الدعوة، وتحملوا مشقة الحضور والمشاركة في أشغال هذه الندوة، رغم كثافة انشغالاتهم المهنية والعلمية والأكاديمية.
والشكر موصول، أخيرًا، إلى الحضور الكريم، من ضيوف، وطلبة، وباحثين، ومهتمين، وإعلاميين على حضورهم الكريم، ومساهمتهم في إنجاح أشغال هذه الندوة العلمية .
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
ذ.عبد العالي السراج

