حسام الدين مسعد
منذ أن وعى الإنسان وجوده، لم يكن النقد ترفًا فكريًا، بل كان الوسيلة التي حافظ بها العقل على حيويته، والسؤال الذي أنقذه من التحول إلى آلة تكرر ما يُملى عليها، فالحضارات لا تنهض بالإجابات الجاهزة، وإنما بالأسئلة التي تزعزع اليقين وتدفع الإنسان إلى إعادة اكتشاف نفسه والعالم من حوله.
ولعل ما نُسب إلى أنطون تشيخوف يلخص هذه الحقيقة حين يرى أن الكاتب الجيد ليس مطالبًا بتقديم الحلول، وإنما بطرح الأسئلة الصحيحة. فالسؤال الجيد لا يمنحنا أجوبة نهائية، بل يوقظ وعينا ويحرره من سبات المسلمات، ويمنح المستقبل فرصة لأن يولد من جديد.
غير أن عصرنا الراهن يضع هذا المبدأ أمام اختبار غير مسبوق، ففي عالم تتسيد فيه التقنية، ويتنامى فيه الذكاء الاصطناعي، وتتصاعد مشاريع إعادة هندسة الإنسان بيولوجيًا ورقميًا بهدف سد أوجه النقص البشري، يعود أحد أقدم الأسئلة الإنسانية إلى الواجهة: هل يستطيع الإنسان أن يهزم النهاية؟ لكنه لا يعود هذه المرة بوصفه حلمًا بالخلود الجسدي، بل بوصفه بحثًا عن خلود آخر؛ خلود الفكرة، وامتداد الوعي، واستمرار الأثر بعد زوال الجسد.
ومن هنا يفرض سؤال نفسه: هل تستطيع الإنسانية أن تحقق خلودها الحقيقي بإحياء السؤال النقدي، أم أنها تتجه نحو دفنه في عالم ما بعد الإنسانية؟
إن تاريخ الإنسان يثبت أن الأفكار أطول عمرًا من الأجساد. فكم من أجساد غابت، بينما بقيت أفكار أصحابها تصوغ الحضارات وتعيد تشكيل العالم. ولعل الخلود الحقيقي لم يكن يومًا انتصارًا على الموت البيولوجي، وإنما انتصارًا على النسيان، فالفكرة التي تستمر في مساءلة الواقع هي وحدها التي تهزم الزمن، أما الجسد فلا يملك سوى أن يخضع لقانونه الأبدي.
غير أن عالم ما بعد الإنسانية يفتح الباب أمام مفارقة عميقة؛ فالتكنولوجيا التي وُلدت لتوسيع قدرات الإنسان قد تنتهي إلى تقليص أهم خصائصه، وهي القدرة على الشك والنقد، فعندما تتحول الخوارزميات إلى مصدر للحقيقة، والذكاء الاصطناعي إلى منتج للمعرفة، قد يصبح العقل الإنساني مجرد عقل أداتي يبحث عن الكفاءة والسرعة، لا عن المعنى والحقيقة. وعندئذ لا يموت الإنسان بيولوجيًا، وإنما يموت فيه السؤال، ويُدفن فيه القلق المعرفي الذي صنع الحضارة.
ومن رحم هذا التحول ينهض السؤال الأكثر إلحاحًا: من أنا؟ فإذا كان الإنسان قادرًا على تعديل ذاكرته، واستبدال أعضائه، وربما إعادة تشكيل وعيه، فما الذي يبقى من هويته؟ هل الإنسان هو جسده؟ أم ذاكرته؟ أم وعيه؟ أم قدرته على مساءلة ذاته؟ إن الهندسة البشرية لا تعيد تشكيل المادة وحدها، بل قد تعيد تشكيل مفهوم الإنسان نفسه، بحيث يغدو سؤال الهوية أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.
ولذلك فإن الحديث عن نهاية الإنسانية لا ينبغي أن يُفهم بوصفه نهاية للعالم، بل ربما يكون بداية لمرحلة جديدة؛ مرحلة ما بعد الإنسان.
غير أن التاريخ يعلمنا أن كل نهاية تحمل في أحشائها بداية أخرى، وكل بداية تنطوي على إمكانية نهايتها. وهكذا تعود الثنائية القديمة، البداية والنهاية، لتتجدد في صورة أخرى، كما يعود سؤال البقاء والفناء ليؤكد أن الموت ليس نهاية مطلقة، وإنما انتقال إلى أفق مجهول لم يستطع الإنسان أن يحيط به علمًا.
ومن هنا تصبح الحرية مقاومةً لسلطة النهاية.
إنها ليست قدرة الإنسان على إطالة عمره فحسب، بل قدرته على حماية السؤال من الاندثار، فحين يموت السؤال تموت الحرية، ويصبح العقل مجرد أداة تنفيذ لا أداة تفكير، أما الشك، فليس خصمًا للحقيقة، بل طريقها الوحيد. وإذا كان ديكارت قد أسس الحداثة بقوله: “أنا أشك، إذن أنا موجود”، فإن عالمنا اليوم يحتاج إلى صياغة جديدة لهذا المبدأ: “نحن نشك… لنقاوم محونا.” لأن الإنسان الذي يتوقف عن السؤال يبدأ في التلاشي، حتى وإن امتلك أكثر التقنيات تطورًا.
هكذا لا يبدو مستقبل الإنسانية مرهونًا بما تستطيع التكنولوجيا أن تضيفه إلى أجسادنا، بقدر ما هو مرهون بما نستطيع نحن أن نحافظ عليه داخل عقولنا، فالسؤال النقدي ليس ترفًا فلسفيًا، بل هو آخر خطوط الدفاع عن الإنسان في مواجهة ذوبانه داخل الآلة، وربما يكون الخلود الحقيقي الذي يستحق أن نناضل من أجله ليس خلود الجسد، بل خلود العقل الذي يجرؤ على أن يسأل، ويشك، ويعيد اكتشاف ذاته مع كل بداية جديدة.

