قراءات نقدية

ملامح الكروتيسك في نصوص مسرح الطفل – الصبي الطائر لـ عمار سيف

د. حيدر علي الاسدي

 

تعد الفنون والآداب الاكثر استيعاباً للمتغيرات والتحولات والتجريب، نظراَ لطبيعتها الدينامية التي تتفاعل مع المحيط والمتغيرات التي تلم بالجنس البشري، وهو الامر الذي يجعل الفنون الاكثر احتواءً للمفاهيم وصياغتها وبنائها على وفق رؤى مغايرة، ومنها بروز رؤى معاصرة تتسم بكسر ما هو تقليدي وتنفتح على لغات تعبيرية تؤسلب العمل الفني بطريقة تكون اكثر استجابة لدى المتلقي وهو ما يحصل في السنوات الاخيرة في التأليف المسرحي الموجه للأطفال والذي بدء بعض كتابه يستخدمون اساليب متنوعة في سبيل جذب متلقي هذا المسرح نظراً لطبيعتهم البيولوجية والسيكولوجية، ولعل احدى تلك الاساليب هو استخدام اسلوب الكروتيسك في نصوص مسرح الطفل لما يحتويه هذا الاسلوب من دلالات تتفاعل مع ذائقة الطفل وخياله وترسم له مسارات التفريق بين المتضادات والمتناقضات وتثيره بالغرائبيات، ضمن بناء فكري هادف على وفق اليات مسرح الطفل واهدافه، وبالتالي تحقيق الاستراتيجية التربوية والاخلاقية التي يهدف لها هذا النوع من المسرح، ومن هذه المسرحيات مسرحية (الصبي الطائر) من تأليف الكاتب المسرحي العراقي (عمار سيف) وهي مسرحية كتبت للاطفال، بدءاً من عتبة النص التي عنونها بتجنيس (مسرحية للاطفال)، المسرحية ضمت العديد من تمثلات الكروتيسك في بناء وتأثيث فضاء هذا النص المسرحي، فعمار سيف عرف بكتاباته المسرحية الموجهة للأطفال وبصياغة نصوص تتكئ على الخيال والثنائيات، ومحاولة ابراز المضمر واضمار السطح في شخصياته المسرحية وترك لذة التأويل للأطفال، والكروتيسك يتجلى في اول تمثل له بالعتبة ( الصبي الطائر) وهو جمع ما بين (انسانية الطفل) و (حيوانية الطير) وكذلك تواجد شخصيات ( العفريت الاول ) (العفريت الثاني) ( الساحرة) وان من اهداف الكروتيسك نقد الذات امام المتلقي، ومحاولة تعرية الذات بتقديم سلبياتها بصورة تهكمية، وهو ما يتضح في بداية المسرحية للصبي ( المدلل) الذي يتهرب من العمل مع اخواته، وكذلك من الصراع الداخلي للشخصية صراع ما بين الارادة والتردد كما يحصل لدى الصبي.وكذلك الغموض من التمثلات الكروتيسكية وهو يبرز في هذا النص من خلال تساؤلات الصبي حول غموض ما يحتوي الدير ومايخبئه ابيه الملك في ذلك الدير ((الدير.. الدير.. آه .. منك يا أيها الدير.. لا أعلم ماذا  يُخبئ في داخلك أبي من أسرار، لابد لي من أن أعرف. إنه يقول لي دائما إن سر مملكتنا في هذا الدير)(1) كذلك الثنائيات المتناقضة (الحرام ، الحلال) (اللعب، العمل) (الخير،الشر) موجودة في النص وتفصح عن تمثل كروتيسكي في بنية النص الساعي للافصاح عن ايجابية وسلبية تلك الثنائيات في الوقت ذاته وطرح ذلك امام المتلقي عبر تمثلات سلوكية وفعلية لكل تلك الثنائيات.

وكذلك انسنة العفريت في النص مظهر وتمثل واضح للكروتيسك كما في:

((العفريت الأول  :   شبيك لبيك عفريتك بين يديك .. أأمرني يا سيدي الصغير .. ما هي أوامرك.

الصبي            :   ( خائفاً ) آه .. يا الهي..  ماذا أري ، بل ماذا أسمع ، من أين يصدر هذا

الصوت المخيف ؟)) وبروز الطابع الحلمي بتحقيق الاماني من خلال حوار العفريت (الخير) مع الصبي، بما يخرق الواقع ويخرج عن المألوف. اذ ان هذا العفريت الخير مستعد ان يحقق اماني الصبي (برمشة عين) وهو اعجاز زمني بالنسبة للصبي، بينما العفريت الثاني (الشرير) يحول عائلة الصبي (لفراشات):

((العفريت الأول    :   نعم.. وأنا تحت أمرك .. كل شيء تريده سأنفذه لك برمشة عين))

((الصبي : كيف لي أن أصبح ملكا وأنا ارتعد خوفا من هذا الوحش؟ ولما لا أخاف، ما رأيته ليس بكائن طبيعي، إنه عفريت.. ببساطة.. عفريت ؟)) هذا النص المسرحي جمع بين المألوف والغريب، بين ما هو طبيعي وما هو غير طبيعي، كما يتضح في حوارات الصبي، وايضا جمع بين عفريت خير وعفريت اخر يتسم بالشر، وبالتالي جسد العديد من ملامح الكروتيسك في بناه النصية والدلالية. وكذلك استخدمت الساحرة التقنع (عن طريق شخصية امراة سائلة متعبة ترغب بالراحة) لتدخل الى القصر وتنفذ نواياها الشريرة، وعبر اثارة الرعب والخوف، والتحول الذي سعت له من اجل الهيمنة على القصر ومن فيه. وبذا تستطيع العجوز الساحرة من تنفيذ ماربها الخبيثة:((الساحرة :   هيا .. أيها العفريت، أخرج من عصاي السحرية هذه،  وحوّل كل من يعيش بهذه المملكة إلى مخلوقات ضعيفة، ودعني أستولي على كل أموالهم وأكون ملكة  عليهم)) والتمثل يبرز هنا عبر تقبيح جمال الفتيات بتحويلهن لفراشات من جنس الحيوانات، وتكون الفتيات بين امرين بين اصل (بشري) وبين مسخ (فراشة ضعيفة) ساهمت به الساحرة.((العفريت الثاني : أيتها الفراشات إلتهمن أجساد كل ما يعيش في هذه المملكة ، وحوّلن كل مخلوقاتها من إنس وجن إلى عبيد للملكة الجديدة، سيدتي الساحرة العجيبة، مالكة هذه  الأرض ( يتحول كل افي المملكة إلى فراشات باستثناء الصبي )) ايضا دخول عنصر الغرائبية كتمثل واضح للكروتيسك ليكون مصداً للطفل لئلا يتحول الى (فراشة) وذلك عبر امتلاك الطفل (للكرة العجيبة)، الاكسير الذي يسمح له بالتحكم بالعفاريت وتحقيق امانيه، وهي التي جاءت من اجلها الساحرة العجوز. وكذلك في (عصا)الساحرة التي يخرج منها العفريت، وهي مدلولات كروتيسكية خالصة في هذا النص. وكذلك من تمثلات الكروتيسك تحويل الصبي الى طائر، أي اندماج ما بين بشرية ( الطفل) وحيوانية الطائر، لان الطائر الاقدر على سرقة العصا من تلك الساحرة العجوز، والتباين يتضح كمفارقة دلالية بين اختيار الساحرة للفراشات (بدلالة ضعفهن) وبين اختيار العفريت لتحويل الصبي لطائر (بدلالة قدرته على التحليق) كقوة لسرقة عصا الساحرة:((العفريت الأول: نعم.. يا مولاي .. أنا سأنقذك وأنقذ مملكتك.

الصبي:( بلهفة )كيف .. ومتى؟

العفريت الأول :الآن .. سأقوم بتحويلك إلى طائر)) ولكن هذا التحويل لا يمسخ الطفل الى شكل وحشي وانما يضف له حالة من الانفراج لازمته وازمة المملكة ، فلم يؤثر تحويله لطائر على قباحة شكله البتة انما كان الحل الوحيد لانقاذ المملكة واعادة عائلته الى ادميتهم ( طبيعتهم).والسرقة هنا هي (انقاذ) وواجبة على غير المعتاد بان السرقة فعل شنيع ومرفوض وهذا ما نعلمه للأطفال ولكن هنا على وفق المعطيات كان لابد من تلك السرقة لإنقاذ العائلة والمملكة. لينتهي المطاف بالصبي وهو يحرر عائلته والمملكة من شعوذة تلك الساحرة ويعيدهم الى طبيعتهم ويعود الحب والسلام للقصر والمملكة برمتها. لذا يمكن القول ان تمثل الكروتيسك في نص (الصبي الطائر) من خلال وجود الثنائيات المتناقضة والتي جمعها هذا الاسلوب في النص باطار تكاملي فعال وتمازج صفتي الادمية والحيوانية كان ملمحاً مهماً لتمثل كروتيسكي في هذا النص. وان الغرائبية المشوقة تشكل رؤية كروتيسكية واضحة في بنية النص مدار التحليل في البحث بخاصة من خلال تحويل العائلة الملكية الى فراشات.اما التقنع بوصفه حالة كروتيسكية كان واضحاً في سلوك شخصية الساحرة ( المراة العجوز) بوصفه تقنع سلبي ومرة اخرى في شخصية (الطائر/ الصبي) بوصفه تقنع من اجل فعل ايجابي. وبخصوص الغموض هو الاخر تشكل برؤية كروتيسكية في هذا النص بخاصة الغموض حول ما يحويه الدير من اسرار، ناهيك عن وجود شخصيات العفاريت والساحرة انما هي شخصيات واثبة في النصوص المسرحية الموجهة للأطفال ذات الملامح الكروتيسكية وبخاصة من خلال أنسنتها ومشاركتها في الفعل والصراع البشري.

الاحالة: 

(1): عمار سيف ، مسرحية الصبي الطائر ضمن مجموعة حكايات بطعم الاحلام : مسرحيات للاطفال ، ط1،(بغداد :منشورات احمد المالكي ،2019)،ص45.

 

* د. حيدر علي الاسدي ( ناقد وأكاديمي عراقي)

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية