نصوص عربية نصوص مسرحية

نص مسرحي:”العشاء ما بعد الأخير”

تأليف: عمار نعمه جابر

 

الشخصيات:

  • الرجل
  • الجار

 

(المسرح فارغ تماما، انارة خافتة، صورة باهتة للسماء وهي فارغة، تظهر من شباك عال في عمق المسرح، الرجل في منتصف الأربعين من العمر، يظهر وهو يحدق في صورة السماء)

الرجل :(يتحرك الى مقدمة المسرح) قد يكون الوقت لازال باكرا على الموعد، نعم، ربما لم انتبه الى الوقت، او ربما قد أكون لم اسمع جيدا ما قاله لي عن الساعة بالضبط، يا قدير، ماذا لو  فاتني الموعد، ماذا لو كان منذ ساعة، او ربما ساعتين، او مر عليه يوم او يومان، ليحفظنا الرب، المواعيد مربكة، تجعلك تشك في نفسك، تتخيل انك قد فوّت الكثير من الوقت، وجئت متأخرا (ينتبه)  او ربما قد يكون لازال الوقت باكرا، نعم، قد يكون الموعد لم يحن بعد، قد يكون بعد ساعة، او ساعتين، او ربما هو في الغد، او حتى بعد غد (يتحرك)  يا رب، كيف يمكن لي ان اعرف بالضبط متى يكون، كلما حاولت ان اركز في الساعة، انتابتني حالة من الهلع، هلع وترقب مما سيحدث، وهذا هو بالضبط ما يجعلني افقد التركيز على الوقت الذي ذكره لي، والساعة التي يجب ان اكون موجودا فيها، من اجل أن التقيه بشكل مباشر، كي يجيبني على الاسئلة التي ارسلتها له الاسبوع الماضي. ليباركنا الرب، ما لا أستطيع ان اتخيله هو بقائي صامدا دون الوقوع، من هول الصدمة، حين سمعت صوته على الجانب الآخر من الهاتف، كيف لم اقع مغشيا علي في تلك اللحظة، كنت ارتعش من رأسي الى قدمي، وأنا استمع لصوته عبر الهاتف، لم اتخيل ان يحدث ذلك لي، اسمع صوت أعظم شخص على وجه الارض، شخص يتمنى مئات الآلاف سماع صوته، والتقرب منه، وسماع كلماته عن قرب. لقد بقيت صامتا تماما، بالكاد قد اسمعته التحية (يتحرك) يا قدير يا رب، لم أتوقع ان يحدث ذلك لي ابدا، حين طلبت أن يجيب على اسئلة، كنت قد طرحتها سابقا، مكتوبة برسالة في البريد. اتصل بي ليحدد لي موعدا، من أجل أن يجيب عن قرب على اسئلتي الملحة. لا أدري ماذا يحدث، ليس عندي أي تفسير لما يحصل، ربما تكون اسئلتي قد اثارته، دفعته لاتخاذ هذه الخطوة، او ربما كانت مجرد توصية من مكتبه الاعلامي، او كان جزءا من طبيعته النفسية في تحقيق الإثارة، والبحث عن التغيير. نعم، انا على يقين أنه لا يمكن ان يكون بكل هذا المستوى من الرفعة والسمو، دون أن يكون شخص استثنائي، حيث لا يستطيع امثالي من البسطاء ان يحزروا ما يجول في خاطره (يتحرك) لقد قرأ ما كتبت، قرا اسئلتي، ثم اخذ قسطا من التأمل، وربما دفع الورقة لمستشار يجلس بقربه، ليعطيه رأيه، وبعد ان سمع رأيه، ربما قد يكون أخذ ورقتي ودسها في جيبه (منتشيا) يا قدير، ورقتي في جيبه، كلماتي التي كتبتها في جيبه، إحساس غير مسبوق (بحماس) ربما راجعها اكثر من مرة، وقد اخرجها في وقت خلوته بنفسه، باحثا في طبيعة الاسئلة التي كتبتها له، الاسئلة التي أرقتني كثيرا، ارقتني لفترة طويلة، ولم اجد اجابتها في أي مكان. والتي قد تكون أرقته هو الآخر، لا، هذا غير معقول، انه الوحيد الذي يملك الاجابات، كيف تربكه اسئلة اشخاص مثلي. علميته، وعيه، ثقافته، مكانته الاجتماعية وحتى العالمية، كمية الطلبة الذين يدرسون تحت يديه، بل والالاف المؤلفة من الطلبة الذين تخرجوا على يديه. كل العالم يؤكد انه يعرف كل شيء، وعنده اجابات لكل الاسئلة، ولذلك كتبت اليه، بعد ان عجزت عن الحصول على اجابات من جميع من قصدتهم .. (يتحرك) نعم، هو صوته نفسه، هو من سمعته يتكلم معي في الهاتف، سألني عن اسمي، واذكر أيضا انه قال ان اسئلتك تحتاج ان نلتقي، ثم قال سأكون معك ليلة الاحد القادم على العشاء، ثم قال قبل ان يغلق خط الهاتف، احرص على ان تكون موجودا على الموعد، لقد تجمدت في مكاني لساعات، لا اقدر على الحركة. (يتحرك) بعدها توالت المكالمات الهاتفية، من مدير مكتبه، مستشاريه، مكتبه الاعلامي، المسؤولون عن طعامه وحركته وامنه، يشترطون علي تغيرات في الأثاث، وخصوصا مائدة العشاء، وفي الطعام، وفي الديكور، وحتى في الاضاءة. يقولون لي في كل مرة أن الامر حساس جدا، لقد اربكوني اكثر مما انا مرتبك، لقد تحولت الى ماكينة تعمل من الصباح وحتى المساء، كل هذا لكي اعد بيتي لهذا العشاء، فاشتراطه ان يكون العشاء في بيتي، ولوحدنا، زاد في ارتباكي كثيرا. كيف يحدث ذلك، انا قبالته! في جلسة منفردة، وعلى مائدة عشاء واحدة، اشعر انني بحجمي الضئيل، سأكون واقفا أمام السماوات والارض، أمام كل ما في هذا العالم من اسرار، امام من يملك كل مفاتيح الاسئلة والاجابات، أمام من اختصر من الماضين وما فضل منهم، اصحاب العلوم والحضارات والاديان والافكار، انا مرتبك فعلا، سيكون معي هنا على هذه المائدة، يا الهي  (يهرول نحو شمال المسرح) الو، نعم، نعم كل شيء على ما يرام، نعم قمت بتجهيز كل شيء، نعم غيرت الديكور ورتبت الإضاءة، نعم سيدي علقت الايقونات المناسبة واشعلت الشموع، ماذا تقول (يضحك بخجل) نعم سيدي لقد استحممت اكثر من ثلاث مرات، وغسلت اسناني نعم، ولبست اللون الذي طلبتموه مني، ووضعت العطر الذي اشرتم اليه، نعم، انا جاهز جدا لاستقبال قداسته، نعم، فقط لو سمحت بسؤال، هل يمكن ان تخبرني كم تبقى على وقت حضوره عندي (لحظة) اسف، اسف، لم اقصد الإساءة، فقط كنت أحاول أن .. حسنا، حسنا أشكرك جدا (يغلق سماعة الهاتف) سأبقى انتظر على اية حال، لن يضرني ان أنتظر بعض الوقت، سأجلس هنا على المائدة انتظر (يتردد) لا، لا يجب أن أجلس على المائدة لوحدي، إنه فأل سيء أن تجلس على المائدة قبل أن يأتي من أعددت من أجله هذه المائدة. حسنا سأقوم بمراجعة أخيرة لكل الأشياء التي أعددتها (يتحرك الى وسط المسرح الفارغ) هذه هي المائدة كبيرة وجميلة وباهضة الثمن، انها تليق بقداسته تماما (يتحرك) هذا هو الشمع دان الفاخر، وقد أوقدت الشموع لحضوره، تماما كما طلبوا مني (يتحرك) وهنا الطعام المقدس الذي يحبه، حيث يقولون أنه يحب أن يتناوله ليلة الاحد على العشاء، إناء الماء، قطع الخبز، وهنا الفوطة. (يدور في المكان) أما بيتي فقد جهزته لهذه المناسبة، رتبته بشكل مختلف، ابدلت اثاثه، علقت الايقونات في أماكن متميزة، أعددت الكراسي المناسبة، والستائر، وطقم الشاي الصيني الفاخر (يقف في المنتصف) لا يحدث أن يزورني ضيف بهذا الثقل، ولا بهذا الحجم في كل يوم، مات الآلاف ولم يوفقهم القدير لمثل ما وفقني، لقد دعوته كثيرا أن يخصني بكرامة أستحقها، ببصيرة أرى بها الأشياء، بعقل راجح أبدد معه كل الشك والاوهام التي تضعف ثقتي بالقدير، لقد استجاب لي جلت بركاته، وبدأت تراودني الأسئلة، والتي لم يجب عنها أي شخص، واتصل بي قداسته من أجل أن يكون معي على هذه المائدة، يتذوق خبز يسوع واللحم المقدد، وشراب دم المسيح. (يطبق يديه على صدره) شكرا لك يا رب، لقد استجبت دعائي، والهمتني الأفكار، وستبعث لي من يقودني الى ملكوتك، آمين (يطرق الباب بقوة، ينتبه الرجل) الباب، الباب يطرق، قد يكون قداسته (يذهب مسرعا، ثم يرجع) أهلا يا جاري، كنت أظنك شخصا آخر ..

الجار: رأيتك هذا اليوم على غير عادتك، هل هناك شيء؟

الرجل : أبدا، أنا بخير، أشكرك لسؤالك.

الجار: رأيتك تخرج وتدخل الى بيتك عدة مرات، وتتحرك كثيرا داخل بيتك.

الرجل : في الحقيقة كنت أعد مائدة مميزة لضيف مهم جدا سيصلني الليلة.

الجار : أين هي مائدتك؟

الرجل : هذه هنا، في صالة الطعام، مع جميع ملحقاتها.

الجار: ولكنني لا أرى أية مائدة، صالة الطعام فارغة ومظلمة!

الرجل: انت لا تراها !

الجار : نعم، لا أرى أية مائدة.

الرجل: انت لا تراها، إذن .. يا قدير، اشكرك يا رب.

الجار : أنا لا أفهم شيئا، ما بك هذه الليلة يا جاري، ماذا يحصل لك؟

الرجل : اشكرك جدا لاهتمامك بي يا جاري، ولكني انتظر ضيفا قد يأتي في أي وقت .

الجار: حسنا، على راحتك، اذا احتجت الى شيء، يمكنك أن تناديني  (يخرج الجار ) 

الرجل : (بفرح) لا أصدق ما يحدث لي، جاري لا يستطيع أن يرى المائدة، أنا أعددت مائدة لا يراها سواي، تماما كما في الكتب المقدسة، مائدة لا يراها أو يأكل منها سوى أصحاب القداسة (يتحرك) هذه هي المائدة، وهذا اللحم المقدد والشراب، وهذه الشموع، أراها بوضوح، أنا أرى كل شيء بوضوح، يا قدير (يتحرك في المكان) لا ينقص هذه المعجزات سوى حضور قداسته للعشاء، ويجلس على مائدتي التي اعددتها بيدي هاتين، وكأنني أخلق عالما مواز لهذا العالم المادي، أرتب فيه الأشياء كيفما يحلو لي، أختار شكل المائدة، والاطباق التي اضعها فوقها، وارتبها، واضع فيها ما شئت من الأطعمة، والتي هي الأخرى اعدها بنفسي، على نار لن يراها غيري، أية تجربة تلك التي أمر بها هذا المساء (ينصت) أسمع حركة عند بابي، لقد جاء قداسته، (ينصت) سيطرق الباب (ينصت) انه يطرق بابي، طرقاته لها طعم خاص، وكأن أيدي السماء تبارك بابي، اشكرك يا رب، (يذهب الى الباب، ثم يعود لوحده، وهو يتحدث مع أحدهم) سيدي، شرف كبير غاية الشرف ان تكون في بيتي المتواضع، تفضل، تفضل، لقد اعددت هذه المائدة التي اتمنى أن تليق بمقام سماحتك، اشكرك سيدي، اعرف ان هذه المظاهر لا تشكل عند سماحتك اي قيمة، تفضل هنا في مكانك، لقد اسعدتني جدا سيدي، لا يمكنني ان اصف مدى سعادتي بان تكون هنا الليلة، لقد وهبني الله نعمة عظيمة حين مثلت هذه الليلة بين يديك، تفضل، المائدة تحت تصرفك سيدي، اختر ما شئت (لحظة) يسعدني شعورك هذا، روحانية بيتي ستكون اكبر بقدومك البهي، احمد الرب الكريم لشعورك هنا بالراحة والطمأنينة على مائدتي هذا العشاء. ارجو ان يعجبك ما اعددته هذا المساء (لحظة) اعلم ان قداستك قد عبرت عقبات الدنيا الفانية، وكل ملذاتها، واعلم يقينا سيدي انك سموت بروحك في عليين، وغادرت كل ما يحيط هذا العالم من رذائل وموبقات (يضحك بخجل) اعلم، اعلم سيدي بأنني كثير الحديث، ولكن اقسم لك انها مشاعر صادقة، نابعة من قلبي الذي أحب مقامكم الكريم، واشهد لك وللقدير انني لا احب الزيف ولا الكذب. اتمنى ان تكون مرتاح على هذه المائدة، لقد غمست كل ما عليها، بالدعاء والابتهال، لكي تعجبك سيدي، وتنال استحسانك. ولكن فاجئني تماما مجيئك لوحدك سيدي، لوحدك دون مساعديك وحرسك، وكأنك تحاول التملص منهم (يضحك) عذرا للفظي غير اللائق (لحظة) فعلا كما قلت سيدي، جميعنا نحتاج الى الخصوصية، بعيدا عن الآخرين، وكأننا نحاول ان نهرب بعيدا عن المسؤوليات التي على عاتقنا تجاه الاخرين. ولكن تبقى بمجيئك هنا قد احدثت التوازن المطلوب داخلي (صوت طرقات قوية على الباب) من قد يزورني الان، عذرا سيدي سأفتح الباب، نعم نعم سيدي، تحت امرك، لن اترك احدا يزعجنا، امامنا حديث طويل (يذهب الرجل للباب ثم يدخل الجار عنوة)

الرجل : اقول لك توقف، اين تظن نفسك ذاهبا، توقف!

الجار: لا يعجبني ما يحدث لك الليلة ..

الرجل : وماذا يحدث لي برأيك؟

الجار: حين جئتك حدثتني عن مائدة غير مرئية، وانت ومنذ ساعة، وانا اسمعك تتحدث لوحدك، ما لذي يجري لك، ارجو ان تقول لي، ماذا يجري لك  هل جننت !

الرجل: قلت لك ان عندي ضيوف، اتمنى ان تتركني الان، سنتقابل ونتحدث غدا.

الجار: اين الضيوف، بيتك فارغ (يتحرك في المكان) المكان فارغ تماما، اين تراهم ضيوفك، هل تبخروا؟

الرجل : ضيفي يجلس هناك على المائدة .

الجار : أين ؟ لا ارى الضيف ولا المائدة ، ماذا حل بك يا جاري، هل انت بخير؟

الرجل: اشكرك، انا بخير، ولكن ارجوك ان تخرج الان، سأتحدث معك غدا .

الجار: حسنا، سأتركك الان، ولكن لا تنسى اذا احتجت الى شيء فانا موجود .

الرجل: اشكرك جدا، اذهب الان، هيا .

الجار: ولكن، اسمح لي بكلمة اخيرة قبل المغادرة .

الرجل: تفضل .

الجار: يا جاري، ليس لديك أية مائدة، ولم يدخل اي ضيف لبيتك، صدقني .

الرجل : اقدر كثيرا اهتمامك بي، هيا اتركني وارحل .

الجار: حسنا، انت حر (يخرج، وهو يلتفت الى مكان المائدة)

الرجل: سيدي ارجو ان تقبل اعتذاري، جاري شخص يحب ان يطمئن علي دائما، هو يحبني كثيرا، ويعتني بي كما اخوه، وانا احب كثيرا ما يفعله لي، نحن فعلا بحاجة الى اشخاص مثله في هذه الحياة، اشخاص يعيشون معنا بحب. اشكرك سيدي، انت تتحملني كثيرا، اشكرك جدا، تستطيع أن تتذوق اللحم المقدد سيدي، وأتمنى من قلبي أن تعطيني رأيك بهذا النبيذ، بشراب دم المسيح، أتمنى فعلا سيدي أن نكون بمستوى هذا الحب، وهذه التضحيات، والتي قدمها السيد المسيح من أجل غفران كل ما في هذا العالم من ذنوب (لحظة) نعم سيدي افهمك تماما، السيد المسيح قام بدوره، وعلينا كأتباع لرسالته السمحاء أن نقوم بدورنا، في السلام والحب، ولكن يا سيدي، أنت لا تعرف حجم ما يواجهنا في هذا العالم، من كراهية ولا إنسانية، سيدي نحن نعيش في عالم بلا ذرة رحمة واحدة، وأنت بوصفك وريثا، وأبنا للسيد المسيح، والمسيح هو أبن الله، وقد فاضت عليكم قدسية السماء بالعلم والمعرفة، انتم اعظم من يحمل مشعل السماء، أتمنى أن تخبرني بوصية من السماء ومن المسيح ومنك، أستطيع بها أن أحتمل كل هذه الفظاعات، والتي اشاهدها كل ساعة، بقلبي الضعيف الذي لا يحتمل (لحظة) نعم سيدي، فعلا، كلنا نعاني،  بسبب صنيعة أيدينا الآثمة. فماذا نصنع قبالة هذا الذي يجري (لحظة) ولكن سيدي، نحن نعرف انه يجب أن نقابلها بالصبر، بالكثير من الصبر، ولكن لماذا المجيء أصلا، عذرا للسؤال بشكل فض ومباشر، ولكن سماحتك قلت انك ستجيب عن اسئلتي بشكل مباشر في هذه الليلة، وانت قرأت اسئلتي، وكان أهمها، عن حكمة المجيء، ابينا كان يبحث عن الخلود، أخطأ في القرار، نحن الآن على هذا الكوكب تعصرنا الصعوبات والعقبات، وتفتك بنا الحروب والصراعات، ما الحكمة في كل ما يجري منذ الاف السنين.

(يدخل الجار فجأة، وبدون استئذان)

الجار: ارجو المعذرة يا جاري العزيز، اقسم لك، لقد كان الباب مفتوحا، وسمعت حوارك مع نفسك، سمعت الجمل الأخيرة فقط .

الرجل : ماذا تفعل هنا؟ ارجوك اتركني واخرج، عندي ضيوف، أنا لست وحدي .

الجار: ولكنني لازلت لا أرى أحدا الى جنبك، انت تكلم نفسك فقط ، يا جاري أنت تسأل نفسك، لن تسمع الإجابة سوى منك، أنت تسأل، وأنت تجيب .

الرجل: حسنا .. أنا أسأل وأنا أجيب، وانت ماذا تريد الآن، ما الذي جاء بك الى هنا الآن ؟

الجار: قلت مع نفسي، ربما يساعدك أن أجيبك على هذا السؤال .

الرجل : أنت تجيبني عن هذا السؤال !

الجار: ولم لا ، السؤال ليس صعبا جدا .

الرجل: لقد بحثت عن الإجابة عند أهم العلماء والمفكرين والفلاسفة، ولم أجد جوابا شافيا، وانت تقول أنك تستطيع أن تجيب عنه!

الجار: يا جاري العزيز، الأمور تصبح معقدة عندما نقوم نحن بتعقيدها، صدقني، خذ الأمور ببساطة، وستجد إجابات واضحة وبسيطة، وبدون الاستعانة بالسادة الفلاسفة والعلماء .

الرجل: ولكنك يا جاري، عذرا للوصف، لم تكمل دراستك الابتدائية، بل لم ترهق نفسك بقراءة كتاب أو جريدة يومية !

الجار: هذه الإجابات لها علاقة بفهم الحياة، بالتجارب والممارسات، بالاحتكاك حثيثا بما يجري .

الرجل: (متعجبا) واو، كلام عميق وواعي .

الجار: (مفتخرا بنفسه) سأعجبك كثيرا بقدراتي، حاول ان لا تذهب بعيدا فتتوه .

الرجل : حسنا، لقد اعجبتني كثيرا، أنا وضيفي نحب أن نسمع اجابتك عن هذا السؤال .

الجار: (ينظر باتجاه المائدة) رغم أنني لا أرى أي ضيف لديك، ولكنني سأجيبك عن سبب المجيء الى هنا (يتحرك) اسمع يا صديقي، أنا أعتقد أن الأمر كله مرتبط بذات الحكاية فقط .

الرجل: الحكاية! ماذا تعني بالحكاية؟ اية حكاية؟

الجار: الحكمة هي إتمام حكاية حياتك، والتي تكتبها أنت، والتي تمتد من البداية حتى الرحيل.

الرجل: اشرح لي اكثر، لم افهم ما تقصد من ذلك .

الجار: كل شخص منا هو عبارة عن حكاية تبدأ في يوم ما، وتنتهي في يوم آخر، يمر خلالها بانعطافات واحداث وقرارات، ليكتب هو الكثير من تفاصيلها، بحلوها ومرها، بحزنها وبفرحها. العيش في الحكاية هي الغاية، هذه الرحلة التي تمشيها من الالف الى الياء بإرادتك، هي سر المجيء، هي تحديد لشكل وجودك، وقدراتك، وامتيازاتك .

الرجل: ومن أين عرفت أن الإجابة تكمن في هذه ذات الحكاية؟

الجار: عرفت أن الغاية في ذات الحكاية، من كل الأشخاص الذين رأيتهم على فراش الموت، كلهم كانوا يتحدثون عن هذه الرحلة الطويلة فقط، وعن حكاياتهم وتفاصيلها، أنت تعرف أن الموت، نقيض الحياة، هو وحده الذي يمكن له أن يجلو سر الحياة.

الرجل: واو، احسنت يا جاري، التقاطه رائعة (يتحرك) حسنا، لقد سمعت اجابتك، اشكرك جدا، ارجو ان لا تفعلها ثانية.

الجار: ماذا ! هل كانت اجابتي خاطئة؟

الرجل : خاطئة! والله لا أعرف يا جاري، ليتني أعرف الإجابة الصحيحة، لأخبرك عن مدى صحة اجابتك.

الجار: ربما تكون إجابة صحيحة.

الرجل: ربما .. ولكن، ربما لا تكون صحيحة.

الجار: حسنا سأغادر، لا تنسى اذا احتجت الى شيء، فأنا موجود بالقرب منك (يخرج)

الرجل: (ينادي) اغلق الباب خلفك (يتحرك) أكرر أسفي سيدي، جاري دخل بشكل مفاجئ، وقطع علينا الحديث (لحظة) هل تقول أن اجابته أعجبتك كثيرا! سماحتك، أنا أيضا اعجبتني، لقد فاجئني تماما، إجابة عميقة وبريئة (لحظة) نعم معك حق سيدي، الصفاء والبراءة يشكلان قاعدة أساسية للرؤية بعمق، بعيدا عن السطحية، عدد الكتب التي نقرأها، او حجم الشهادات التي نحصل عليها، قد تكون غير قادرة على تكوين إجابات واضحة عن مثل هكذا أسئلة. ولكن أحب أن أسمع الإجابة من سماحتك، ما هو تبرير السماء لذلك (لحظة) عفوا، ماذا تقول سماحتك! (لحظة) كيف يحدث ذلك! قداستك تقول كلاما غريبا، نعم لا يمكن ذلك (يتحرك، منفعلا) لا يمكن، كيف يحدث ذلك .. 

(يقاطعه الجار وهو ينادي من الخارج)

الجار: (ينادي بصوت عال من الخارج) ماذا قال لك قداسته؟

الرجل: (مستغربا) ماذا! ماذا تفعل عندك يا جاري؟

الجار: (من الخارج) انت تعرف انني لا أرى ضيفك ولا أسمعه، ارجوك اخبرني ماذا قال لك؟

الرجل: ولكنك تقول لا يوجد ضيف ولا مائدة، ولا عشاء. وتقول لي أنني أنا الذي أسأل، وأنا من أجيب على نفسي.

الجار: (يدخل مسرعا، ويتوجه الى الرجل) ولازلت مصرا على رأيي، ولكن انفعالك ادهشني، انا اثق بمشاعرك الصادقة، انت فعلا اكتشفت شيئا عظيما في  قداسته، لذا انفعلت كثيرا، واحب أن تخبرني، ماذا اكتشفت؟

الرجل : قداسته يقول، السماء لم تحدد سببا واضحا !

الجار: هو يقول ذلك؟

الرجل: نعم !

الجار: إذن، قداسته لا يعرف رأي السماء، وليس السماء لم تحدد السبب.

الرجل: ارجوك، لا اسمح لك أن تتجاوز حدودك (يتحرك) ارجو ان تتقبل اعتذاري قداستك، هو رجل جاهل، لا يعرف مقامك وسموك وارتفاعك، اعفو عنه، ادعو له، (يتحرك) ولكن سماحتك تقول كلاما غريبا جدا، كيف يحدث أن السماء التي جئنا منها في يوم ما، لا تحدد بالضبط لنا سبب وضعنا في هكذا موقف، أليست هي التي دفعت بنا الى هذا العالم، ولا زالت تضخ بمئات الاف منا الى هذه الحياة، كيف لا تحدد سببا جليلا لما يجري لنا!

الجار: عليك أن تعرف يا صديقي أن قداسته لا يتلقى الوحي، هو رجل مثلي ومثلك.

الرجل : (مستغربا جدا) ماذا تقول ! قداسته مثلي، ومثلك !

الجار: نعم، السماء اخبارها مقطوعة، ختمت الرسالات منذ زمن بعيد، لحكمة ما.

الرجل : ولكن قداسته .. (يقاطعه الجار)

الجار: سماحته وقداسته قرأ كتب أكثر، وتلقى العلوم على ايدي رجال مثلنا، وتخصص في اللاهوت وعلم الأديان، فصارت لديه فرشة واسعة من المعلومات، والتي تأهله بالنتيجة للإجابة عن أغلب الأسئلة عن الدين، والشرائع، وسير الأنبياء. قداسته له اختصاصه، تماما مثل الطبيب والمهندس، ومثل الفلاح والبزاز، الجميع يفهمون في اختصاصهم.

الرجل: (غاضبا) تقول قداسته مثل الفلاح والبزاز!

الجار: وقلت قبلهما، الطبيب والمهندس، لا تبتر الجملة يا جاري، ولا تغضب، هذه هي الحقيقة.

الرجل: انا لست غاضبا، بل متعجب تماما، لكل هذه الجرأة .

الجار: أنت فقط تضخم الأمور، حاول أن تسترخي قليلا، نعم وتأخذ نفسا عميقا، ثم فكر في ما قلت لك.

الرجل: (لحظة) في قضية الاختصاص، أنت على حق، ولكن المرء محكوم بما تعلق به، اذا تعلقت بالمدنس، ستبدو مدنسا، أما إذا تعلقت حياتك ووجودك بالمقدس، لا شك سيصيبك عبق عود المسك الذي تمسك به، هكذا تحسب الأمور يا جاري.

الجار: القميص الذي يخيطه البزاز سيبدو رائعا اذا كان يمتلك الخبرة الكافية، حاول ان تصحح سؤالك لقداسته، اسأله عن رأيه في قول السماء عن حكمة المجيء، لا تسأله عن السماء وكأنه مبعوثا منها، او متحدثا باسمها، هو رجل مختص فقط (يتحرك) عندي عمل صباح الغد باكرا، احتاج أن أنام، سأذهب، لا تنسى اذا احتجت الى شيء، أنا لست بعيدا عنك (يخرج)

الرجل: (يبقى مصدوما، وهو بدون حراك، لحظة، يتذكر ثم يتحرك) لا أعرف كيف أعتذر من قداستك، جاري هذا، أسلوبه فض، انت تعرف أنه من عامة الناس، وحياتهم تكون في العادة صعبة جدا، أعتذر لك أيضا، عن انفعالي بسبب اجابتك، ولكن على سماحتك أن تمنحني العذر، الامر الذي نتحدث عنه جوهري وبالغ الأهمية، هو أحد أركان الاعتقاد، بلا أن تجيب عن هكذا أسئلة ستبدو الصورة ضبابية، والسماء لا يجب أن تترك الأمور ضبابية، هي التي تمنحنا نور المعرفة (لحظة) نعم فعلا، كما تفضلت، نحن الذين نسعى لاستحصال كمية النور المناسبة لأرواحنا، المعرفة والرياضات الروحية، كفيلة بأنها تفتح أبوابا واسعة لتشرق الشمس التي سنرى بنورها الأشياء على حقيقتها. وهذا سيدفعني من أجل أن أطرح عليك سؤالي التالي، (يتحرك) سؤالي التالي هو

 (يقاطعه الجار من الخارج) 

الجار : (ينادي من الخارج) اخفض صوتك اريد أن أنام يا جاري ..

الرجل: استميحك عذرا يا جاري العزيز، ولكن عندي ضيوف، ارجوك تحملنا هذه الليلة.

الجار: يا صبر أيوب، اترك قداسته وشأنه، ربما هو الآخر متعب، ويرغب أن ينام باكرا .

الرجل: نحن لم نكمل عشاءنا بعد .

الجار: اللهم ربنا أنزل عليهم مائدة من السماء، تكون لهم عيدا .

الرجل: (بخشوع) آمين

الجار: (يدخل غاضبا) ولكن السماء يا جاري لم تنزل أية مائدة.

الرجل: (مستغربا) ماذا تقول !

الجار: لم يكن هناك مائدة أصلا، السماء لم تنزل لحم طير، ولا فاكهة، ولا شراب .

الرجل: هل جننت انت، ماذا تقول؟ هل أصبت بمس؟

الجار: أبدا، هذه هي الحقيقة، أتمنى فعلا أن تصدقني يا جاري العزيز .

الرجل : الجميع يعرف مائدة السماء، والعشاء الأخير!

الجار: انت تفهم الأمور بالعكس تماما، الأمور لا تبدو كما هي في الظاهر. 

الرجل: كيف؟

الجار: الجميع يعرف أنها لم تنزل، لقد اشترطت السماء لنزول المائدة شروطا، لم يتم تنفيذها، فألغيت الصفقة، هكذا بكل بساطة.

الرجل : من قال ذلك، ماذا تقول؟

الجار : اسأل قداسته، هو يعرف ذلك جيدا، سيقول لك مثل ما أقول لك .

الرجل: (يتحرك) سيدي ارجوك، قل شيئا، تكلم، هل ما يقول هذا الرجل حقيقة (لحظة) قداستك تقول نعم! لم تكن هناك مائدة، ولا عشاء أخير، وماذا عن كل هذه الكتابات، والرسومات، والأفكار، ماذا عن لوحة العشاء الأخير، والراحل دافنتشي .

الجار: كانت دعوة عادية للعشاء، عشاء دنيوي،  والمرحوم دافنتشي ربما كان يعرف ذلك .

الرجل : انت تقصد أنه كان هناك عشاء، لكن ليس هناك مائدة سماوية نزلت .

الجار: الأصدقاء غالبا ما يتمتعون بعشاء جماعي، وهذا بديهي، ولكن السماء امتنعت عن إنزال أطعمه، بعد أن اشترطت على الحواريين أنها إذا انزلت هذه المعجزة السماوية، فمن يكفر بعدها، فسوف يعذب عذابا لا مثيل له، فخاف الحواريون من هول الغضب الذي قد يلحق بهم، فامتنعوا عن طلب الطعام، وانتهى، هكذا جرت الأمور .

الرجل : والعشاء الأخير؟

الجار: لقد صدعت رأسي بالعشاء الأخير، أقول لك مجرد عشاء بسيط ، لا إعجاز فيه. 

الرجل : ماذا يجري! تقضي عمرك مؤمنا بثابت راسخ، يأتيك شخص بسيط 

(يقاطعه الجار)

الجار: بسيط ونعسان.

الرجل : يأتيك جار بسيط ونعسان ليهدم هذا البناء العظيم في روحك .

الجار: لا تحزن يا جاري، عليك أن تكون على يقين، أننا لا نعرف الكثير، لقد أصبنا فقط، بمرض العصر الخطير ..

الرجل: أي مرض تقصد؟

الجار: مرض وهم المعرفة، غريب ما يحدث لنا، نبالغ كثيرا بحجم ما نعرف، بينما الحقيقة، أننا لا نعرف الكثير. حسنا يا جاري، ارجوك أن تخفض صوتك، شباك غرفة نومي، قريب من هنا، وهو مفتوح، اسأل قداسته بصوت منخفض، اجعل الامر همسا، سيسمعك اذا كان موجودا، واستمتع بالعشاء الغير موجود (يخرج)

الرجل: ماذا يحدث قداستك (صمت) لا أصدق ما أسمع، كيف يحدث أن تكون الناس في واد، وما جرى في الواقع، في واد آخر (يتحرك) هل يمكن لقداستك أن تخبرني كيف تجري الأمور؟ (لحظة) لا استطيع أن أفهم ما تقول، هذا ليس تبرير كاف لعدم وضوح الأشياء. الدور الرئيسي لمؤسستك الكبيرة، والممتدة على كل جهات الأرض، أن تبين للناس الحقائق، الناس تموت وهي لا تعرف ما جرى، وما يجري (لحظة) ماذا تقول قداستك! الناس لا تريد أن تعرف، معك تماما، الكثير من الناس لا يريدون أن يعرفوا، أو بالأحرى، لا يهتموا لهذه الامور كثيرا، نعم، ولكن هناك أشخاص مثلي، فضوليون في معرفة التفاصيل، خلقوا من أن أجل أن يعرفوا، لا يمكن أن يكون التيه سبيلهم (لحظة) نعم قداستك، أعلم أنني الليلة بدأت خطواتي الأولى في اشعال شمعة في داخلي، لتنير مناطق العتمة هناك، ولكن الا ترى قداستك أنه قد مر الكثير من الوقت (لحظة) أفهم منك أنني كنت احتاج الى هذا الوقت، من أجل لحظة الاكتشاف، وأن الكثير لم تكفيهم أعمارهم كلها لمثل هكذا لحظة جليلة! أنت تراني محظوظ جدا. ولكن احب أن أعرف من قداستك، هل هذا كل شيء (لحظة) أقصد هل هذه حدود الحقيقة، هل تتوقف هنا، أم أنني سأكتشف الكثير، هل سيأتي الغد لي بشيء آخر يختلف، هل يمكنني أن أحدد أننا في حقائق غير ثابتة، وغير محددة، وأن هذا العالم تحكمه حقائق متعددة، لا حقيقة قطعية واحدة

(يقاطعه الجار من الخارج )

الجار:  يا جاري هو لا يسمعك، قداسته غير موجود هنا، أنت تتحدث مع نفسك (يدخل الجار) أنت وحدك من صار قادرا على الاكتشاف، لأنك تحركت في أماكن جديدة، وفكرت بعيدا عن ما ثبت في رأسك من أفكار، أنت من تجيب على أسئلتك.

الرجل : اذا كانت المائدة غير موجودة، وقداسته لم يدعوني للعشاء، فماذا عنك ؟

الجار: أنا جارك الذي يجب أن يستيقظ باكرا ليذهب الى العمل، وشباك غرفة نومه بالقرب من هنا، وانت لا تريد أن تتوقف عن سؤال قداستك، وتحاول أنت وقداستك أن تجيب، وأنا بسببك أنت وقداستك، لا استطيع النوم هذه الليلة.

الرجل : أعتذر لك كثيرا يا جاري، فأنا مربك تماما بسبب لحظات الاكتشاف.

الجار: كل الحقائق الكبيرة بدأت بسؤال .

الرجل : وماذا تنصحني أن أفعل ؟

الجار: تخلص من المائدة ومن قداسته، وأذهب لتنام بهدوء .

الرجل : لا استطيع، الأمور أعقد مما تتخيل .

الجار: لن تكون الأمور سيئة الى حد كبير، لست بأسوأ حالا من يهوذا الاسخريوطي، والذي يلعنه كل من في الأرض منذ آلاف السنين، كونه الخائن والشيطان، بينما نجده هو قربان من أجل  المخلص، وهو الاقرب والاوفى والاشجع، فهو في الحقيقة من ضحى بنفسه من أجل أن يتم الأمر .

الرجل: (مستغربا) ماذا تقول أنت ؟

الجار : اذهب لفراشك، واتركني أذهب لفراشي، عندي عمل ينتظرني في الصباح الباكر .

ستــــــــــــــار

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية