تأليف: زهراء سالم جبار
الإهداء…
” إلى الذين لم يكونوا خبرًا عابرًا، بل كانوا ميزانَ المعنى حين اختلَّ الكلام مضوا فاستقامَ فينا الطريق، وتعلّمَ القلبُ أن يكونَ أوضحَ من الرّصاصة، وأبقى من الدخان.
إلى الشهداء سلامٌ عليهم يوم اختاروا أن يكون الوطنُ أعلى، ويوم أصبحوا هم علوَّه الدائم.
لكم مني هذا الوفاء الأبدي، ولذكراكم ستبقى الأرضُ تبكي، وتحملُ دموعَنا كوشاحٍ من نورٍ إلى السّماء”
شخوص المسرحيَّة:
- جلجامش
- أنكيدو
- الطبيب
- الخادم
- صوت عبر المايك
المشهد الأوّل:
(ضوءٌ خافت، أنكيدو مسجّى على عربة المرضى، رجلٌ يمسح جبينه بقطعة قماشٍ مبلّلة، خادمٌ في الخلف مطأطئ الرأس، خلفه غرفة مظلمة، بابٌ مفتوح، يدخل جلجامش متعبًا، وجهه مغبر، ثيابه ممزّقة، يتقدّم، يجثو على ركبتيه عند قدمي أنكيدو، بصوت حزين):
جلجامش: أنكيدو يا أخي الذي اقتسمتُ معهُ خبزَ البراري وعرقَ المعارك، يا نصفَ قلبي حين كانَ قلبي حجرًا عدتُ إليكَ ويداي فارغتان، إلا من غبارِ الطرقات. بحثتُ عن نبتةِ الخلود في لججِ البحار، في صدورِ الجبال، في ظلمةِ الكهوف، حيثُ تنامُ الأعمارُ القديمة…فلم أجدْ غيرَ صدى اسمي يتكسّرُ فوق الماء. عدتُ من حافةِ اللّيلِ الذي لا اسمَ له، حملتُ إليكَ صدري، مملوءًا بالهزيمة. كنتُ أظنُّ أنّ الموتَ وحشٌ يُهزمُ بسيفٍ أو بابٌ يُفتحُ باسمِ الآلهة، لكنّي رأيتُه صامتًا…يجلسُ في قلبِ الأشياء، في انحناءةِ القمح، في شيخوخةِ العمر، في تعبِ العيون. (يهزّ يد أنكيدو برفق) أنكيدو…لا تتركني وحدي في هذا العرش البارد، اصبرْ عليّ قليلًا، علّني أسبقُ الموتَ بخطوة، وأجيءُ إليكَ بنبتةٍ تهزمُ الفناء. تأخّرتُ — نعم، تأخّرتُ — وكان الزَمنُ سيفًا يهبطُ على صدركَ كلَّ يوم. لا تبردْ هكذا…إن بردتَ سأفهمُ أخيرًا أنّ الخلودَ كذبةُ الأقوياء حينَ يخافون.
الطبيب: (يتقدّم ببطء) أيُّها الملكُ الذي دوّخَ المدن، ذهبتَ قرونًا وعدتَ بلا شيء عيناهُ معلّقتان بين سماءٍ لا تستجيب، وأرضٍ تضيقُ بأنفاسه.
افعلْ شيئًا… فالوقتُ رماد، والرّوحُ تتسرّبُ من بين أصابعه كالماء أو كأنَّها خيط رفيع، تهتزّ الآن. يا جلجامش ما جدوى نبتةٍ إن كان الجسد قد قرأ وصيّته الأخيرة؟ افعلْ شيئًا… لكن اعلم أنّ بعض الأبواب لا تفتح بالقوّة.
جلجامش: (بصوتٍ منكسر) ماذا أفعل؟ أخبرني… أأقاتلُ الريح؟ أأكسرُ بابَ القدر؟ أأرفعُ سيفي في وجهِ الموت؟ أأعيدُ الزمنَ إلى الطين
وأعجنُهُ من جديد؟ أأصرخُ في وجهِ السماء حتى تنشقّ؟ كنتُ أفرُّ من موتهِ، كما يفرُّ المرءُ من ظلِّ فنائه، وكنتُ أُفتِّش في الجهاتِ عن عشبةٍ تُراوغُ الفناءَ وتمنحه خلودًا. لكنّي الآن أبصرُ ما غاب عنّي…لم أكن أطلبُ له حياةً لا تنقضي، بل كنتُ أستنبتُ وهْمًا يُؤجِّلُ اعترافي، أنّي أخشى أن أقفَ وحدي وجهًا لوجه أمامَ حفرتي الأخيرة.
الطبيب: أراكَ يائسًا، يا جلجامش، كأنّ البطولةَ سقطتْ عن كتفيك، كما تسقطُ الرايةُ في الهزيمة. تحرّك، فالجمودُ موتٌ آخر، وإن بقيتَ هكذا ستفقدُ صديقكَ قبل أن تنطقَ باسمه.
جلجامش: (ينهض فجأة، وبغضبٍ) اصمتْ! لعنتكَ الآلهةُ إن بشّرتَ بالفناء! لن يموتَ أنكيدو، أتسمع؟ لن يموت! (يلتفت إلى أنكيدو، بصوتٍ واهٍ) لن أدعَ الموتَ يخطفُ منكَ ضحكتكَ الأولى، ولا أن يُطفئ النارَ التي أشعلتَها في صدري. إن عجزتُ عن نبتةِ الخلود، فسأنتزعُ الخلودَ من اسمي، من ملحمةِ دمنا، من صرختنا في وجهِ الآلهة.(يحتضنه) أنكيدو…لا تُسلِّم جفنيكَ لطولِ السُّبات، فالمدينةُ من دونكَ أسوارٌ عاريةٌ بلا حرّاس، وأنا إذا غبتَ عنّي، عرشٌ قائمٌ على فراغ، وحُلّةُ ملكٍ ترفرفُ فوق صدرٍ بلا نبض.
أنكيدو : (بهمس) جلجامش…لا تركضْ خلفَ السراب.أنا لم أكنْ جسدًا كي تُنقذني من التراب، كنتُ ظلَّكَ حين كانت شمسُكَ قاسية. إن متُّ، فليس لأنّ الموتَ غلبني، بل لأنّ الحياةَ أخذتْ نصيبها.
جلجامش: (بحزنٍ) لا تُحدّثني بلسانِ الحكماء، يا صديقي، حدِّثني كما كنّا في البراري، كتفًا إلى كتف، نقتسمُ الضحكَ في عيونِ الوحوش. لا تتركني في هذه المدينة، حيثُ كلُّ حجرٍ في جدرانها يهمسُ في أذني: إنّكَ فانٍ.
الطبيب: (بحسمٍ) تأمّله لا بعينِ ملكٍ يفقدُ واحدًا من جنوده، بل بقلبِ إنسانٍ يشيّعُ نصفَ روحه. فالخلودُ ليس عشبةً تُستخرجُ من عتمةِ الأعماق،
ولا سرًّا يُنتشلُ من لججِ البحار. الخلودُ أن تتّسعَ جراحُك للحزن، وأن تبقى إنسانًا، لا صخرًا يتقنُ الصمت.
جلجامش: (بصوتٍ منكسرٍ) كنتُ أظنُّ أنَّني ابنُ الآلهة…الآن أعترفُ: إنّني ابنُ الخوف.
الطبيب: (بشدّة) ابصره، ها هو واقفٌ على الحدِّ الفاصلِ بين رجاءِ الضوءِ واستسلامِ الجسدِ لتعبِه الأخير (يضعُ كفَّه على صدرِ أنكيدو) ها هو نبضه يخفتُ كغروبٍ بطيء (بهمسٍ) لقد فعلنا ما ينبغي، دعوهُ الآن يخلدُ بسلام.
جلجامش: (بغضبٍ) اصمت لن أدعه يرحل، لن أدعه!
الطبيب: (بصوت عالٍ) لن أصمت…لقد رحلتَ عن بلادك السومرية منذ قرونٍ، وما زلنا ننتظرك…وأنكيدو…في كلّ ليلة تصعد روحه إلى السماء،
حاملةً آلامها الثقيلة، كما تحمل الأمواج أسرار البحر العميق… نستعد لدفنه…وعند الفجر يعود إلى الأرض، ينفضُ غبار اللّيل عن جسده، ويمشي بين الصمت والغياب، وأنتَ لا تدري، يا جلجامش…لا تدري ما تجرّه روحه من وجع، ولا كم هو ثقيل هذا الانتظار.
جلجامش: (باستفهام) أعجز عن شفائه الكهنة؟
الطبيب: (بغضبٍ) أيّ كهنةٍ، يا جلجامش؟ نحنُ في عام 2014م، كلّ الأطباء فشلوا، كلّ الدّمعات لم تشفِ شيئًا.
جلجامش: (نحو أنكيدو) لن أستسلم من أجلك، أنكيدو…قلبي يسكب الدموع حتى يكاد أن يتفتت…(يهمُّ بالمسير)
الطبيب: (باستفهام) إلى أين يا جلجامش؟
(جلجامش): إلى حيث لا يموت الذين نحبهم، إلى نبتةٍ قيل إنّها تخدع الموت لحظةً، ثم تتركه واقفًا على عتبته، حائرًا في هزيمته.
الطبيب: (بغضبٍ) لن أدعك ترحل كلّما رحلتَ، تركْتَنا نعدُّ أصابعنا كما لو كنّا نحصي خساراتنا. ننتظر، والانتظار وطنٌ مؤقّتٌ للوجع.
جلجامش: سأعود
الطبيب: تقولها دائمًا
جلجامش: وأصدّقها دائمًا هذه المرّة…سأعو


