إعداد : محمد محسن السيد
( بحث مستل من كتاب بنفس الإسم للدكتورة زينة كفاح الشبيبي )
من عام إلى عام يتزايد وبشكل مطرد الإهتمام عربيا ومحليا بالمونودراما هذا اللون المسرحي الذي يفرض استحقاقه بشكل فعال ومؤثر في دائرة الإبداع العامة والمسرحي بصورة خاصة.
الأمر الذي فرض على الباحثين والمعنيين التوق للكتابة في هذا الفن، وتسليط الضوء عليه معرفيا وفنيا، ومن هنا يأتي دور (د . زينة كفاح الشبيبي) في دراستها المستفيضة والمعنونة :“جماليات السرد في العرض المسرحي المونودرامي” والصادر في بغداد 2015 .
نهض الكتاب _ كما هو معتاد _ بإهداء ومقدمة سطرها (د . حسين علي هارف) مشيرا فيها إلى الجهود التي عرفت بالمونودراما تنظرا وتطبيقا خاصة تجربتي (ليلى محمد) و(سامي الحصناوي) فيما قدماه من عروض في هذا اللون المسرحي.
وقد أبدى الكاتب إعجابه بحفريات الباحثة واشتغالاتها العميقة في إضاءاتها التنظيرية والإجرائية الفعالة والذي يشكل إضافة مهمة إلى الخزين المعرفي والفني الذي سيرفد المكتبة المسرحية العراقية والعربية بجهد ثر في أحد أهم حقول المعرفة ليدخلنا في فردوس الإبداع والجمال.
نهض الكتاب بثلاثة فصول توزعت على صفحاته ال(270) صفحة من الحجم الكبير، فقد جاء الفصل الاول تحت عنوان (المحايثات المفاهيمية والبنائية للنص المونودرامي) توزع على عناوين فرعية ثلاث:
حمل أولها عنوان:” المونودراما وفلسفات الحداثة” وفيه تستعرض الباحثة التعريف بشكل أولي بالحداثة ومسيرتها التاريخية والتوكيد على بعض العناوين والأسماء فيه من أمثال:( نيتشه، الماركسية، ظاهراتية هوسرل، الوجودية) وهي عناوين بارزة لا يمكننا تجاهلها وعدم التعريف بها ولو بشكل سريع ومختصر.
وحول بداية الحداثة وما يتعلق بذلك تذكر الباحثة ما نصه: “تعددت مفاهيم الحداثة وأسسها ومنطلقاتها في متون الثقافة الأوروبية، فالبداية تؤشر في الفلسفة الهيجلية، إذ أشار (هيجل _ 1770 _ 1831 ) إلى واحدة من السمات القائمة والمهيمنة في نصوص وفنون وافكار الحداثة، وهي الذاتية، لأن حرية الذات هي المبدأ العام الحديث”.
إن الحداثة في ذاتها بعد شامل يغطي مناحي الحياة الانسانية كافة، لذا فإن المنظومة الإجتماعية الخاصة بالذات الإنسانية هي أولى المتغيرات التي تنشدها الحداثة، إن هناك سمات جامعة للحداثة من مثل: النزعة الفردية، العقلانية، التخصص في الأنشطة، التجرد من الإنسانية، العزلة الإجتماعية، وعدم الإستقرار .. وكانت حركة الحداثة رافعة لكل المقولات الموجهة للإنسان في العصور السابقة.
وتؤكد الباحثة ما نصه:” فالحداثة هي نقيض القديم التقليدي، وهي ليست مذهبا سياسيا أو تربويا او نظاما ثقافيا واجتماعيا أو فلسفيا فحسب، بل هي حركة نهوض وتطوير وإبداع هدفها تغيير أنماط التفكير والعمل والسلوك، وهي حركة عقلانية مستمرة هدفها تبديل النظرة الجامدة إلى الأشياء والكون والحياة”.
وتستمر الباحثة بالقول:” إن الحداثة لابد أن تقوم على أسس نظرية وأخرى عملية، وإنها فعل شامل يستلزم جملة حداثات من حداثة فلسفية وأخرى تقنية، وحداثة إجتماعية وثقافية، وبذلك فإن القارئ للحداثة تاريخيا تتحدد رؤيته وتتوزع وفق منظومة معرفية بين النظر الانطولوجي _ أسس الحداثة _ والنظر المعرفي _ الحداثة والمعرفة _ والنظر الأخلاقي _ أخلاق الحداثة وقيمها _ والنظر الديني _ نزعة الحداثة الدنيوية _ والنظر السياسي _ الدولة الحديثة والمجتمع المدني _ والنظر الجمالي _ جماليات الحداثة وفنياتها وأدبياتها.
إن المنظومة المعرفية من وجود (معرفي / ديني / أخلاقي/ سياسي/ جمالي ) منظومة فعلية وسلوكية تجد معانيها ودلالاتها في الذات بعدها حاملا لتلك المفاهيم وايلائها لعدة الفعل والتطبيق. انها تقدم ذاتها عبر هذا الذي يحدث بامتياز ما، لكن الإمتياز هو خاصية إضافية محتاجة إلى ذلك الحدث الذي تريد هي أن تبرزه، إن تخصصه بما لا تملكه بقية الأحداث”.
ومع ذلك فالحداثة لا يمكنها أن تهبط إذن من مستوى مفارق للحدث بل هي بالأحرى تنبثق عنه مضطرة لأن تقيم مملكتها الفكرية فوق مادة البحث،
وبخصوص الحدث في الأداء النصي المونودرامي ومخرجات الحدث في الحداثة تذكر الباحثة:” الحدث في الأداء النصي المونودرامي له ما يجاوره ومخرجات الحدث في الحداثة، فالأحداث دون مسارات أفقية تولد الحدث من سابقه وتذهب إلى إعلان بداية ونهاية للحدث، فما طرحته أو ما أولته الحداثة من أهمية للحدث يأتي موافقا وانتاج المونودراما وطبيعة أحداثها التي يحقق فيها القطيعة والقطائع، يجعلها بداية ونهاية في حد ذاتها، الحدث إذن يغدو مولد الحوادث، يتميز عنها إنه يلد منها ليغير فيها، ينقلها من التاريخ إلى التاريخانية، ينقلها لغويا من تعيين الما يقع والما بحدث إلى الحادث في حد ذاته الذي يغدو حدثا يتطلب وقف التعامل المعهود مع سلاسل الأحداث، لأنه يقدم من ذاته ما يقطع ويفصل حتما من السلسلة ومعها”.
وحول مبادئ ومفاهيم الحداثة تذكر الباحثة:” .. إن المبادئ تلك هي أحداث اعتمدتها الحداثة في متون فلسفتها ومبادئها المستجدة بديلا لأفكار ما ورائية وهي:
(أولها العقلانية وما دار مدارها من ( عقل ) و ( استعقال ) و ( فكر ) و ( تفكير ) و ( تفكر ) و ( تمثل ) و ( نظر ) و ( منطق ) .
وذلك من حيث إن شعار الحداثة كان بدءا _ لتكن لديك الشجاعة على إعمال عقلك _ وثانيها ( الذاتية) وما يتعلق بها من مفاهيم ( الأنا، الانية،الذات) والتفاعل بين الذوات أو التفاوت، والمنزع الذاتي، والتفاعل بين الذوات أو التذاوت/ الفرد/ الفردية/ الفردانية …
وذلك من حيث إن الحداثة هي أولا إيلاء العناية للذات والإنتصار لها والنظر إلى العالم بمنظورها .
وثالثها ( الحرية ) وما حام حولها من مفاهيم ( التحرر/ التحرير/ الإنعتاق/ الإستقلال/ التشريع الذاتي / الإرادة / الفعل / الإبتكار )” .
وحول ما يخص اشتغالات الجسد في فضاء الحداثة تذكر الباحثة: “.. إن فلسفات الحداثة التي شهدتها حقبتها التاريخية في منتصف القرن التاسع عشر، من ماركسية، نيتشوية، ظاهراتية، ووجودية. هي فلسفات أقرب إلى الفعل والأداء وإنتاج مواقف وممارسات منها إلى الأفكار التجريدية التي طرحتها فلسفات ما قبل الحداثة، ولأن الفعل له أن يمسرح عبر الجسد الإنساني فإن فلسفات الحداثة طرحت الكثير من المفاهيم، فقد حولت الجسد فضاء لتجسيد الأفعال وتبني الأفكار وهو ما يعد مواجهة حتمية مع الآخر _ السلطوي ، السياسي ، الإجتماعي ، الثقافي ، الأخلاقي.
فكان الجسد حاملا لمفهوم الذات التي لا يتم لها التحقق إلا بواسطة الفعل، وما يعني ذلك من صراع مع السلطة بكافة أنواعها. ويعد الظهور الفلسفي والمفاهيمي والأدائي الفعلي للجسد أكثر وضوحا في الحداثة أكثر منها في أشواط الفلسفات السابقة لها”.
وحول علاقة كل ما سبق أعلاه بخصوص عروض المونودراما فتذكر الباحثة: “تستجيب عروض المونودراما التي تتخذ من أفعال وردود أفعال الجسد منظومة تعبيرية إتصالية إلى فلسفات الحداثة، فالذات الإنسانية في صراعات دائمة مع محيطها الحياتي بكل سلطاته التي تتوافد على الجسد في محاولة لاحتوائه وتصييره في سياق السلطة الحاكمة، ذلك أن كل قوة هي علاقة مع قوة أخرى، إما للطاعة أو لتوجيه الأوامر، وما يحدد جسما هو هذه العلاقة بين قوى مسيطرة وقوة مسيطر عليها، كل علاقة قوى تشكل جسما: كيميائيا أو بيولوجيا، واجتماعيا، وسياسيا”.
وحول تأثير الحداثة الأدبية على متون الدرامات المونودرامية، وتوكيدها على الذات، وموضوعات من قبيل: لأحلام والهلوسات والثيمات النفسية، الأمر الذي استفادت منه تلك النصوص في اشتغالاتها ومما جاء هنا: “.. حملت نصوص ومتون الدرامات المونودرامية جملة ثيمات وأشكال أساسها الغرائبية والاندهاش فيما يخص ردود فعل الذات الإنسانية، فالشخصية في نصوص المونودراما تمضي حياتها وهي في موقع الدفاع عن ذاتها في فضاء موحش وعزلة قاطعة، لذا نجد أن ثيمة الغربة هي أكثر الثيمات قوة في النصوص المونودرامية بأبعادها الشخصية والإجتماعية والمكانية، لأن شعور الشخصية المونودرامية عموما بالغرابة شعور خاص بالتردد والالتباس والدهشة، شعور يتصاعد من حالة الشك البسيطة إلى الرهية، إلى الخوف، إلى الرعب.
والغرابة التي هي نقيض الألفة والأمن، موجودة في الحياة حولنا، ذلك إن الألفة في الحياة عموما يجب أن تكون مع الآخر، أن يكون الآخر معك، أن تكون معه دون أن تكون بحوزته أو بحوزتك إذا عكسنا الحد. وبصياغة هيدجرية تغدو (الألفة) تحويلا مكثفا للوجود _ في أو مع _ العالم “.
وحول مفهوم الأغتراب عند الفيلسوف هيجل _ ونظريته الجمالية وأفكاره الفلسفية، والتقاطع بينهما تؤكد الباحثة قولها: ” .. الإستسلام غير الحرية الرومانسية التي انتهت بها حركة تاريخ الفن في فلسفته الجمالية .
فالأولى تصبح بها الذات مقيدة ولها اختيارها لاستسلامها، وفي الثانية تذهب الذات إلى التمرد عبر الخيال والهروب، وهو ما يجمعها في حاضنة الفلسفة المثالية، فكلا السمتين حاضرتان في الفلسفة، فالذات في سعي دائم للبحث، وذلك بحكم الشمولية التي تبلغ فيه عن ذاتها، لا تنقطع عن البحث والتنقيب في أعماقها الأكثر حميمية، فالذات او الشخصية تسعى إلى امتلاك ذاتها في النصوص الدرامية ما يبرر انعتاقها من سلطة الآخر، من منطلق إن مصطلح _ الإغتراب _ يعني ذلك الذي لا يمتلك ذاته، ليتم تغيير أوضاع الشخصية في مسارات الحدث الدرامي، إثر امتلاك الذات لمقومات تحررها الإقتصادي والاجتماعي، متقدمة على اوضاعها التاريخية السابقة ومتجاوزة هيمنة الآخر “.
وحول ( نيتشه ) وفلسفته يذكر الكتاب: “كانت فلسفة (نيتشه) معنية كاتجاه فلسفي حديث بأرخنة مفهوم العقل، وكشفت عن تغدديته، ونسبيته، وعدم تطابقه، وفضحت تمركزيات الميتافيزيقيا عليه، حيث جرت مسألة العقل عن نفسه وعن أصوله، ومحاكمته عبر إقحامه التاريخ بوصفه ظاهرة بشرية نسبية، ثم كشفت محايثاته وعلامات القوة والسلطة التي جعلت منه مؤلفا كليا ومرجعا واحديا يحتكم إليه.
ويتخطى ( نيتشه ) بذلك ما سمي ب _ السرديات الكبرى _ او الحكايات الكبرى الماورائية.
ويصطفي ( نيتشه ) أفعال الحس لتكون العامل الكاشف للوقائع الحياتية بما تدخره من قوة في التحول والديمومة ومجاراة آفاق الحياة بكل ظروفها، والمفاهيم التاريخية هي في عرف _ نيتشه _ أصنام كرستها الفلسفات والمؤسسات الثقافية والإجتماعية والدينية وبذلك فإن الذات عبر التاريخ الإنساني هي موضع العزل والإقصاء، علاوة على تعطيل دور الحواس في الكشف والرؤية حيال الواقع الذي تحياه الذات الإنسانية “.
وفيما يخص الفن والدراما تذكر الباحثة:”يفتح _ نيتشه _ للفن والدراما أفقا تعبيريا جماليا وفلسفيا بتوظيفه لثنائية (الأبولونية _ الديونيسوسية) التي تقابل ثنائية _ العقلي / الحسي _ ، فالديونيسوسية أكثر انتماءا إلى الحياة والوجود في قدراتها الحرة، بتعزيز كل ما من شأنه تفعيل الأحاسيس والمشاعر والغرائز التي عزلتها خطابات العقل، فالإله _ ديوسيوس _ أو _ باكوس _ وهو إله الخمر والمرح والحياة الصاعدة والبهجة والسرور في العمل، والفتنة والعواطف والإلهام والغريزة والمخاطرة الذي يصبر على الآلام ويتحمل المشاق بجرأة وبسالة إله الغناء والرقص والموسيقى والمسرحية.
والذات الإنسانية في سبيلها إلى وعي وجودها فضاء صراعي بين _ العقلي/الحسي أو الأبولونية _ الديونيسوسية _ لتحيا واقعها اليومي والوجودي، لذا فإن ماهية الكيان الإنساني هو نتاج صراعات تلك الثنائية.
وخلاصة القول هنا، إن الذات الإنسانية حاصل تردد وتأرجح بين طرفي تلك الثنائية”.
وهنا يصل بنا المقام إلى موضوع في غاية الأهمية وهو (ظاهراتية هوسرل) وفي سطورها الأولى نجد :”وإذا ما أخذت الماركسية فعل التغيير منطلقا لفهم العالم والأشياء وتحولاتها، فإن الفلسفة الظاهراتية ترسمت ما ساد القرن التاسع عشر ذاته من ملامح وبدايات لفلسفات اعتمدت الفعل أو الأداء في تفحصها لوقائع لها ما تختلف به عن مسارات تاريخية سابقة، وذلك ما وصف بفلسفة الفعل”.
فالفعل ذو طبيعة شمولية لتحديد سمات الوجود الذاتي، بالإصغاء إلى الأشياء والبشر والمفاهيم والنصوص، وتتخذ الفلسفة الظاهراتية من معطيات الفعل مؤشرا أو بوصلة لتحقيق فعل الذات حيال ما يحيطها من أفكار وأشياء متوسلة بعدة فعلية الكشف والفهم، واتخاذ موقف بذاته وفق معطيات استجابتها وتجاذباتها مع وجودها الإنساني، ويمثل الشعور الداخلي أو الذاتي نقطة إنطلاق لفهم العالم من قبل الذات في مجمل طروحات الفلسفة الظاهراتية اللاحقة لمقولات _ هوسرل _ .
وهنا نصل إلى موضوع ( الوجودية ) جاء في سطورها الأولى :” تندرج جملة فلسفات القرن التاسع عشر بخصوصية مشتركة أنتجتها ظروف إجتماعية وثقافية وعلمية شهدها هذا القرن، وتحمل الدراسات المتفحصة في ظرفها الثقافي والمعرفي بأنها _ فلسفة الفعل، ليشمل ذلك كليته جملة فلسفات اخذت بالأفعال والوقائع، استراتيجية لقراءة العالم والأشياء والثقافة والفنون ويشمل ذلك فلسفات مثل: الماركسية، الظاهراتية، لتحلق بها الفلسفة الوجودية في إثر أحداث مأساوية شهدتها البشرية في عقود القرن العشرين الأولى.
وعن مقولات الوجودية نقرأ : “.. جاءت مقولات الوجودية لتنصب على منظومة الأفعال التي ترى أنها مصدر اغتراب الإنسان عن وجوده اليومي، وهي : الحرية / المسؤولية / الإختيار .
وللإغتراب خواص وملكات الذات المتحررة من قيود الحضارة الغربية وما حملته من حروب وتقويض للقيم .
فالحرية تحمل في مكمنها أبعادا ومواقف تحتم مسؤولية الفعل ومسوغات اختياره، وهو شأن واكبت به الوجودية قراءتها للحياة الإنسانية عموما، وهو ما تتعارض به الوجودية عن الماركسية بكون الأخيرة معولة على الصراعات الإقتصادية/ الطبقية .. والذات في فعل ونزوع دائم لأن تكون هي من فضائها الوجودي، تخلصا من سلطة الآخر أو الآخرين المصدر الأساس للتغريب أو أغراب الذات عن ذاتها وعن الآخرين_ المجتمع _ “.
وحول وجود الذات والآنية نقرأ :”.. إن وجود الذات وبشرط زمان بعينه عده فلاسفة الوجودية ركنا أساسيا من مقولات الوجودية، فلا يتحقق الوجود إلا عبر الزمن الحاضر أو الآتي وما دامت الذات في معزل عن تاريخها الماضي وهو ما يدعى ب ( الآنية ) والمصدر الذي عنته الآنية في تفسيرها للوجود والممكن هو الزمان، ولهذا فإن كل محاولة مخفقة فإن الزمان هو العنصر الأساسي في تكوين الآنية، وهو العامل الأصلي في انتقال الوجود الممكن إلى حالة آنية.
والآنية فهم للوجود في واقعة الجسد دون جذور تاريخية أو حضارية، فالذات معيار لقراءة التاريخ، سواء تاريخها هي أم التاريخ الإنساني عموما وما يحمل من أفكار ونظم وتابوات وسنن وأخلاق وليدة لحظة تاريخية خاصة للذات في القبول بها كونها مصاغة من قبل الآخر أو الآخرون أو المؤسسة في لحظتها الزمانية”.
وحول اغتراب الذات تؤكد الباحثة ما نصه :”.. فاغتراب الذات هو حاصل عياني وتجسيد فعلي تترسمه في خارطة الجسد ليكون الجسد هو الوجود الإنساني بكليته، ف ( أنا ) الجسد تستلزم في التمايز الوجودي بين (الأنا) و(الآخر، الآخرين)، فالجسد خط مشروع لتأكيد الذات ما يقرنه بالعموم بفعل آني / حاضر، متجاوزا للتاريخ والشروع ما بعد فعل الإختيار أو الحرية”.
وعن الجسد في الوجودية نقرأ :”.. الجسد لدى الوجودية، هو جسد في طور التكوين أو الشروع، يتأسس في ( آن ) خارج تجاذبات قوى السلطة وإصرارها على إيقاف نزوعه نحو المستقبل، لقد حدد (سارتر) ثلاثة أبعاد للجسد، وهو كوني أوجد جسدا، وهو البعد الأول، والبعد الثاني فهو كون جسدي مستخدما ومعلوما من قبل الغير لكن بقدر ما أوجد من أجل الغير، فالغير ينكشف لي كذات أكون بالنسبة لها موضوعا، والبعد الثالث يتعلق بعلاقتي الجوهرية مع الغير، اذن فأنا أوجد من أجل أناي كمعلوم من قبل الغير، خاص بما يتعلق بواقائعيتي ذاتها.
فالجسد وفق ذلك هو تجسيد حرية الذات وكيانها في عالم الوجود، فالذات كما الآخر لا يظهران إلا عبر الجسد كوسيط وجودي له أبعاده ونظمه الفعلية مكونا فضاء الذات الإنسانية كونها ذاتا وآخر أو موضوعا وبذلك الفعل يكون الجسد في موقفين ناظرا ومنظورا إليه، وعبر جدلية لتلك الأفعال يكتسب الإنسان رؤيته للعالم عبر حضور _ الآخر _ الشرط الأكبر للوجود الذاتي وهذا الموضوع الذي هو أنا بالنسبة للآخر، أو الآخر بالنسبة لي لا يتبدى إلا كجسم، فكل من الأنا والآخر يتبدى لغيره بوصفه جسما، وذلك لأن الجسمية والموضوعية عند الآخر لا ينفصلان أبدا، ويتخذ الجسد في الفلسفة الوجودية عبر تنوعها الإيمائي والإيحائي سمة مركزية ينصب عليها فعل الوجود أو الإستجابة لأفعال الحياة ذاتها، وثمة فضاء زمكاني للأفعال الجسدية وتجسيدها يتسم بذات المعطيات التي تنشدها الذات الوجودية المفتربة”.
والخلاصة هنا : إن الذات الوجودية في حركتها بين الحاضر والمستقبل والصعود والنزول تظل محض ذات قلقة دون مبررات لانتماءاتها إلى الوجود، لذا فإن الوجودية اتجاه أساسه القلق والإغتراب وعدم الإنتماء، بهدف النفاذ من سلطة الحياة ( القيم، الأخلاق، العلم، التاريخ ) فالوجودية لا تعرف الدعة والراحة والاسترخاء الفكري وإنما تدعو إلى التيقظ والتحفز لمواجهة التحديات، فالقدر الذي يستجيب به الفرد أو الجماعة للتحديات فإنه القدر نفسه يعبر عن فاعليته الوجودية.
وعن القلق باعتباره أحد موضوعات الوجودية المهمة نقرأ : ” تعد سمة القلق واحدة من المهيمنات التي سايرت مجمل اتجاهات الفلسفة الوجودية وكل تحولاتها، والقلق لا يتوقف حيال الوجود الكلي ومسوغات وجودنا الحياتي، بل يشمل أيضا صغائر الأشياء وأكابرها وما يرشح منها من أبعاد تخص أبعاد الإمتلاك والتعلق بها ما يخلف ذات قلقة تجاه فعل التملك والشيء ذاته”.
وذهب فيلسوف الوجودية الإيمانية ( جبيريل مارسيل ) إلى تحليل العلاقة بين الملكية والوجود ومؤداه بأن تحلل شيئا لا يعني أن تكتفي بأن تكون على علاقة خارجية مع هذا الشيء بل إن ملكية الشيء نفسها تؤثر في الشخص الذي يملكه فيصبح قلقا عليه وبدلا من أن يملكه يبدأ الشيء بامتلاك الشخص ) .
وهنا نكون قد وصلنا إلى المبحث الثاني والمعنون: “المونودراما بين التجنيس والشعرية” والمعروف أن الأجناس الأدبية في صيرورتها التاريخية التي مرت بها كانت خاضعة للوقائع والظروف الإجتماعية والثقافية لعصرها.
وحول فعل الشعرية في النص تذكر الباحثة :”إن فعل الشعرية في النص _ أي نص _ ومنها النص المونودرامي في تجاوز لما طرحته نظريات التجنيس الآخذة بتقيد قراءة النص بعدة بنائية وشكلية بعينها دون الإنفتاح على البنى المجاورة للنص ذاته، وتتفاعل الأنواع والأجناس في انتاج نص بذاته، لتختلف في بعض السبل التي تؤكد إجناسية النص وإنجازه الى نمط بعينه ومن تلك الإختلافات هي الوسائط الإتصالية، ووفق ( جاكوبسن ) في خطاطته الإتصالية، حيث يرى إن كل عملية إتصال يجب أن تتوفر فيها ثلاثة أشياء: الموصل، المستقبل، والرسائل (الوسيط ) .
وإذا كانت الهيئتان الأوليتان قدرا مشتركا بين كل أشكال التواصل والتخاطب، فإن ما يميز نمط تعبيري عن نمط آخر هو الرسائل أو الوسيط، أي حوامل هذه الرسالة التي هي الألفاظ.
والمعروف أن مفهوم الأدب مفهوم يحمل جملة مفاهيم وفق الذائقة الإنسانية واستنادا إلى المذاهب والمدارس والاتجاهات. إلا أن ما يتفق حوله النقاد بأن النص الأدبي نص جامع لنصوص الأجناس والأنواع بنسبة ملحوظة”.
وتؤكد الباحثة إن ما طرحه الناقد ( جاكوبسن ) هو الأقرب إلى مفهوم الشعرية الدال على حضور مجموعة نصوص وأجناس ذات لغة ما في نص واحد، ما يطيح بأحادية الجنس أو مفهوم التجنيس، لذا أصبحت الشعرية تبحث عن كيفية عمل القوانين العامة لأي جنس أدبي داخل نصه المتحقق
وحول اختلاف الجنس عن النوع تذكر الباحثة : “إن الجنس يختلف عن النوع، لأن الجنس يكون نفسه شمولا مطلقا، أما النوع فيكون شاملا لجزء من الجنس، فالشعر جنس لكن الأرجوزة نوع مثلها مثل المنظومة التعليمية وقصيدة الهجاء”.
ويرى الناقد عبد الفتاح كيليطو بشأن تحديد الجنس أو ما أسماه بالنوع بأن الدلالة التي تميز أي جنس أو نوع عمادها الإختلاف ويقصد به إن خصائص النوع إنما تبرز من خلال تعارضها أو اختلافها عن خصائص الأنواع الأخرى.
أما بخصوص المونودراما فنقرأ :” وعليه فإن النص المونودرامي يمكن درجه وفق ما تقدم من آراء في تصنيف النوع والذي يقابله أحيانا بالنمط ، فالمسرحية هي جنس أدبي أكبر له جملة تحولات في مساره الفني، لينتج نوعا دراميا وفقا لجدل التحولات الجمالية والفكرية للواقع الحياتي. فالنوع المتجسد _ المونودراما _ إنتاج درامي لم يتقيد بآراء النظريات الأدبية لنقاد الدراما بدءا من شعرية _ أرسطو _ التي أخذت بعدا معياريا صارما التزمت به آراء النقاد اللاحقين بصرامة ومغالاة أيضا لفروق بين الملحمة والتراجيديا والكوميديا المنصوص عليها لدى _ ارسطو _ لم يتح تجاوزها إلا في طروحات الرومانسيين في بدايات القرن التاسع عشر، في إيقافهم التجنيس أو تعرفهم إلى أحادية الجنس الخاصة” .
وحول موضوع أدبية او علمية الأدب تؤكد الباحثة:” .. يؤكد _ ايخناباوم _ على أدبية وعلمية الأدب في نظرية المنهج الشكلي بأنها تلك الرغبة في إبداع علم أدبي مستقل إنطلاقا من الصفات الذاتية للأدوات الأدبية، لقد طرحنا وما نزال نطرح كأكيدة أساسية مبدأ مفاده إن على موضوع العلم الأدبي أن يكون دراسة الخواص النوعية للموضوعات الأدبية التي تميزها عن أي مادة أخرى.
إن وفرة نصوص أو سرد أجناس في فضاء نص بذاته وفق ما تؤشره آراء الشكلانيين الروس مسوغا صريحا لحضور نظرية التناص في قراءة شعرية النص الأدبي، او الفني، ووفق النظرية التناصية فإن كل نص هو ناتج أو راشح لنصوص سابقة وأخرى معاصرة ما يعني إقصاء التجنيس الأحادي” .
وتعرج بنا الباحثة على الناقد الروسي الشهير ( ميخائيل باختين ) وإشارته المبكرة، والتي أصبحت فيما بعد عتبة للنظرية التناصية إلى الأجناس الأدبية في القرن العشرين وتتأسس فكرة ( باختين ) كما تذكر الباحثة بالتسليم بعدم اكتمال الجنس الأدبي وانفتاحه أرباض مختلف الأجناس الأدبية المتاخمة له أو التي تتشكل وتنمو مستقلة عنه أحيانا، لكنه يدخل في حوار معلن أو خفي معها، سواء على مستوى الشكل أو على مستوى المضمون.
وما طرحه _ باختين _ يتجسد جليا في النص المونودرامي بعده نصا راشحا من الجنس الدرامي الأكبر _ المسرحية _ وتجاوره مع الكثير من النصوص والأجناس الأدبية والفنية الأخرى من ( سبرة ، شعر ، سرد ، قصة ، .. الخ ).
كما تجد الباحثة فيما طرحه _ باختين _ الخاص بتنوع الملفوظات المؤداة إلى تعدد الأصوات أو ما أسماه ب ( البوليفونية ) مجاورة نموذجية يستجيب لها النص المونودرامي ويقصد به :
إن تنوع الملفوظات يعني ثمة تعددية لسانية أو تعدد اللغات والتعددية الصوتية ، فكل تلفظ موجه باتجاه أفق إجتماعي ومؤلف من عناصر دلالية وكل تلفظ يقع بالضرورة ضمن واحد أو أكثر من أنماط الخطابات التي يحددها أفق بعينه .
وحول اشتغالات البوليفونية في النص المونودرامي نقرأ :” النص المونودرامي له تراكمه من الأصوات التي تحال إلى شخوص بذاتهم، فالسرد الذي تحمله الشخصية الأحادية المهيمنة في متن النص، هي من يتولى إدارة الفعل الدرامي، والأداء السردي لمجموعة من الشخوص والذكريات في أمكنة وأزمنة مختلفة، وذلك مؤشر على استدعاء لتلك الأصوات بكل مرجعياتها الإجتماعية والنفسية والفكرية وطبائعها وهو الأخلاق والقيم والملفوظات معبرة عن مستوياتها الإجتماعية اللسانية والطبقية والثقافية وهو ما يجعل النص المونودرامي يتصف بالكثافة الصوتية والتلفظية لأنماط ونماذج مختلفة من الشخوص وتلك مجاورة صريحة مع مفهوم البوليفونية” .
وحول الشروط التي يضعها باختين عن البوليفونية فتوجزها الباحثة بالآتي : “يشترط باختين في البوليفونية وجود ثلاثة شروط لتحقيقها في متن النص وهي :
1_ اللاتجانس: ويعني به تصارع وتباين الأصوات ومرجعياتها في النص الواحد ، فكلما كانت الأصوات غير متجانسة فقد أتت أبعاد الصراع والتقاطع في أعلى مستوياتها .
2_ الحوار والمونولوج : وهو انفتاح الشخصية على الشخوص المحيطة بها عبر الحوار الكاشف عن مكونات كل شخصية وأبعادها النفسية والثقافية وموقفها حيال الحياة وشؤونها عموما .
والحوار في النص المونودرامي ليس مقدمة للحدث وإنما هو الحدث ذاته، ولذلك فالحوار ليس وسيلة لمسرحة الأحداث .. وإنما أصبح الحوار غاية نستطيع به اكتشاف حجم التباين واللاتجانس بين الأصوات .. ثم أن الحوار يعزز الترهين السردي، والترهين السردي هو المغذي لفعالية الأحداث وحركيتها بدلا من الإستغلاق الٱستلابي للمونولوج، ثم إن الحوار يمثل رؤية متجددة تذيب سطوة التوجه .
3_ التعدد اللغوي : ويهدف هذا الشرط كشف مستويات الملفوظ اللساني للشخصية مما يؤشر مرجع الشخصية ذاتها عبر الاسلوب اللغوي أو اللهجة أو أبعاد التلفظ.
فالنص المونودرامي لما يحمله من شخوص لها تجسيداتها الحياتية المختلفة مما يبرر تعددية في وسائط الاتصال والتعبير ويأتي ذلك عبر اللغة وأبعادها الإجتماعية والبيئية والثقافية، وتتحالف في النص المونودرامي عبر بوليفونية، حوارية، تعدد الأصوات منظومة من الأصوات ذات المرجع والخلفيات المتباينة ما يثري متن النص المونودرامي وانفتاحه على حوارية معرفية شاملة، فثمة أصوات بطولية، أو رئيسة، أو ثانوية، أو هامشية، أو عميقة، أو سطحية أو فرحة، أو حزينة، أو اجتماعية، أو ذاتية، أو فكرية، أو جمالية، أو ثقافية، أو سياسية، أو أسطورية، أو تشاؤمية ، …
بحيث تغدو الأصوات _ عموما _بنية جوهرية، تقضي .. عدة نصوص، وخطابات، وتعابير .. ) فاللغة في أبعادها السردية والوصفية والحوارية تسعى إلى إبراز مكونات الشخصية المونودرامية بكل ما تحمله من هموم وأفكار، وعليه فالنص _ أي نص _ لدى الناقد ( جيرار جينيت ) كما ذكرت الباحثة له نصوص أخرى سابقة عليه ليتم تواصلها معه وحضورها في بناءه النصي وهو ما أسماه ( جينيت ) ( بالمتعاليات النصية ) حيث يتم لديه الربط بين الأجناس والنص موضحا ما يتضمنه أي نص أيا كان نوعه من علاقات تصله بالنصوص الأخرى من أجناس مختلفة، حاضرة أم غائبة.
وحول اتهام الشخصية المونودرامية بأنها ذات بعد أحادي أو انفرادي تذكر الباحثة ما نصه: “.. إن الشخصية المونودرامية التي تبدو ذات بعد أحادي أو انفرادي تضمر جملة أصوات، ومن ثم فإن ما ذهبت إليه بعض الآراء حول درجة التصريح و البوح التي تنسب إلى الشخصية المونودرامية لم يعد له حضور واسع إلا في بعض منها.
فبواسطة الحوارية والتناصية تصبح الشخصية في متن النص المونودرامي ذات بعد إجتماعي كلي شاملا لذوات متعددة، ومن ثم يستجمع النص بكليته جملة من النصوص الأدبية وغير الأدبية.
وحول اشتغالات ( كريستينا ) في مفهوم التناص وإن فعاليته لا تخص النص المونودرامي، بل يمكن أن يتمدد ليشمل العرض المونودرامي كذلك.
فليس النص وحده حاملا لتلك التناصات داخل بناءه أو هيكلته لتشمل العرض كذلك في منظومته الأدائية والفنية لدى ( كريستينا ) جامعا لفاعلية التبادل النصوصي بين أجناس مختلفة الصورة، والحرف، أو النص المكتوب، مثلا الموسيقى والحرف، أو الحركة والإيماءة، الرقصة والحرف”.
وخلاصة القول في الشعرية كما جاء في ثنايا الكتاب :”إن النص _ أي نص _ وفق مفهوم الشعرية لابد له من الاستعانة بنصوص أخرى لها شعريتها مستثمرا بناءها وتداخلها النصي لتأكيد ماهيته الشكلية، وبذلك فإن نظريات الأدب الخاصة بالأجناس الأدبية قد انتهى تأثيرها الفعلي، لأنها قد اعتمدت على أحادية زمنية أو موضوع / ثيمة .. وهو ما أخذت به الشعرية وتفحصها لمجمل الأجناس الأدبية وفضائها المستشكل من ذاتها وما تستفيضه من نصوص وأجناس وانماط معرفية (تاريخ، أنثروبولوجيا، علوم، سيرة، يوميات ، …الخ ) لتأكيد قوانين الجنس الواحد وهو في حوارية مشتركة مع الأجناس الأخرى، فالشعرية هنا لا تعنى بالجنس وسماته بقدر اهتمامها به من حالة تفاعل لإنتاج شكله النهائي” .
وبالرجوع إلى النص المونودرامي تؤكد الباحثة:” إن النص المونودرامي في حقيقته هو نص له انتساب إلى الجنس الدرامي الأكبر المسرحية غير أن بناءه له تشعبه وتعقده في استضافة من صنوف وأشكال أدبية وغير أدبية، والتي تبدو ضعيفة الصلة بالجنس الدرامي ( سيرة، يوميات، تاريخ، ملحمة , أسطورة ، .. الخ “.
أما كيف تأتي شعرية النص المونودرامي فتذكر الباحثة:” تأتي شعرية النص المونودرامي بذلك بعدة الإنزياح عبر مستوياتها، الشكل، والمضمون، لتنتج في النهاية نوعا من الغرابة وفق (كيليطو) حيث ينفتح النص عنده ليكون بؤرة _ انزياح _ عن أنساق النصوص الأخرى المجاورة بنماذج شخوصه، فإذا قمنا بتصنيف القائلين، فإننا لاشك سنقف على قائل معين موسوم بالغرابة لأنه يبتعد عن التصورات المألوفة لدى مجتمع ما، هذا القائل الغريب يظهر في عدة أشكال، فهناك المجنون والمهرج والمجذوب والساحر والشاذ والشاعر. طبائع تلك الشخوص وتقاليدها الحياتية والأخلاقية والفكرية داخل النص المونودرامي تبعث دون شك بمستويات للإستقبال لدى القارئ ما يكسر آفاق توقعه من حيث تنوع الأساليب والأجناس والأنواع ومنظومة الأجناس غير الأدبية المتوفرة في النص، وذلك ما يبرر حيوية وديمومة الأداء في النص المونودرامي كونه لا يعتمد تقليدا أو شكلا متوقعا لدى المتلقي ذاته “.
ولذلك فإن النص المونودرامي محمل بالمفاجئة وكسر التوقع بوصفه إنزياحا عن البناء النظري، والتعدد للرواة والشخوص، وفضاءات الزمان والمكان .. إن شعرية النص المونودرامي له سعته بانفتاحه على منظومة من النصوص والفنون والآداب منتظمة في أداء درامي له أبعاده التجنيسية دون أحادية بذاتها، ما يبرر أن يوسم النص المونودرامي بكونه نص تفاعل الأجناس بكل أنماطها وأشكالها، وهي سمة يضاهي بها النص المونودرامي صنوف الأنواع والأجناس الأدبية التقليدية الكبرى (ملحمة، شعر ، سرد ، .. الخ ) كذلك اعتماد النص المونودرامي على جملة نصوص خارج بنيته الدرامية ، أي إنه يحمل بعدا ثنائيا ثابتا وآخر متحرك ، فالثابت هو الجنس الدرامي بتاريخه الجمالي، والمتحرك هو تلك الشعرية الواضحة في إيلاء النص وتبنيه لنصوص تجنيسية وغير تجنيسية في بناء شكله المحدث ، وهذه السمة لا تتوفر في كل النصوص، وإنما هي مختصرة على النصوص _ المعالم _ وكما يرى الناقد الألماني ( ياوس ) :” كلما كان النص صورة جاهزة من خصائص الجنس، كانت قيمته الفنية وتاريخانيته متدنيتين ..
إن ناريخية الجنس الأدبي تتجلى في سيرورة إنشاء البنية وما يطرأ عليها من تنويع وتوسيع وتعديل. والثابت يساعدنا على الإقرار بوجود الجنس .
أما المتحول فيساعدنا على تبين نمو الجنس وتطوره ، وذلك ما حملته النصوص المونودرامية مؤكدة اتساع إمكانياتها الفنية بانطوائها على جملة نصوص ذات معالم أدبية وغير أبية “.
ويستقر بنا المطاف هنا إلى المبحث الثالث والأخير في هذا الفصل والذي حمل عنوان “خصائص السرد في النص المسرحي المونودرامي” والتي شكلت في محاور أربعة هي بالترتيب:
- السرد عبر الزمان.
- السرد عبر المكان.
- السرد عبر الشخصية.
- السرد عبر الحدث.
المحور الأول: السرد عبر الزمان
من الثابت والواضح أن النص المسرحي كبقية نصوص الأدب والأجناس الأخرى يحتوي على عدة أزمنة داخل البنية الدرامية فهناك أزمنة تخص الأحداث والشخوص والنص ذاته، وأنه يتوفر على أبعاد الزمن الثلاث (الماضي، الحاضر، المستقبل) حيث يتم تجسيد ذلك عبر الشخوص وبنية الحوار الذي بدوره يعتبر كاشفا عن تاريخ الأحداث، أو بواسطة المكان نفسه من خلال مجموع دلالاته التي تشغله، ففي النص المسرحي المونودرامي _ كما هو معروف _ نصا له سماته التي يحملها وتغطي مجمل عناصره الأخرى، فهو نص زمني، حيث يتخذ الزمن دلالاته في النص ويرسم الأحداث ويكشف الشخصية وحول تنوع أزمنة النص المونودرامي وفق نظريات السرد التي تحدد طبيعة النص الأدبي بعدة عناصر مكونة البنية السردية، ومن هذه العناصر :
1 / الحكاية : أي جملة الأحداث التي تدور في إطار زمني ومكاني وتتعلق بشخصيات من نسيج السارد .
2 / السرد : وهي العملية التي يقوم بها السارد أو الحاكي أو الراوي وينتج عنها النص .
3 / الخطاب أو النص : وهو العناصر اللغوية التي يستخدمها السارد موردا حكايته في صلبها .
وتقسم النظريات السردية طبيعة الزمن الى مستويات تخص _ كما تقدم _( الماضي، الحاضر، المستقبل) وهي من جهة أخرى تسجل طبيعة الزمن من حيث السرعة والبطيء، وتتوزع هذه الثنائية على عناصر تقوم بأدائها داخل النص المونودرامي مثل:
1_ الإسترجاع : وهو عملية سردية تتمثل في ايراد السارد لحدث سابق على النقطة الزمنية التي بلغها السرد ، وهو ثلاثة أنواع :
استرجاع خارجي : يعود إلى ما قبل بداية المسرحية، ومثاله ظهور الشبح في هاملت .
إسترجاع داخلي : يعود إلى ماض لاحق ببداية السرد وقد تأخر تقديمه في النص، ومثاله حادثة الراعي الذي حمل اوديب إلى خارج المدينة .
إسترجاع مزجي : وهو ما يجمع بين النوعين .
2 _ الإستباق : وهو عملية سردية تتمثل في إيراد حدث آت أو الإشارة إليه مسبقا، وتقنية الإستباق هي واقعة في مجمل النصوص في أخذ الشخصيات بالتطلع إلى آفاق المستقبل بهدف الخلاص من وقائع وأحداث لها أثرها في حياتها المعاشة.
. وهناك تقنيات أخرى لها أثر في طبيعة السرد في النص المسرحي المونودرامي ، وهما مما يتشارك به النص المونودرامي مع النصوص القصصية والروائية وهما :
تسريع السرد :
ويشتمل على الخلاصة والحذف، وفي الخلاصة يرى ( بنتلي ) بأن “أهم وظائف السرد التلخيصي وأكثرها تواترا هو الإستعراض السريع لمدة من الماضي، فالراوي بعد أن يكون قد لفت انتباهنا إلى شخصياته عن طريق تقديمها في مشاهد، يعود بنا فجأة إلى الوراء ثم يقفز الى الأمام لكي يقدم لنا ملخصا قصيرا عن قصة شخصياته الماضية، أي خلاصة إرجاعية”.
فالسارد يتيح بعد الزمن الماضي في وصف وسرد أحداث وفق ما يراها الآن كما في نص “مصباح النوم” للكاتب (عبد الحسين ماهود) حيث يعيش الرجل وحدته يذهب الى ذكرياته مع زوجته وما انتهت به الحال بعد فراقها ليعيش على تلك الذكريات.
“غادرتني دون إذن، يالها من امرأة، إمرأة بلا وازع من قوة، قوة ما أتاحت للمدام صبر على طيش سرير بل أتاحت لها الرحيل بنصف هذا السرير الذي خانتني معه ، من أحال سرير نومنا المزدوج إلى نصفين”.
أما الحذف: فيعرف بأنه “حذف الأحداث التي تقع في فترة معينة والإشارة إلى هذه الفترة مثل: ( ومر عام من الأحداث ) .
وهناك نوعان من الحذف :
- ظاهر : وهو الذي يشير إليه الكاتب عبر عبارات موجزة جدا ( وقضيت عشر سنوات ) أو ( بعد عدة أسابيع ) .
- ضمني : يتم الإنتقال فيه من مدة إلى أخرى بعيدا عن التحديد الدقيق بمعنى إنه يتخذ من الزمن أبعادا غير محدودة.
وبخصوص التقنيات التي تذهب إلى تعطيل السرد نقرأ: “هناك من جهة أخرى بعض التقنيات التي تذهب إلى تعطيل السرد وهما :
1/ المشهد : ومهمته كشف الشخوص التي يتم التعرف عليها في بداية النص ونهايته وجعل المتلقي بتعرف على أبعادها الشخصية وأفعالها الحياتية، كما يتم الكشف عن الشخصية حين تدخل إلى مكان أو وسط جديد” .
2/ الوقفة : ويتم بواسطة المقاطع الوصفية التي تخفف من سرعة القص وتؤجل متابعة الأعمال، وهذا يوقف أو يعطل زمن السرد.
لذا جعلو الوصف يقوم بالوظيفة التمطيطية التأخيرية، ومثاله نص مسرحية “المتحف” للكاتب (أكرم الأعرجي) حيث يعتمد النص بعض التوقفات لوصف الآثار التاريخية التي يضمها المتحف في قاعاته، عبر شخصية ( الحارس ) حين يقلب تلك الآثار ودورها في حياة العراقيين القدماء، فنراه يقف أمام الثور المجنح واصفا شكله وأبعاده التاريخية: ” ينهض باتجاه الثور.. انطق أيها الثور .. مازلت منذ أن تجردت أسماء الحضارات من مكنوناتها صامتا هكذا، بجناحيك المحفورتين على مرمر القلب، تخيل يا صديقي وأنت تجلس منذ الأزل على كرسي الحضارة، ماذا سيحدث لك هل ستثور من أجلي .. لا .. لا سأضحك رغما عنك، ربما ستثور على مقعدك باحثا عن بديل، أو .. أو .. ما هذه الأفكار فلأعد إلى كأسي قد تصلح ما أفسدت. ( يتحرك نحو الكأس )
وفي المحور الثاني : السرد عبر المكان
وره الأولى نقرا: “تعد الفنون المسرحية ذات سمات حاملة لفن الأداء، وفي العادة فإن الحدث يقع في مكان ما وله بعد زمان للوقوع. لذا كانت النصوص المسرحية لها سمة تتفرد بها عن النصوص الأدبية والفنية الأخرى، باعتبار أن المكان هو موقع الأحداث، ويتم فيه فعل الصراع بين طرفي الخير والشر، ومن هنا يصبح النص المكاني شاملا بلغة المكان الكوني، ليس من مكان جغرافي غير النص الذي يحول جزئيات المكان الواقعي إلى فن”.
وعليه فالقارئ او المتلقي للنص المسرحي وفقا لما تقدم يستطيع أن يتخيل هذا الفضاء المكاني عن طريق الوصف السردي . والثابت إن المكان يعتبر كاشفا عن الأفراد ودواخلهم ومشاعرهم وفقا للمكان الذي يقيمون فيه.
وحول ما يسمى (روح المكان) نقرأ :”.. النص المسرحي يحمل ذات السمات من حيث دور المتلقي أو القارئ في البحث عما هو أبعد من المكان المرسوم داخل فضاء النص، فهناك ما يسمى (روح المكان) _ روح المكان الفريدة _ وهي تستعمل الإقتراح إن الناس يجربون شيئا يتجاوز خصائص الأماكن الطبيعية أو الحسية، ويستطيعون الإحساس بارتباطهم بروح المكان، إذا كان المكان يمتد وراء الواضح إلى عوالم العاطفة والإحساس”.
ومن المعروف أن المكان يقترن لدى النقاد بالوصف المادي التجريدي للمكونات السردية من جهة الحركة والثبات، والغياب والحضور، وهاتين الثنائيتين هما المحوران الرئيسيان للمكان الفاعل. وبخصوص حضور العلامات أو الأشياء داخل النص المسرحي المونودرامي فالقوانين التي تحكم العوالم المسرحية ليس لها صلة بعيدة بالقوانين تتحكم بالعالم اليومي ، فالأشياء الموصوقة مثلا تولى أهمية خاصة وتصبح جديرة بالملاحظة لأنها قد (لوحظت ودونت) وأقيمت بينها صلات وثيقة بسبب ندرتها الجوهرية وحول وصف العلامات الحكائية في متن النص المونودرامي وأبعادها نقرأ :
1/ البعد العمودي: ويستخدم عندما تكون هناك حاجة لوصف ما يحيط بكل تفاصيل المشهد الموصوف ويكون بانتقال الوصف من الأسفل إلى الأعلى .
2/ البعد الجانبي: والرائي ينتقل من شيء إلى شيء محاولا رصد كل ما يقع في مستوى أفقي .
3/ منظور القرب والبعد: ويكون بالإنتقال مما هو قريب في المكان إلى ماهو بعيد وبالعكس .
4/ بعد الإجمال والتفصيل: وفيه يتم وصف المكان بعد إجماله.
5/ البعد الزمني: ويكون بوصف المكان ذاته في أزمنة مختلفة .
6/ البعد المتحرك/ الرؤية المتحركة : وهي التي ترصد المكان ويكون فيها الرائي متحركا.
وحول المهم في تشكلات النص وأبعاده المكانية تؤكد الباحثة ما نصه:” .. المهم من تشكلات النص وأبعاده المكانية ليست العلامات الجغرافية الطوبوغرافية للنص الفني لأن وظيفتها تنحصر في تحديد المكان فحسب وإنما الأمر المهم بخصوص المكان هو تعريفه لآليات الإنزياح والإنكسار وتلك استراتيجية المناص في تفتيت المكان الواقعي / الثقافي وامتصاصه وانتاجه بصورة متغايرة حتى تتحقق الوظيفة الشعرية / الجمالية التي يتمظهر بها المكان في الخطاب النصي بنكهة خاصة ومتميزة كنتاج مركب لتشابك الأبعاد البنيوية، الدلالية، الرمزية، الآيدلوجية”.
ومن المعروف أن المكان يلقي بظلاله على الشخصية المعاصرة بأبعاده الجغرافية لينتج لنا ما يسمى بالبعد الإغترابي، لذا نرى إن الإغتراب عماد هذه العلامات وهو ما يشمل النصوص المونودرامية، حيث يتحدد البعد النفسي للشخصية بسمات الإغتراب عبر الخواء النفسي ووجودي وضياع بلا حدود وتجديف وجودي غامض يلازم الإنسان في معاناته الدائمة”.
وحول اغتراب الشخصية وعزلتها الدائمة تذكر الباحثة: “إن اغتراب الشخصية وعزلتها المكانية يدفعها من بعد إلى ان تنشيء مونولوجات ذاتية أو حوارات مع الأشياء آليا يخطها داخل المكان أو أنها تستدعي شخصية أخرى من أحداث الماضي أو من الذاكرة لتجعل منها طرفا آخر في الحديث وهو ما اصطلح عليه في نظريات السرد بالمروي له أو المسرود له، أو المروي عليه، ويقصد به تحديدا العون السردي الذي يوجه إليه الراوي مرويه عند صفة معلنة او مضمرة، وهو كائن متخيل وهو مستقل عن القارئ الواقعي ويمكن أن يكون خارج الحكاية أو داخل الحكاية”.
ونتيجة للعزلة المكانية التي عادة ما تكون عزلة سلبية تنعكس على ذات الشخصية، فإن الراوي ( الشخصية ) تذهب من أجل الحوار إلى المروي له، والذي يتجسد بالعموم بالأشياء التي يحتويها المكان من أثاث وعلامات وعدد، لتكون موضع حوار مع (الراوية الشخصية) داخل المكان المنعزل عن مجريات الحياة من الخارج، حيث تقوم الشخصية الراوية بدور المروي له أحيانا متبادلة أدوارها وحضور الأشياء والأحداث، ومثالها في مسرحية “السيف وزينب” للكاتب ( عمار نعمة جابر ) .
( صوت طرقات على الباب )
(زينب تحدث نفسها) : زينب .. ها أنت لوحدك في حجرتهم، والعسكر والقادة خارج الأسوار…ينتظرونك يا زينب.. فأنت بقايا الثوار وبقايا أفكار الثوار. زينب … يا زينب، ها أنت تملكين لغة الموتى.. وهذا سبب كاف كي يحاصرك العسكر في الحجرة زينب.. أنت تملكين ذكريات الثوار ..
وبقايا أفكارهم .. وساعات ثورتهم.
فالمروي له خارج أحداث السرد وفضائها المكاني، عبر أوهام الشخصية وحواسها نتيجة ما ألحق بها من أضرار نفسية واجتماعية.
وبالإنتقالة إلى نص آخر هو “مجنون يتحدى القدر” للكاتب (يوسف العاني) يكون المروي له خارج المكان ليصبح مؤشرا في سلوك وشخصية المجنون وبناء الأحداث وتطورها في صراع الذات مع ذاتها ومع الآخر ممثلة بالقدر :
القدر : ولكنني أنا القدر !؟
المجنون : القدر .. القدر .. ما أثقل هذه الكلمة على سمعي ، أريد مقاضاتك .. أريد مقاضاتك
القدر : قاضني ولا تغضب .
المجنون : ومن يكون القاضي !؟
القدر : القدر طبعا .
المحور الثالث : السرد عبر الشخصية
حيث جاء في سطورها الأولى ما نصه: “تعددت نظريات وجهة النظر وفق التجارب التي أخذت بها النصوص القصصية، إذ استخلص النقاد جملة قراءات ونظريات عن الكيفية التي يقدم بها الكاتب شخوصه في النص القصصي، وتتفق هذه النظريات رغم اختلافها على أمر واحد وهو جوهر نظريات التبئير الذي هو المنظور الذي من خلاله تعرض الوقائع، والمواقف المسرودة، الوضع التصوري والإدراكي الذي يتم وفقا له التعبير عنها، والذي بدأه الناقد ( هنري جيمس ) عن زوايا السرد والتي يرى فيها ( إن أعلى أشكال هي تلك التي يبدو فيها المؤلف غائبا”.
ويرى أحد الكتاب: ” إن أغلب شخوصه في نصه الفني تعاكسه فيما يحمله من أفكار” .
وحول أطراف فعل التبئير تذكر الباحثة :”يقوم فعل التبئير على طرفين أو فاعلين رئيسيين هما : السارد والمتلقي، والسارد هو صاحب النص، إذ يرينا الأحداث بعيني هذه الشخصية أو تلك أو بعينه هو، بدون أن يكون في حاجة إلى الظهور على مسرح الأحداث، وهو الذي ينقل لنا الحدث من خلال حوار شخصيتين أو وصف موضوعي، ولا يمكننا تحديد ملامح صورته الحسية لارتدائه أقنعة عديدة في أثناء السرد”.
والمفروض إن النصان القصصي والمسرحي المونودرامي لهما سمات سردية تخص مفهوم التبئير، حيث أنهما يقومان على فعل الإتصال اللغوي، وبأن أنا وأنت مفروضان مسبقا، وأن يتناوب أحدهما مع الآخر، وبنفس الطريقة لايمكن أن يكون نص أدبي بدون حاك وبدون مستمع وقارئ ) وحول ما يخص الحكاية وآراء (جيرار جينيت) حول مصطلح التبئير، إذ يرى إن الحكاية يمكن أن تصنف إلى الآتي بحسب الباحثة: حكاية ذات سارد عليم :
الرؤية من الخلف:
- حكاية ذات سارد هو نفسه شخصية من شخصيات الحكاية : الرؤية مع .
- حكاية ذات سارد موضوعي وهو الذي يعلم أو يقول ، أقل ما تعلمه الشخصية :
الرؤية من الخارح:
وحول دور السارد في النص المونودرامي _ إذ لا توجد حكاية دون سارد _ عبر صيغة من الذي يحكي، ومن الذي يعطي المحكي، وبحسب الكتاب يقدر إن هناك ثلاثة تصورات وهي :
التصور الأول : إن المحكي يصدر عن ذات الكاتب وهي خارج عن المحكي .
التصور الثاني : فهو غير شخصي ويتم عبر السارد الداخلي الذي يعرض كل ما يدور في داخل الشخوص ، وهو في الوقت نفسه سارد خارجي لأنه لا يتطابق أبدا مع شخصية أكثر من غيرها .
التصور الثالث : هو النظر إلى أن كل شخصية تعبر عن الحكاية.
وحول صيغ التبئير في النظر الى طبيعة السارد وآراءه داخل النص السردي فهناك ثلاثة نماذج هي موضع اهتمام مجمل المعنيين بالسرد ومفهوم التبئير كما تذكر الباحثة وهي :
جينيت : التبئير في درجة الصفر ويقابله عند ( بوبون ) : الرؤية من الخلف. وعند ( تودوروف ) : السارد يعرف أكثر مما تعرف الشخصية .
جينيت : التبئير الداخلي ويقابله عند ( بوبون ) : الرؤية مع وعند ( تودوروف ) : السارد يعرف نفس ما تعرفه الشخصية .
جينيت : التبئير الخارجي ويقابله عند ( بوبون ) الرؤية من الخارج ، وعند ( تودوروف ) السارد يعرف أقل مما تعرفه الشخصية .
وتشير بعض الدراسات السردية إلى ما يسمى ب ( المروي له ) وهو ما يجاور صورة المتلقي أو القارئ، وفق ما يرد من ضمائر مثل ضمير المتكلم والغائب، وفي العادة يكون المروي له من الخارج من خارج الحكاية وهو ما يجعله يتماهى والقارئ المتلقي المفترض كما جاء في الكتاب .
والثابت أن النص المونودرامي لا يختلف عن أي نص آخر في احتوائه على مرسل إليه ما دامت كل حكاية تبطن دائما بنداء إلى مرسل، مثله في ذلك مثل كل خطاب.
ثم ينتقل بنا الكتاب إلى تناول أمثلة تطبيقية على كل ما تقدم والتي استهلها بمسرحية “مجنون يتحدى القدر” للكاتب (يوسف العاني)، ومسرحية “الهراوة لازالت في يدي” للكاتب (حسن الغبيني) ومسرحية الكاتب (سعدون العبيدي) “منقار من حيد” .
ففي مسرحية مجنون يتحدى القدر يتخذ المجنون من القدر (مرسل إليه) او (المسرود له) او (المروي له) ليبث في ثنايا النص أفكاره حول الحياة وهي من ثم أفكار موجهة إلى المتلقي نفسه، إذ تتخذ الشخصية من ضمير المخاطب صيغة للتعبير عن دواخلها مما يساعد على كشف أفكارها هي عبر وسيط سردي هو القدر .
المجنون : أنت تقاضيني !!؟ .. ياللسخرية
القدر : هبها ما شئت ولكنني سأقاضيك
المجنون: (يضحك)
القدر : لو قدر لك أن تكون أنت القدر فما الذي أنت فاعله ؟
المجنون : لن أفعل الذي تفعله مطلقا .
القدر : أمتأكد أنت من ذلك ؟
المجنون : طبعا متأكد .
وفيما يخص مفهوم التبئير القائم على حضور السارد، حيث يجد المتلقي في نص العاني تنوعا في حضور صوت السارد حيال الشخصية، فالسارد يعلم أكثر مما تعلمه الشخصية أو ما يسمى ب ( الراوي العليم ) كما في الحوار الآتي :
القدر : بيد أني سأقاضيك بنفسي لأنك متهم
المجنون : أنا .. أنا .. لست ظالما .
القدر : كلكم سواسية تنشدون العدل وتظلمون، وتبتغون الصلاح وتفسدون .. كل منكم يضع اللوم على غيره .. ناسيا أنه شريكه، لقد فسد المجتمع بفسادكم وأوشك العالم أن يفسد.. لولا بقية من نور .. أجبني .. ألست واحدا من هؤلاء الناس ؟
المجنون : ولكن .. .
القدر : أنظر كيف الإنسان يتمنى الموت لأخيه الإنسان، أتنكر ذلك؟ هذه الحروب، هذه المطاعن، نزوة في نفس أحدكم كفيلة بإبادة شعب بأكمله _ أنظر _ هذا الظلم ، هذا الإستعباد ، أأنا الذي سلبت من قلوبكم الرأفة والرحمة !؟ أأنا الذي سلبت من نفوسكم الإخاء والحب!؟ أنت تتهمني بأني المجرم الوحيد ناسيا أن الإنسان هو المجرم الأول.
وتتعادل الشخصية مع السارد وفق مفهوم التبئير في مسرحية ( الغبيني ) “الهراوة لازالت في يدي” حيث تتنازع شخصية المجنون وهو في سوق للقمامة، صور تبدو واقعية وأخرى خارج حدود المألوف، لقدرات الإنسان وقواه العقلية :
المجنون : أيها المطر .. أخبر السماء بأني صاعد إليها، أنا الزمن الممتد عبر الحكايات، أيتها الأرض كل أبناءك سجدو لي، ما ارتويت أخرجو جميعا، اللعنة عليكم .. أنا الرجل المشدود إلى كرسي الشوق .. لا أحد يستطيع أن يقتلع جذري من بواطن الأرض الكراهية تنمو في داخلي، هكذا سوف أريكم المزيد.
وتبدو الشخصية في نص الكاتب (سعدون العبيدي) المعنون “منقار من حديد ” خارج سيطرة السارد، لتكون حرة في رسم ملامحها النفسية والإجتماعية، فالمرأة ( الأم ) تعبر عن مشاعر الأمومة وفق ما ألفته الذات الإنسانية الممثلة ب ( الأم ) من أحاسيس دون تدخل من ذات السارد، حيث يبدو حوارها في أقصى درجات الوضوح والصدق، فالصحوة من الحلم لها سماتها العامة والإنسانية، الأمر الذي جعل من الأم شخصية معبرة عن ذاتها بمشاعر بذاتها :
ماذا جرى ؟ شيء غريب .. إنه حلم .. حلم .. كنت أحلم، كان حلما مزعجا، بدا لي وكأنه حقيقة، ولكن ..( بحيرة ) غير معقول (تسير مسرعة نحو ابنتها) إنها نائمة (تتجول داخل الغرفة) كل شيء هادئ لو لم يكن ما رأيته حلما لهلكت لا محالة. إني ما زلت على قيد الحياة، هذا شيء يسعدني، إيه قلبي مازال يخفق بشدة، ضوء الفانوس مازال مشتعلا، نسيت أن أطفئه، لا أدري متى وكيف غفوت؟ أنا قلقة ومتعبة .. هذا من أثر الحلم، أشعر بالبرد .. بالخوف .. بالوحشة .. أين وضعت المرآة؟ .
وهناك نصل الى الموضوع الأخير في هذا الفصل وهو “السرد عبر الحدث” وجاء في مستهله: ” يعد النص المسرحي في جوهره نصا يعتمد في بناءه على الحدث، وهو ما يفرقه عن النصوص الأدبية أو الأجناس والأنماط المسرحية الأخرى … إذ تبدأ المسرحية من مرحلة المعلومات ونقطة انطلاق الحدث، والحدث الصاعد والأزمة والتعقيد والذروة والنهاية ثم الحل.
ويأتي تحول الحدث ملازما لتحولات تخص المكان والزمان وطبيعة تكوينها وأبعادها الثقافية والبنية الهندسية.
ويستمر الكتاب بالحديث عن الحدث :”.. يأتي الحدث باعتباره فعلا إنسانيا يقع في مكان ما، لتكون لذلك المكان أبعاده وشخوصه وساكنيه، لذا فإن الحدث في المكان يصبح دون خاصية تعني شخصية بذاتها، فهو شامل وعام وظاهر ليحمل الشخوص ومن هنا تأتي أفعال السرد عبر الحدث، كما يقترن بالزمان .. فلا حدث خارج زمانية ما، وللحدث ارتباطه بالزمن، باعتبار الحدث إقتران فعل بزمن، كما يقترن الزمن بالفعل من جهة أخرى، ذلك أنه ضابط الفعل وبه يتم، وعليه نبضاته يسجل الحدث وقائعه.
وحول تنوع الحدث في النص المونودرامي تذكر الباحثة ما نصه: ” تتنوع الأحداث في النص المسرحي المونودرامي على سمات وهي :
1/ البناء المتتابع : ويقصد به تتابع الوقائع في الزمان .
2/ البناء المتداخل : ويقصد به تداخل الوقائع في الزمان .
3/ البناء المتوازي : ويقصد به توازي الوقائع في الزمان .
4/ البناء المكرر : ويقصد به تكرار الوقائع في الزمان .
ويؤشرها الناقد ( تودوروف ) إلى ثلاثة أنماط فعلية زمنية :
- التتابع
- التضمين
- التناوب
إن أنماط بناء الحدث وأبعاده الزمانية تتبع تتوعا للسارد وتعدد الرؤية إزاء الحدث الواحد، فالشخوص في النص المونودرامي ترصد الحدث وفقا لطبيعة فضائها وأوضاعها النفسية والذاتية ، وزاوية الرؤية كذلك، فالحدث تغيير من الحالة يعبر عنه في الخطاب بواسطة ملفوظ فعل من (يفعل) أو (يحدث) و(الحدث) يمكن أن يكون (فعلا) او (عملا) او حادثة عرفية عندما يحدث التغيير بفعل فاعل وتعدد الأحداث هي و(الكائنات) المكونات الرئيسية للقصة .
ويتخذ الحدث أو الفعل الدرامي سمته السردية في النص المونودرامي من حيث رصد حركة الشخص الذي يقوم بالفعل، كأن ينقل غرضا من مكان إلى آخر، يفتح بابا، يشعل سيجارة، يعانق والدته أو حبيبته، يفتح النافذة، ويظهر الهدف والمغزى من هذه الحركة أو تلك بالطريقة التي تنفذ بها الحركة بعصبية، بفرح، بلادة، غضب، تمويه .. ويكشف ( الفعل ) عن الحالة النفسية ويلمح إلى المتوقع ” .
وحول موضوع التواتر ودوره في الحدث نقرأ :” .. يقدم الحدث في نظريات السرد عبر ما يسمى ب التواتر وهي الطريقة التي تقدم بها الحادثة من وجهات نظر متعددة ويأتي التواتر على أربعة أنواع وهي كالآتي :
1/ أن يروي مرة واحدة ماخدث مرة واحدة ، وهذا النوع من علامات التواتر هو بدون شك الأكثر استعمالا .
2/ أن يروي أكثر من مرة ماحدث أكثر من مرة .
3/ أن يروي أكثر من مرة ماحدث مرة واحدة، ويمكن أن يروي الحدث الواحد مرات عديدة بتغيير الأسلوب وغالبا باستعمال وجهات نظر مختلفة، ويسمي ( جينيت ) هذا الشكل ( النص المكرر ) .
4/ أن يروي مرة واحدة ماحدث أكثر من مرة .
وفي هذا الصنف من النصوص يتحمل مقطع نصي واحد تواجدات عديدة نفس الحدث على مستوى الحكاية. إن حضور السارد في النص المونودرامي يتطلب عدة وظائف تتخذ سمتها من طبيعة الأفعال التي يؤديها السارد نفسه في طرحه للحدث.
وحول وظائف السارد تؤكد الباحثة ما نصه :
1/ تتحدد للسارد عدة وظائف :
أ _ وظيفة السرد نفسه وهي بديهية، إذ أن أول أسباب تواجد الراوي سرده للحكاية .
ب _ وظيفة تنسيق : فالسارد يأخذ على عاتقه التنظيم الداخلي للخطاب (تذكير بالأحداث، أو سبق لها، ربط لها، أو تأليف لها (سوف أقص عليكم الأحداث التي وقعت في مكان كذا … )
ج _ وظيفة إبلاغ : وتتجلى في إبلاغ رسالة للقاريء سواء كانت تلك الرسالة الحكاية نفسها أم مغزى أخلاقيا أو إنسانيا .
د _ وظيفة إنتباهية : وهي وظيفة يقوم بها السارد تتمثل في اختبار وجود الإتصال بينه وبين المرسل إليه .. ( قلنا يا سادة يا كرام ) .
ه _ وظيفة إستشهادية : وتظهر هذه الوظيفة مثلا حين يثبت السارد خطابه المصدر الذي استمد منه معلوماته أو درجة دقة ذكرياته
كأن يقول :”وقعت هذه الحادثة، أنا أتذكرها جيدا في عام 1956 ” .
و _ وظيفة آيدلوجية، أو تعليقية : وتعني النشاط التفسيري للراوي وهذا الخطاب التفسيري أو التأويلي يبلغ ذروته في الروايات المعتمدة على التحليل النفسي، كأن تشعل امرأة نيران الحب في قلب البطل فيوقف الراوي سرده ويتحدث عن الحب بصفة عامة، أو يفسر أسباب نشوء الحب عند بطله.
ز _ وظيفة إفهامية او تأثيرية : وتتمثل في إدماج القارئ في عالم الحكاية ومحاولة إقناعه وتبرز هذه الوظيفة في الأدب الملتزم .
ح _ وظيفة إنطباعية أو تعبيرية : وتعني تبوء السارد المكانة المركزية في النص وتعبيره عن أفكاره ومشاعره الخاصة .
وحول السرد في الحدث وتحولاته على مستوى الشخصية أو عموم الحدث في المتن المونودرامي نقرأ :”.. يتخذ السرد في الحدث وسيلة لإنتاج جملة تحولات تخص الشخصية أو عموم الحدث في المتن المونودرامي ومنها :
1 / تحولات الصيغة: ويتم عن طريق مجموعة من الأفعال التي تحتم احداث الفعل مثل (يجب)، (إستطاع) .
2 / تحولات القصد: وتخص الأفعال التي في دور التكوين والنوايا مثل ( نوى ) ، ( حاول ) .
3 / تحولات النتيجة : وهو ما يحكم على ما تنتهي به الأفعال مثل ( نجح ، بلغ ، حصل ) .
4 / تحولات الطريقة : وتخص الطريقة التي يجري فيها الحدث مثل سارع ، تجرأ .
5/ تحولات المظهر : وتدل على أفعال الإستمرار والتكرار مثل ( شرع ) .
6/ تحولات الوضع الإعتباري : تحويل الشكل السلبي إلى إيجابي أو بالعكس.
بعد ذلك تنتقل الباحثة للتطبيق الإجرائي على كل ما تقدم ذكره متخذة من مسرحية الكاتب العربي ( عز الدين المدني ) ونصه “شجرة الدر” عينة لها متناولة سيرة حياة الأميرة المعروفة ( شجرة الدر ) والتي تولت الإمارة في العصر العباسي، وكانت قد تكالب عليها الأعداء من الداخل و الخارج بسبب كونها امرأة، فكانت مسرحية ( المدني ) معالجة لها حين تسرد الشخصية الرئيسية في النص المونودرامي حكايتها التي تتوزع على عدة أهداف وتحولات وشخوص (مروي له). ويتخذ السرد لدى الشخصية إسترجاعات لناريخ المعارك والدسائس التي واجهت زواجها من الأمير، ومحاولة أعدائها للتفريق بينهما، ويتم ذلك بواسطة روي الأحداث داخل النص متمثلا بخادمتها ( ناريمانا ) التي تتحول إلى مروي له في متن النص المونودرامي، ولتكون شاهدة أيضا على الأحداث التي رافقت سيدتها ( شجرة الدر ) في حياتها الإجتماعية والسياسية وأبعادها النفسية الداخلية:
_ أوما زلت تتذكرين يوم الفرح بجسم الأنثى؟ هكذا يومها سميناه فكان يوم عيد الأضحى، فخلونا في قدرنا واحتفلنا كما تحتفل العرائس. وعزفنا .. وغنينا .. ورقصنا كالمجانين، وزينت عينيك بالأثمد، وشفتيك بلون الورد، وخصلات شعرك بحب المرجان وثدييك بالنجوم الزهر، وسرتك بروح الصندل .. ما أروعك .
وتذهب الأحداث وتحولاتها إلى مروي له خارج النص يتمثل بالجمهور حين تخاطبه ( شجرة الدر ) وتساؤله عن ذاتها وعما اقترفته من أخطاء :
عذرا أيها المجلس الكريم، وألف عذر عن التصريف بنفسي _ فليس هذا من عاداتي _ عذرا عن ذكر صفاتي، وتعداد ألقابي والتنويه بأعمالي ومشاريعي في عهدي السلطاني الملكي، كان لزاما علي أن أذكر نفسي، وأنا في انتظار الجلاد ليأخذني بين لحظة وأخرى إلى الموت! ، لكنني لا أخشى الموت! لو لم أذكر شيئا في حياتي فمن الذي يتذكرني؟ ومن ذا سيصف سيرتي؟ وسيبين ألقابي، وسيقيم أعمالي، وإذا ما صادف أن يتذكرني أحد من الزمن الآتي
فهل سيكون نزيها ، صادقا ، منصفا ، عدلا ؟
ترى من سيكون !؟ .
ويتوفر في النص مروي له غائب
حين تسرد شخصية ( شجرة الدر ) ذكرياتها مع ابنها ( خليل )
وأحاديث الأسرة وطبيعة الأب في تعامله مع ابنه : “وقبل النزع الأخير هتف أبوك السلطان باسمك مرات ومرات يا خليل تقيأ تمام رئتيه فلم يبق في صدره شيء سوى اللهاث، طلبك .. ألحف في طلبك، لقد أوحشته طويلا وكثيرا ياولدي، فلم أر في حياتي قط والدا أحب ولده مثل والدك، حبه لك حب سلطاني فريد، فاق حتى حنانه على ابنه الآخر غياث الدين من امرأة أخرى، كان يعتقد أنك ستكون ولي عهده في السلطة، وهو يتهاوى بين سكرات الموت” .
أما طريقة تقديم الأحداث وروايتها أو ما يسمى في نظريات السرد ب (التواتر) فقد احتوى النص على نوعين من أنواع التواتر، ويتقدم النوع الأول وهو رواية الحدث الواحد مرة واحدة من قبل السارد وهو شخصية ( شجرة الدر ) :
” بل إن أول أخطائي لربما أولها _ أعترف _ اني تزوجت بعز الدين أيبك التركماني _ كان مجرد ضابط صف _ إثر وفاة زوجي الأول السلطان الملك الصالح نجم الدين بشهور قليلة _ كان قاضي القضاة مندهشا من فعلتي _ كان مجرد ضابط صف بسيط وأقل من بسيط في جيش الخيالة، هذا الذي كان يعيش في الإسطبل السلطاني، لم يعرف إلا نادرا ساحة الحرب تزوجت به ورضيت، وأنا يومئذ سلطانة، ملكة المسلمين حتى أقطع ألسنة الفيل والقال في عرضي”.
أما النوع الآخر فهو ما أسماه ( جينيت ) ب ( النص المكرر ) حيث يتم الروي أكثر من مرة لحادث حدث مرة واحدة، وهو محاصرة أعداء ( شجرة الدر ) وتقولاتهم حول سلوكها الحياتي والإجتماعي وتاريخها الأخلاقي :” .. ولكن قالو .. إنما هي جارية ! فما أبعدها عن حرائر النساء, سمعتهم يتكلمون فيما بينهم خلف الباب .. ماهي إلا رقاصة في المواخير، مغنية رخيصة في خمارات النصارى، أين هي من سلطان الملك إذن !؟
خاطبوني وعيونهم وقحة مقهورة:
إلرمي بيتك يا أمة الله المرأة لم يخلقها الله لمناقشة الفلاسفة الملاحدة في المعقول والعاقل العقلي والعقلاني ، لمناظرة الأدباء والنحاة الزنادقة في وظيفة حرف حتى ، إهتمي بشؤون بعلك وفراشه ، بمأكله وبمشروبه ، وكفى الله المؤمنين القتال , أنت نقمة على زوجك !
همسو في قاع الحوانيت ثم هتفو في الشوارع :
أهي سلطانة حقا !؟ تريد سلطنة للنساء لإذلال الرجال ! مملكة للإناث ! ياله من عصر هابط !! ياويلنا ! ) .
وهنا نصل الى الفصل الثاني من هذا الكتاب المعنون “سرديات العرض المونودرامي” حيث ضم مبحثين، الأول جاء تحت عنوان ” السرد عبر سينوغرافيا العرض المسرحي المونودرامي“، والثاني جاء بعنوان “الأداء التمثيلي في العرض المسرحي المونودرامي بين الارسطية والملحمية“.
حيث سلطت الباحثة في سطوره الأولى الحديث عن الشعرية وفقا للمبحث الأول مؤكدة ما نصه:” يعد العرض المسرحي خطابا جامعا لمنظومة من الفنون المتنوعة بين الفنون الزمانية والمكانية، وفنون الأدب بأجناسه المختلفة، وهو ما وسم خطاب العرض المسرحي ب (الشعرية) باعتبارها خصيصة علائقية أي أنها تجسد في النص شبكة من العلاقات التي تنمو بين مكونات أولية سمتها الأساسية أن كلا منها يمكن أن يقع في سياق آخر دون أن يكون شعريا، لكنه من السياق الذي تنشأ في هذه العلاقات المتواشجة مع مكونات أخرى لها السمة الأساسية ذاتها يتحول إلى فاعلية خلق للشعرية ومؤثر على وجودها” .
وتتجسد شعرية العرض في تكامل الفنون التي تتخذ من الفضاء المسرحي موقعا أدائيا لها، إذ تتجاور تلك الفنون لتكون في النهاية نسيجا موحدا
متنوعا متجها نحو المتلقي، ووفق راي الناقد الروسي (باختين): “فإن خطاب العرض المسرحي ينطلق من تعددية اللغات والخطابات والأصوات، وتنوع خطاب العرض المسرحي يتشكل من نوعين من الفنون التي تتداخل معه، يأتي التداخل على شاكلتين:
لسانية تخص فنون الأدب ولا لسانية _ إن صح التعبير _ تخص الفنون البصرية”.
ثم تمضي بنا الباحثة بالحديث عن تقسيمات الناقد ( تادوز كافزان ) وشمولية هذه التقسيمات وترى إنها تتيح أداء لكل صنف أو نمط من الفنون بكل سماتها المكانية والحركية والزمانية، مما يجعل من خطاب العرض منظومة تحتوي على ضروب من الأشكال والبنى والتوحد مع بعضها البعض ومع المتلقي أيضا، وفق الجدول الآتي :
النص المنطوق = الكلام / النبر
تعبير جسدي= إيماءة/ حركة / تحرك
المظهر الخارجي للممثل= مكياج/ تسريحة/ لباس
مظهر المكان = إكسسوار/ ديكور/ إضاءة
مؤثرات سمعية وبصرية= موسيقى / مؤثرات صوتية
علامات سمعية : زمن / علامات سمعية بوجود الممثل
فضاء وزمان/ علامات بصرية بوجود الممثل
علامات بصرية : فضاء / علامات بصرية
علامات سمعية : زمن / علامات سمعية خارجة عن الممثل
وحول موضوع الإستقبال أو القراءة تذكر الباحثة :”.. إن فعل استقبال الخطاب المسرحي تتنوع بتنوع علاماته تلك من زمان ومكان وحركة، وبذلك فإن فعل الإستقبال أو القراءة يقوم على أربعة مستويات وفقا ل ( شعرية ) الخطاب المسرحي :
المستوى الأول : وهو مستوى حسي يعتمد على الحواس، الشم والبصر، والسمع واللمس، إدراك حسي لشيء ما موجود في عالم الواقع يمكن أن نطلق عليه مستوى الإدراك .
المستوى الثاني : ينطوي على عملية ذهنية وهي التعرف على الطبيعة السيميائية لهذا الشيء، أي أنه رغم أن هذا المدرك شيء مادي ينتمي إلى عالم الواقع المادي، إلا أنه ذو طبيعة خاصة (إنه علامة) أي ينتمي إلى نظام سيميوطبقي، وكما هو معروف فالعلامة شيء مادي مزدوج البنية،
له جانب سمعي أو بصري أو لمسي، وله جانب معنوي وهو الدلالة، ويمكن أن نطلق عليه مستوى التعرف.
المستوى الثالث : وهو محاولة فك شفرة العلامات، وهو المستوى الأول للتوصل إلى الدلالة، وهذا المستوى يتطلب درجة كبيرة من التعلم، ويمكن أن نطلق عليه مستوى الفهم.
المستوى الرابع : ويرتبط بدرجة التفسير، فالعلامة المسرحية قد تحتاج إلى درجة أخرى من الفهم، وهي درجة أعمق من الفهم ويمكن أن نطلق عليه مستوى التفسير.
وبالعودة إلى موضوع شعرية خطاب العرض المسرحي نقرأ :” تتخذ شعرية خطاب العرض المسرحي حيويتها الفنية والجمالية في اجتماع العناصر الفنية في فضاء ينتمي لدى الباحثين إلى عالمين عالم الفراغ الغريب والمنظر الرائع للفضاء المعماري الذي يسكنه الممثل، الكاهن، الساحر والعالم الأكثر أمانا والأكثر تبلدا للواقع اليومي الذي نشاهده من خلاله ليست هذه الأماكن المفضلة للممثل وللمشاهدة هي التي تخلق مسرحا، ولكن حضورها في وقت واحد والمواجهة التي تنشأ بينهما.
وينفتخ خطاب العرض المسرحي بمنظومته تلك نحو المتلقي وفرة أي غزارة من العلاقات والمواقف الدرامية، تصل لدى عالم الجمال الفرنسي (ايتيان سوريو) مائتي ألف وضع درامي، يمكن مقابلتها برقم مماثل مسرحيا.
كما ادعى منظرو الحركة الجسدية إنه بإمكان الإنسان أداء عدد كبير من الحركات _ العلامات _ باليد والذراع .. وأنها تمكن الشخصيات من متابعة حوارات طويلة من خلال الحركة، إن جملة الحركات والأوضاع والحوارات في فضاء العرض المسرحي لابد لها من الذهاب الى إنشاء وحدة فنية جمالية هدفها الأساسي هو التواصل مع المتلقي وفق طبيعة وتكوين وبنية كل فن.
فالممثل باعتباره العلامة الكبرى في فضاء العرض المسرحي معتمد الحوار والحركة والأوضاع المختلفة هادفا إلى توصيل فكرة ما، ويأتي فعل السرد في العرض المسرحي بواسطة الحوار وقدرته في جمع أزمنة مفتوحة عبر السرد، لتكون مجمل العناصر الفنية الأخرى أو العلامات فهي معنية أيضا بالسرد في متابعتها للحوار والحدث المروي أو المسرود.
ثم تنتقل بنا الباحثة باستعراض تجارب فنية مسرحية لعدد من كبار المخرجين العالميين أمثال (بريخت، مايرهولد، كروتوفسكي، باربا، كريك، آبيا ) مسلطة الضوء على تجاربهم الإبداعية بشيء من الإيجاز وفي نهاية هذا المبحث تعود بنا الباحثة للحديث عن موضوع ( العرض المونودرامي ) ومما جاء فيه :”.. وفيما يخص العرض المونودرامي فإن هناك عدة عوامل ساعدت على ظهور المونودراما نصا وبعد ذلك في العرض، فكان إن أخذت دراسات علم النفس بالتوسع والتنوع في القرن العشرين، إضافة إلى حالة الإنسان في هذا القرن ومعاناته من اضطرابات نفسية ووجودية عاش باثرها حالة من الإغتراب، جاء الإهتمام بهذا المنجز وفق وجهة نظر غير فنية تخص نفقات إنتاج المسرحية باعتبار العرض المونودرامي يعتمد على ممثل واحد .
وحول تعددية الشخوص في النص المونودرامي نقرأ :” .. أن تعود الشخوص في النص المونودرامي واتخاذ كل شخصية سماتها النفسية والإجتماعية والفكرية، يجعل من النص أو العرض المونودرامي حاملا لسمة ( البوليفونية ) أو ( تعدد الأصوات ) وتعني تعايش شخصيات، ووجهات نظر، ومراكز، وايديولوجبات، وعلامات، واساليب، ونظم كاملة القيمة وتقاطعها، داخل فضاء أدبي واحد” .
وبذلك فإن العرض المونودرامي لا يقل قيمة فنية عن العرض العام في أداء عناصره الفنية لأدوارها رغم اختصارها على شخصية واحدة تنتقل في أزمنة وأمكنة مختلفة، ثم تنتقل بنا الباحثة للإجراء التطبيقي عبر نماذج منتخبة وتطبيق ما جاء في هذا المبحث عليها.
وهنا نصل إلى المبحث الثاني والأخير في هذا الفصل والذي حمل عنوان“الأداء التمثيلي في العرض المسرحي المونودرامي بين الارسطية والملحمية” وفي سطورها الأولى نقرأ :” يعد المسرح واحدا من الفنون الأكثر اهتماما بالمحيط الإجتماعي وما يحمله من قيم وأفكار تخص أنماطا متعددة من الثقافات الإنسانية والطبيعية، وتفهمها لما يحيطها من الحياة وأبعادها الوجودية، ويترتب على ذلك أن يحمل المسرح عبر مسيرته التاريخية تنوعا في أشكال الرسائل والوسائط التي حملها صوب الجمهور الذي يعد واحدا من العناصر التي لا يمكن اختزالها أو عزلها مهما تعددت سبل الرؤية والمعالجة للعرض المسرحي في أشكاله ومذاهبه ومدارسه وأبعاده التجريبية.
ومن هنا فإن أي عرض هو في ماهيته رسالة إنسانية لها تواصلها مع المتلقي هادفة إلى إثارة أفكاره ودفعه من بعد رؤية مستجدة لذاته وحياته اليومية المعاشة ، والمسرح كظاهرة إجتماعية وفنية لا يمكن عزلها بأي حال من الأحوال عن الواقع أو التاريخ، وسمة التلقي في ظرفها الإجتماعي والجمالي ومميزات الذوق، حين يظل المسرح في كل تاريخه هو تلك الثنائية المؤسسة على الجد والغرابة، فالمسرح يجعلنا نغترب عن الحياة، وإنه من خلال قيامنا بهذا يجعل الحياة نفسها غريبة، ومن ثم قابلة للإدراك ومن ثم تكون الحياة قابلة للشعور بها والتعرف عليها وتذكرها أيضا” .
وحول موضوع الإتصال والتأثير تعرج الباحثة على جهود ( هايمس ) وخطاطته التي تقوم على عناصر أساسية لتكون مصدر للإتصال والتأثير والتي منها :
1 / المرسل : هو المتكلم أو الكاتب الذي ينتج القول .
2 / المتلقي : هو المستمع أو القارئ الذي يتلقى القول .
3 / الحضور : وهم مستمعون آخرون حاضرون يساهم وجودهم في تخصيص الحدث الكلامي .
4 / الموضوع : هو مدار الحدث الكلامي .
5 / المقام : هو زمان ومكان الحدث التواصلي .
وحول ( جاكوبسن ) وإلى ما أسماه ب ( لسانيات الخطاب ) ودرجه لستة عناصر _ كما تذهب الباحثة _ ترشح منها ست وظائف تقوم على أداء مع فعل الرسالة وما تتواصل معه سواء كان ( الكاتب/ المرسل ، أم المتلقي ) وهذه العناصر هي :
المرجع أو السياق:
- المرسل
- الرسالة
- المتلقي
- وسيلة الإتصال
- السنن ( Gode )
إن كل عنصر من هذه العناصر لدى ( جاكوبسن ) يؤكد فعلا إتصاليا ويولد وظيفة ما وكما يأتي:” مرجعية/ إنفعالية/ شعرية / إفهامية/ إنتباهية / ميتالسانية .
وترى الباحثة إن خطاطة ( جاكوبسن ) بعناصرها الستة ووظائفها لها أن تتواصل مع منظومة العرض المسرحي من منطلق أن العرض بكل عناصره هو مجموعة لغات لفظية وغير لفظية، فاللون والزي والفضاء والنص والجسد بما يحمله من لغة إشارية ومجازية وإيحائية ومرجعية وانفعالية، تكون رسالة تواصلية لها قصديتها في التأثير على المتلقي ، وفقا لطبيعة الرسالة وما تحمله من قيم وأفكار أو تؤسسه من بنية جمالية خالصة” .
ثم تنتقل بنا الباحثة عن الحديث عن المخرج العالمي (بريخت) وتظريته حول المسرح الملحمي، والإستفادة منها في نصوص وعروض المونودراما، ومن الثابت إن الممثل في عروض مسرح (بريخت) له دوره الذي يمثل الراوي في النص عبر الوقوف بعيدا عن التدخل في خصائص الشخصية ليكون هناك فاصلا بينهما، فمهمة الممثل والسارد هي العرض فقط، وهو ما أسمته نظريات السرد ب ( السرد الحواري الديالوجي )، وهو سرد يتميز بتفاعل عدة أصوات، وعدة أشكال للوعي أو وجهات النظر حول العالم.
وحول موضوع آليات السرد في عروض ( بريخت ) وتأثيرها بما طرحته نظريات السرد وتقنياته من حيث النسق الزماني ممثلا ب :
1 / السرد الإستذكاري
2 / السرد الإستشراقي
3 / تسريع السرد
4 / تعطيل السرد
وهذا ما أكدته الباحثة في كتابها.
ثم تنتقل بنا الباحثة للإجراء التطبيقي ومدى الإستفادة مما جاء به بريخت في نظريته حول المسرح الملحمي، عبر نماذج تطبيقية من أمثال “النهضة” للمؤلف والمخرج (عباس الحربي 1997) و”بريد جوي” للكاتب (معاذ يوسف) والمخرج (عادل طاهر 2001) و”خراب” إعداد وإخراج (كاميران رؤوف 1994) والمعد عن رواية الروائي العربي (عبد الرحمن منيف 1933 _ 2004) “شرق المتوسط” .
وهنا يصل بنا المطاف الى الفصل الثالث والأخير من هذا الكتاب والمعنون ( نماذج وتحليل ) وتناول بالنقد والتحليل خمسة عروض مسرحية هي :
1 / مسرحية ( أيام ذاهبة ) تأليف : رعد عزيز كريم وإخراج : سامي الحصناوي 2007 .
2 / مسرحية ( وزن الريشة ) تأليف وإخراج : غازي زغباني 2008 تونس .
3/ مسرحية ( بقايا مجنون ) إعداد وإخراج : قتيبة غنام 2009 سوريا
4 / مسرحية ( صوت إنساني ) تأليف : جان كوكتو ، إخراج : زهير الخفاجي 2011 أوكرانيا ، مهرجان منتدى المسرح التجريبي/ 16 .
5 / مسرحية ( مولد سيمونا ) تأليف : ألبرت بيجوني ، إخراج ألبرت ماسترز ، إيطاليا 2012 .


