نصوص عربية نصوص مسرحية

نص مسرحي مونودراما:” لون أخير”

تأليف: ضرغام عبدالرحمن الجابري

الشخصيات:

شاب متوسط العمر : يعمل “صباغ” منازل

الخطاب المسرحي:

المسرح شبه معتم، بقعة ضوء وحيدة تسلط على خشبة المسرح. الديكور عبارة عن بارتشنات خشبية متناثرة بشكل هندسي توحي بأنها جدران لغرفة أو منزل قيد الترميم. في الوسط تماما يقبع سلم خشبي قديم ملطخ بشتى الألوان، وكأنه لوحة سريالية فوضوية. على الأرض تتناثر علب صبغ بأحجام مختلفة، بعضها مفتوح ومتروك باهمال، فرش كثيرة مرمية هنا وهناك، ورولة صبغ مغموسة في سطل بلاستيكي. يدخل الممثل بملابس عمل رثة، بنطاله وقميصه ملطخان تماما بالبقع. يمسك بيده عودا خشبيا يحرك به الصبغ داخل احدى العلب ببطء شديد، حركته رتيبة توحي بتعب مزمن.

(يستمر بالتحريك لثوان، يرفع العود الخشبي ليرى كثافة الصبغ، ثم ينظر للجمهور بنظرة فارغة)

الصباغ: يقولون ان اللون الأبيض يوسع المكان………… يمنحك شعورا “بالوساع” والحرية.

(يضحك بسخرية مريرة)

كذبة….. الأبيض لا يوسع شيئا، الأبيض فقط يفضح القذارة التي تحته. يتطلب منك طبقات وطبقات لتخفي السواد.

(يرمي العود، يمسك الرولة من السطل، يمررها على أحد البارتشنات بضربات طويلة ومجهدة)

أنا لا أصبغ الجدران…… أنا أدفن الأسرار. أطمر العيوب. كل ضربة من هذه “الرولة” هي محاولة يائسة لمسح تاريخ من الخيبات والتشققات. قبل أن أبدأ العمل هنا، قبل أن أتحول الى آلة بشرية تفوح منها رائحة الثنر والمواد الكيميائية، كنت أقف هناك……. في طابور العاطلين عن العمل. طابور طويل لا نهاية له، شباب يحملون شهاداتهم الجامعية كأنها لافتات استسلام في حرب لم نخضها أصلا. قالوا لي: اشتغل بأي شيء، لا تكن عبئا، البلد ينهض ويحتاج الى سواعد للعمل. نهض البلد……. وسقطت أنا على هذا السلم.

(يتوقف عن الصبغ، يستند بظهره على الجدار، ينظر الى علب الصبغ تحته)

أصحاب البيوت……. يا الهي على أصحاب البيوت. عالم آخر من النفاق الملون. تأتيني الزوجة وتطلب لونا “خوخيا هادئا” لغرفة النوم، تعتقد أن اللون سيعيد الرومانسية المفقودة مع زوج لا يرى فيها الا قطعة أثاث أخرى أو خادمة بلا أجر. وتطلب لونا “أصفر فاقعا” لغرفة الأطفال ليعطيهم طاقة…… طاقة؟ لكي يكسروا ما تبقى من رأسها المليء بالصداع والديون؟

هم لا يشترون ألوانا، هم يشترون وهما. يعتقدون أن علبة صبغ بعشرين الفا قادرة على ترقيع شروخ أرواحهم. يغطون تعاستهم بطبقتين من المعجون، يدارون بؤس حياتهم، ثم يطلبون مني أن أجعل اللون “نصف لمعة”. أي لمعة تبحثون عنها وحياتكم كلها من الداخل مطفأة؟

(يترك “الرولة” يتجه نحو السلم)

ثم يأتي المقاول….او المهندس……. “الاستاد”.

(يقلد مشية شخص متعجرف، يضع يديه خلف ظهره)

يأتي بسيارته الفارهة المظللة…… حذاؤه يلمع أكثر من مستقبلي. يقف بعيدا كي لا تتسخ بدلته الفاخرة……. يضع منديلا على أنفه متأففا من رائحة المكان، ويوجهني باصبعه……خلص بسرعة يا ابني، الزبون مستعجل، لا تضيع وقتي……..

الزبون مستعجل……. والمقاول يلهف ثلاثة أرباع المبلغ في جيبه……. وأنا أتنفس هذا السم حتى تآكلت رئتاي لأحصل على الفتات. يسرقون تعبنا…….. يسرقون حتى حقنا في أن نمرض بكرامة. المقاول يسرق صاحب البيت…… والمورد يسرق المقاول……. والمسؤول يسرق الجميع…….. وأنا؟ أنا الحلقة الأضعف التي تمتص كل هذا القبح وتطلي فوقه لونا جميلا ليظلوا يعيشون في كذبتهم الأنيقة……………

(يمسك احدى علب الصبغ، يقرأ المكتوب عليها باستهزاء)

والشركات…….. شركات الأصباغ الكبرى ترسل لنا المندوبين بابتسامات بلاستيكية وعروض سخيفة………… استخدم منتجنا الجديد يا أسطى، مقاوم للعفن، مقاوم للرطوبة، يغسل بالماء ويتحمل الزمن……..

(يضحك بهستيريا، يرمي العلبة لتتدحرج على المسرح)

مقاوم للعفن؟ هل لديكم صبغ يقاوم عفن الضمائر؟ هل صنعتم “رولة” قادرة على مسح عفن الفساد الذي أكل جدران وأساسات هذه المدينة؟ مدينتنا رطبة بالدموع، جدرانها تنزف قهرا وظلما في كل زاوية، ولا يوجد في كل كتالوجاتكم ومصانعكم لون واحد يستطيع أن يخفي هذا السواد.

(يصعد درجتين من السلم، يمسك فرشاة جافة صغيرة من جيبه، يمررها في الهواء كأنه يصبغ شيئا غير مرئي في الفراغ)

لو كان بامكاني…… لو كان الأمر بيدي….. لتركت هذه الجدران ولذهبت لأصبغ أشياء أخرى. لصبغت الأخبار العاجلة على الشاشات……. لصبغت الشريط الأحمر الذي يقطر دماء ومصائب بلون أزرق سماوي يبعث على النعاس لننام ليلة واحدة دون فزع. لصبغت وجوه السياسيين الكالحة بلون مهرجين يليق بمسرحيتهم السمجة التي نشتري تذاكرها من أعمارنا. لصبغت الحياة نفسها بلون مختلف غير لون الانتظار الباهت الذي نعيشه.

(تتغير نبرته، تصبح أهدأ وأكثر حزنا، ينزل يده التي تمسك الفرشاة)

المشكلة أن الحزن لا يقبل الطلاء. حاولت……. صدقوني حاولت. جربت أن أصبغ حزني ذات يوم. عندما مات صديقي الذي كان يشاركني البحث عن عمل في حادث سير……. عدت الى غرفتي الكئيبة وقررت أن أطليها بلون الربيع. اشتريت لونا أخضر زاهيا، طليت الجدران حتى أصابني الانهاك، نمت وأنا أظن أنني هزمت القبر الذي أعيش فيه.

لكن في الليل، عندما ينطفئ الضوء وتجلس وحيدا مع أفكارك، لا تهم الألوان. تعود الجدران لتضيق، وتتقشر الألوان الحديثة…… وتبرز التشققات القديمة كأنها تضحك بوجهك وتذكرك من أنت.

نحن جيل معجون بالبطالة، خلطونا مع الأسمنت الرخيص وتركونا نجف تحت شمس الوعود الكاذبة. علمونا في المدارس أن ندرس لكي نبني الوطن………. كبرنا فاكتشفنا أن الوطن مبني ومقفل بأسوار عالية……. والمفاتيح في جيوبهم هم وأولادهم. فقررنا أن نصبغ من الخارج. نحن مجرد عمال زينة في حفلة تنكرية كبيرة…….. نضع المكياج على وجه جثة متعفنة لتبدو جميلة أمام الكاميرات.

(ينزل من السلم ببطء شديد، يجلس على احدى علب الصبغ المقلوبة. يمسح جبينه بيده الملطخة باللون الأحمر أو الأسود، فيترك أثرا واضحا على وجهه، كأنه ندبة)

يدي تؤلمني…….. ظهري تقوس قبل الأوان. كل يوم لون جديد، وكل يوم حياة مكررة.

(ينظر الى يديه الملطختين بتركيز شديد)

كم طبقة من الصبغ تراكمت تحت هذه الأظافر؟ كم طبقة من الخذلان؟ كم مرة ابتسمت للمقاول وأنا أود أن أكسر هذا السلم على رأسه؟

أحيانا……. في لحظات الجنون الخفي، أفكر في أن أفتح كل هذه العلب. أن أفتحها جميعا وأسكبها هنا على هذه الأرضية النظيفة.. الأبيض والأسود والأحمر والأزرق والأصفر.. أتركها تنزف وتختلط ببعضها البعض، أدوس عليها بحذائي وأمزجها حتى تفقد هويتها وتتحول الى لون رمادي بشع وقبيح.. لون يشبه الحقيقة تماما.

(يغمض عينيه، يأخذ نفسا عميقا من رائحة المكان، يبتسم بمرارة)

يا مقاولين الخراب….. يا أصحاب البيوت الزجاجية…… بيوتكم من الداخل خربة، أرواحكم متشققة، مهما صبغتها لكم من الخارج.

(فجأة، رنين هاتف قديم ومزعج جدا. الصوت يخرج من جيب بنطاله الملطخ. ينتفض بخفة، يمسح يده بخرقة قذرة معلقة في خصره، ويخرج الهاتف. ينظر الى الشاشة، تتغير ملامحه الى مزيج من القلق والخضوع)

(يجيب بصوت خافت ومتردد)

ألو……حياك الله استاذ …. هلا بيك.

(يصمت لثوان، يستمع، تتقلص ملامح وجهه)

شلون يعني؟ بس أنا خلصت الصالة كلها مثل ما طلبت….. وجه معجون ووجهين صبغ

(يستمع مجددا، يبدأ صوته بالارتفاع قليلا، يحرك يده الحرة بانفعال)

زوجتك مو عاجبها اللون؟ تقول انه غامق؟ استاذ هذا هو الكتالوج وهذا هو الرقم اللي هي اختارته…… أنا مجرد عامل، أفتح القوطية وأصبغ…….. انه مالي ذنب

(يصمت، يفتح عينيه بصدمة، يقبض على الهاتف بقوة حتى ترتجف يده)

تخصم يوميتي؟ وتخليني أعيد الشغل باجر ببلاش؟ يا استاذ أنا صار لي 14 ساعة أشم هذا السم……. عندي ايجار…… عندي……

(ينزل الهاتف ببطء عن أذنه.. ينظر اليه بذهول)

سده….. أقفل الخط بوجهي.

(يرمي الهاتف على الأرض بقوة. يلتفت ببطء نحو الجدار الأبيض الناصع الذي أفنى يومه في صبغه. يقترب من الجدار، يلمسه بأطراف أصابعه كأنه يتحسس جثة)

يخصم يوميتي…… بجرة قلم، بكلمة من “المدام” التي تجلس الآن في كافيه مكيف، يمسح تعبي. يمسح وجودي.

(يضحك ضحكة قصيرة، هستيرية ومكتومة)

اللون غامق؟ تريد لونا أفتح؟ تريد أن توسع المكان لتتنفس أكثر؟

(يتسارع تنفسه، يتحرك بخطوات ثقيلة ومضطربة نحو علب الصبغ المكدسة في الزاوية. يبحث بينها بهوس، يطيح ببعض العلب الفارغة، حتى يجد علبة مغلقة. يقرأ المكتوب عليها)

أحمر ناري…… نعم. هذا هو اللون الذي ينقص هذه الجدران الباردة.

(يحاول فتح العلبة بيده، لا يستطيع. يمسك مفكا حديديا من الأرض ويغرسه في غطاء العلبة بعنف، يفتحه بقوة حتى يتناثر بعض الصبغ على وجهه وملابسه)

مقاوم للعفن؟ دعونا نرى ان كان يقاوم غضبي!

دعونا نرى ان كان هذا الجدار يستطيع أن يخفي دمي الذي يمصونه كل يوم

(يترك الفرشاة والرولة تماما. يغمس كلتا يديه داخل علبة الصبغ الأحمر حتى المرفقين. يرفع يديه وهما تقطران باللون الأحمر القاني كأنهما ملطختان بالدم. يركض نحو الجدار الأبيض الناصع، ويضرب بكفيه على الجدار بقوة وعنف، تاركا بصمات حمراء بشعة. يبدأ بمسح اللون الأحمر على البياض بحركات جنونية، يخمش الجدار بأظافره، يصرخ وهو يلهث … وكأنه يؤدي رقصة ايمائية مع موسيقى )

هذا هو اللون الحقيقي….. هذا لون الايجار المتأخر…. هذا لون البطالة….. هذا لون الشهادة الجامعية التي أكلتها العثة بالمجر…..

تريدون لونا فاتحا؟ خذوا هذا……

(يأخذ العلبة نفسها ويسكب ما تبقى منها مباشرة على الجدار وعلى السلم، يتناثر الصبغ في كل مكان. يتحول المسرح الى فوضى بصرية مرعبة)

هذه هي حياتنا بدون مكياج….. هذه هي الحقيقة التي تدفعون الملايين لتغطيتها….. قذارة…. استغلال…. ووجوه كاذبة……

(يتوقف فجأة. يلهث بشدة وكأن أحدهم كان يخنقه. ينظر الى الجدار المشوه، ثم ينظر الى يديه الملطختين بالأحمر المقطر. يتراجع خطوة للخلف، يتعثر باحدى العلب الفارغة ويسقط على ركبتيه وسط الفوضى)

(يعم صمت ثقيل جدا في المسرح، لا يُسمع فيه سوى صوت أنفاسه المتقطعة، وصوت قطرات الصبغ الأحمر وهي تقع من الجدار الى الأرض)

(يرفع رأسه ببطء نحو الجمهور، ملامحه فارغة تماما، منهكة، وكأنه استيقظ للتو من غيبوبة. يهمس بصوت مبحوح ومكسور)

الآن.. الآن فقط أصبح اللون مثاليا.

لكن.. من سيقوم بتنظيف كل هذا الخراب غدا؟

(يضم يديه الملطختين الى صدره، يحني رأسه. تبدأ بقعة الضوء بالانحسار تدريجيا لتتركز فقط على بقعة الصبغ الأحمر على الجدار)

اظــــــــــــــــــــــــــلام

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية