الحرب بوصفها وضعاً ممتداً لا حدثاً منقضياً
بقلم: مهدي منصور
الفيلم الوثائقي مُدَمَّرة للمخرجة خديجة نيسي، هو أكثر من مجرد رواية لمكان؛ إنه استحضارٌ لـعهد، عهد تجمّد في الذاكرة الجمعية لعرب خرمشهر (المحمّرة)، ليواصل حياته في جغرافيا أخرى. منذ اللقطة الأولى، يضع الفيلم المشاهدَ بوعي تام في مسار حركة مفاهيمية: حركة من الجغرافيا الكبرى لإيران إلى أعمق طبقات حياة حي مهاجري. وهذه الحركة التدريجية ليست مجرد انتقال جغرافي، بل هي انتقال وجودي وتاريخي في آنٍ معاً.
الصوت الافتتاحي للفيلم أصوات الطيور، أو بتعبير أدق صوت الحياة يفسح المجال تدريجياً للنواح، وقرع الصدور، وأغاني النساء العربيات الحزينة. هذا الانتقال الصوتي، بوصفه مونتاجاً دلالياً، ينقل وجدان المشاهد من حالة الاعتياد إلى حالة الحداد والوعي، كأنّ الحياة والموت، الحاضر والماضي، تُخاط معاً على خيط صوتي واحد. وعنوان الفيلم يؤدي دوره في هذه اللحظة بالذات: لا يشرح ولا يتشعلق بالشعارات، بل يُقدّم المهجر بوصفه جُرحاً مفتوحاً لم يتوقف نزيفه بعد.
بعد الشارة، يكون الدخول إلى المحمّرة (خرمشهر) مُصرّاً على استمرار الحياة: محلات الأطعمة، وفلافل الأبادانيين، وإيقاع الحياة اليومية الذي تواصل على الرغم من الكارثة. هذا الاختيار الذكي يُنقذ الفيلم من فخ العاطفية الحربية الرخيصة، ويسوقه نحو قراءة وجودية؛ حيث يظل الوجود ذا معنى حتى في الأنقاض.
حركة الكاميرا سواء في اللقطات الثابتة أو التتبعات الناعمة تقودنا نحو الأجساد التي أبقتها الحرب: الشيوخ والعجائز، حُمَاة الذاكرة الحية. ومزاح العجوز المرير مع الكاميرا (من أي شيء تصوّرين نحن العجائز؟) ليس مجرد كسر للفضاء، بل هو كشفٌ لحقيقة فلسفية: موضوع الفيلم الوثائقي يُدرك تشيّؤه ويقاومه. هذه اللحظة هي إحدى أبرز نقاط القوة الدلالية في الفيلم، إذ تُساءل علاقة السلطة بين الكاميرا والموضوع.
نقطة التحوّل التاريخية في الفيلم تقع حين يتحدد مصدر التاريخ والجغرافيا. ثِقَل أُذن العجوز وبحق ليس نقصاً جسدياً، بل هو استعارة: ثقل التاريخ، وعبء الحياة، وتوقف الزمن عند عهد بعينه. هذا «التجمّد» لا يسري على الجسد وحده، بل يجري كذلك في العقل والذاكرة. يدخل الفيلم هنا صراحةً في مجال فلسفة الزمن؛ زمن لا يسير خطياً لهؤلاء الناس، بل يعود باستمرار إلى الماضي.
في ما يلي، تُجسّد لقطة الشُّقَق الحربية كثافة الوجود الإنساني. اللقطات البعيدة تُوحي بحق بالتراكم والازدحام القسري، كأن البشر تكدّسوا فوق بعضهم، تماماً كما تراكمت الذكريات والجروح. يكشف الفيلم تدريجياً الطبقات الاقتصادية والدينية والطقوسية والعادات في الحي الغربي؛ مدينة توقفت عند زمن المحمّرة قبل الحرب.
عند هذه النقطة، يتخذ المخرج خياراً شكلياً واعياً: العودة إلى الطقوس والأعراس والـقرقيعان والـمحيبس والألعاب الشعبية. هذه العودة ليست حنيناً مجرداً، بل إعادة بناء لـعهد تاريخي. يرتكز الشكل الوثائقي في هذا المقطع على الصورة والفعل الطقوسي بدلاً من الحوار، وهو اختيار يكشف عن فهم عميق للمخرجة لإمكانات السينما الوثائقية.
من منظور الإخراج، مُدَمَّرة وثائقي قائم على الشكل، يبتعد عن مركزية الحوار ويقترب من تكسير البنية السردية الوثائقية التقليدية. وخديجة نيسي، بوصفها امرأةً من عهد هذه الحرب، تملك نموذجاً أولياً للتجربة مسبقاً، وهو ميزة أسهمت في صدق الرواية وسهّلت عليها مسار إنتاج المعنى.
على الصعيد التقني في التصوير والمونتاج والصوت يسعى الفيلم من خلال الإطارات الثابتة والحركات الناعمة إلى ترسيخ حالة التجمّد الدلالي. أضاف المونتاج للفيلم إيقاعاً حيّاً، وعزّز التصميم الصوتي بُعده العاطفي. غير أنّ بعض اللقطات المقرّبة تعاني اختلالاً في الإطار وخروجاً عن دقة الميزانسين. كذلك فإن الجغرافيا في بعض المقابلات تُنقل فقط عبر اللباس والخطاب، في حين كان بالإمكان تعميق هذا الرابط المكاني باستخدام أكثر وعياً لعناصر الديكور، كإطارات الصور والتلفزيونات القديمة والأشياء الحنينية.
على صعيد الصوت، يبرز الضجيج الزائد في بعض المشاهد. وعلى الرغم من المحاولة لمعالجة ذلك في المونتاج، فإن عدم تطابق الصوت مع المحيط في بعض الأحيان أضعف الشدة العاطفية للمشهد.
خلاصة القول، مُدَمَّرة وثائقي ذو بنية تحتية فلسفية ودلالية، يُعيد تمثيل الحرب لا بوصفها حدثاً انقضى، بل بوصفها وضعاً ممتداً ومعاشاً. يُركّز الفيلم على استمرار الحياة في قلب الدمار بدلاً من تصوير الخراب، ومن هذا المنظر يُعدّ عملاً جديراً بالتأمل، وحضوراً جاداً في السينما الوثائقية الإيرانية المعاصرة.

