شرفات

مملكة القصب: فصل جديد للعراق/ مهدي منصور

المقدمة: حين تُصبح الكعكة فعلاً سياسياً

في مطلع تسعينيات القرن الماضي، حين كان العراق يئنّ تحت وطأة العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الأمم المتحدة عقب غزو الكويت، اختار المخرج حسن هادي أن يرصد هذا العالَم المثقَل بالقهر من خلال عينَي طفلة في التاسعة من عمرها تُدعى لميعة. مهمتها: أن تجمع مكوّنات كعكة للاحتفال بعيد ميلاد الديكتاتور، بعد أن وقع عليها الاختيار من قِبَل معلّمها، والبديل الوحيد عن الامتثال هو البلاغ والعقاب. هكذا يُحوّل هادي حدثاً يومياً بسيطاً إلى خلاصة درامية مضغوطة للوجود الإنساني في زمن الاستبداد: حين تغدو قطعة السكّر نفسها حقلاً للسياسة، وحين يتحوّل البيت الصغير إلى مرآة عاكسة لأزمة الوطن الكبير.

 

أولاً: التأليف سينما الحياة في مقابل سينما الأحداث

تكتسب مملكة القصب قيمتها الدرامية الأولى من وعي كاتبها بالفارق الجوهري بين صنع شخصية حقيقية وبناء مجرد صانع أفعال. فهادي ابتعد عن إغراء البطولة الهوليودية التي تُخرج أبطالها من أتون الأزمات منتصرين بلا ندوب، واختار بدلاً من ذلك مساراً درامياً يُذكّر بعمق بالموجة السينمائية الإيرانية في عهدها الذهبي؛ تلك الأفلام التي اتّخذت من طفولة مُثقَلة باليأس منطلقاً لتأمّل الروح الإنسانية في مواجهة الضغط الاجتماعي: *أطفال السماء* لمجيدي، و*لون الجنة*، و*مطر*، و*موسيقى طيور الماء*.

في هذه الأعمال جميعها كما في مملكة القصب لا تسعى الشخصية للوصول إلى ما هو فوق الطاقة، بل تناضل للحصول على ما هو بسيط وحقيقي: وجبة، وكلمة حنان، وكعكة. هذا هو الدراما في أنقى صورها؛ لأنه يُحوّل الصغير إلى كوني، ويجعل من حاجة طفلة مرآةً لحاجة شعب بأسره. وفي هذا المسار أثبت حسن هادي كمؤلف أو بوصفه شريكاً في البنية الدرامية أنه يعرف كيف يُفكّر درامياً لا هيرمينوطيقياً، أي أنه لا يُصدر بياناً عن الحقبة بل يُعيشنا فيها.

غير أن ثمة هفوات في البنية الكتابية لا يمكن إغفالها: مشاهد بدت مُلصَقة خارج ضرورة درامية حقيقية، كأنها كُتبت لإيضاح الموقف أكثر من تطوير الحالة. مشاهد كان ينبغي بحكم المنطق الدرامي ذاته الذي اختاره الفيلم ألا تكون. وهذا يكشف أن الثقة بالمتفرج لم تكن دائماً حاضرة في القلم.

 

ثانياً: الإخراج قوة في الرؤية وثغرة في الأداء

يمتلك حسن هادي بصراً إخراجياً واضحاً، ويُثبت في مشاهد كثيرة أنه يعرف كيف يُدير الفضاء البصري ويُوزّع الثقل الدرامي بين اللقطات. لكن أكبر نقاط ضعفه تجلّت في عجزه أو عدم نجاحه في انتزاع الأداء المطلوب من بعض الممثلين. والمخرج الحقيقي هو الذي يُحوّل الممثل لا يقبله كما هو، وحين يفشل المخرج في هذا التحويل تهبط المشاهد بأكملها من مستوى العمل إلى مستوى أدنى منه.

لعلّ هذا هو الفارق الأكثر حضوراً في الفيلم بين ما تحقّق وما كان يمكن أن يتحقّق.

ثالثاً: التمثيل طفلة في مواجهة الجميع

قدّمت الطفلة التي أدّت دور لميعة تمثيلاً بالغ النضج. كانت تعيش المشهد لا تؤدّيه، وكانت تقع في تلك المنطقة الحساسة النادرة التي تُزوّي الحدود بين الحقيقي والمُصنَّع وهذا بالضبط ما يشترطه العمل الدرامي الكبير. حضورها على الشاشة كان حضور وجود لا حضور وظيفة.

في المقابل، سقط عدد من الممثلين البالغين في فخّ الأداء التقريري أو العاطفي المُبالَغ فيه؛ وكان أبرزهم في شخصية الجدة التي حملت ثقلاً رمزياً كان يستحق تجسيداً أكثر رسوخاً وهدوءاً. وكان الفارق بين أداء الطفلة وأداء بعض من حولها فارقاً يُقلّص عمق المشاهد المشتركة ويُبعثر تأثيرها.

رابعاً: الصورة والمونتاج لغة تعرف طريقها

أدّت الكاميرا دورها بوعي ودقة؛ لم تكن استعراضية، ولم تكن مجرد وسيلة نقل للحدث، بل اختارت مواقعها وزواياها بما يخدم الحالة النفسية لا الحدث الخارجي. وجاء المونتاج متناسقاً مع هذا الخيار، محافظاً على إيقاع الفيلم ومانعاً له من الانهيار في التفاصيل الزائدة.

خامساً: التصميم الإنتاجي صدق لا يُستهان به

استحق قسم المكياج والأزياء والديكور تقديراً حقيقياً. فالفيلم اشتغل على الهامش الاقتصادي لعراق التسعينيات وكان يمكن أن يسقط في مطبّ الاستعراض البصري السطحي، لكنه آثر الصدق والتفاصيل الحياتية الدقيقة التي تُقنعك أنك في مكان حقيقي وزمان حقيقي. الفقر كان مرئياً من دون أن يكون مشهدياً.

سادساً: الموسيقى الغياب الأكثر إيلاماً

هنا يقع أعمق ضعف في الفيلم. الموسيقى لم تُؤدِّ دورها؛ لم تكن حاضرة حين كان ينبغي لها أن تكون، ولم تُضِف بُعداً شعورياً لحظات الفيلم الكبرى. في أعمال من هذا النوع حيث تكون الصورة الحياتية أهدأ من أن تصرخ تتحوّل الموسيقى إلى الصوت الداخلي للشخصية، إلى الحالة التي لا يمكن للكادر وحده أن يحملها. وغياب هذا الدور أو إخفاقه جعل بعض المشاهد الجوهرية تبدو أقلّ ممّا تستحق.

 

قصبة في مهبّ التاريخ

مملكة القصب فيلم ينتمي بأمانة إلى تقليد سينمائي إنساني شريف: التقليد الذي يُؤمن بأن الطفولة ليست موضوعاً للرثاء بل نافذة للحقيقة، وأن القهر لا يوصَف بالخطب بل يُكتشَف في تفاصيل جمع طحين أو سكّر في مدينة تحتضر. حسن هادي قدّم عملاً يُكرّم هذا التقليد في جوانبه الأساسية، وأخفق في جوانب أخرى كان يمكن لها أن ترتفع بالفيلم إلى مستوى يليق بجرأة الموضوع ورقّة الشخصية المحورية.

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية