فواز عبدي
حين تقرأ نص الكاتب المسرحي أحمد اسماعيل اسماعيل (المسرحية مستمرة أو لنمثل مهاباد)* تدرك أنك أمام عمل يتجاوز تسجيل حدث جمهورية كردستان – مهاباد 1946 إلى تأمل أعمق في سؤال فلسفي:
- هل يتوقف دور الفن أمام خيبات التاريخ؟
منذ المشاهد الأولى تواجهك فرقة مسرحية هاوية وبتقنية “المسرح داخل المسرح” -تقوم بالتدريب على مسرحية “دايكا نشتمان، أو الأم نشتمان” وهي أول مسرحية كردية عرضت أثناء قيام جمهورية كردستان – مهاباد، التقنية التي تكسر الإيهام المسرحي وتبقي عقل المشاهد يقظاً. يقودها الأستاذ كريمي -المخرج- حيث تجري بروفات على المسرحية الوطنية الرمزية والتي تحمل اسم الشخصية الرئيسة في العمل أيضاً (نشتمان) التي ترمز للوطن المغتصب والمجزأ. وبسبب غياب العنصر النسائي يدفع كريمي بأحد الشباب لتمثيل دور الأم.
تتصاعد الأحداث مع إعلان قيام الجمهورية فيرتفع حماس الممثلين ويحلمون بعرض عملهم في ظل الحرية التي سيتمتعون بها في ظل الجمهورية الجديدة.
فرهاد: رائع، هذا يعني أنها قد أثارت إعجاب السوفييت.
إبراهيم: ولذلك فقد يدعموننا.
المخرج: لقد وعدوا بافتتاح مركز ثقافي سوفييتي في مهاباد .
بهزاد: حقاً ؟
المخرج : وستكون مسرحيتنا أولى نشاطات هذا المركز.
الممثلون: (بفرح ) هورا… (ص90)
لكن سرعان ما يدخل إلى المشهد ممثل الحزب برفقة ضابط سوفييتي. وهنا تبدأ الفلسفة السياسية للنص في الظهور: فكل ما يهم الضابط من المسرح هو استخدامه كأداة لتلميع صورة الجيش الأحمر الذي “حرر” المدينة. يبدأ في إجراء تغييرات على النص ليتحول من رسالة عن التحرر الكردي إلى دعاية للقوة الأجنبية. ويبلغ الصراع ذروته في المشهد التالي الذي يكشف بوضوح كيف تختطف إرادة الفنان تحت ضغط السلطة:
(ينتفض الضابط من مكانه متضايقاً)
الضابط : عفوا أستاذ كريمي، ما هذا ؟ نعم ما هذا ؟!
(يقف الممثلون في حالة صمت ودهشة)
المخرج: ماذا حدث يا رفيق ؟!
الضابط : ألم نتفق على تغيير بعض المشاهد ؟
المخرج: لا، أقصد لقد طرحتم علينا الفكرة، وبصراحة، لم نناقشها في الفرقة بعد.
الضابط : (باستغراب وضيق) ما هذا الكلام الغريب يا رفيق معيني ؟!
معيني: ( مرتبكاً) أستاذ كريمي؛ لقد سبق وأن قررنا تغيير المسرحية، أليس كذلك ؟
الضابط : وقلنا: يجب استبدال الشرير الحقيقي بالأشرار الثلاثة.
المخرج: والذي يرمز إلى هتلر .
الضابط: بالضبط، هتلر. إنه الشرير الحقيقي في العالم، ألم تسمعوا بجرائم هذا المجنون في بلادنا. وفي كل أوربا؟
المخرج: بلى ولكن موضوعنا هنا مختلف، وأي تغيير في المسرحية سيبعدها عن مسارها الأساسي وبذلك سنحتاج إلى تعديل غير هين.
الضابط : لا بأس، الأمر يسير، يسير جداً. (ص 109-110)
هذا المشهد لا يوضح فقط تدخل السلطة، وإنما يكشف أيضاً هشاشة البنية الداخلية للفرقة.
التدخل السافر هذا يثير غضب المخرج فينسحب محتجّاً ليفضح التوتر بين الفن كمساحة للصدق والفن حين يُستلَب لخدمة أجندات الآخرين. وبذلك يتحول الصراع في النص من مجرد خلاف حول نص مسرحي إلى صراع أعمق بين فضاءين: فضاء السلطة الذي يسعى إلى قولبة المعنى وتوجيهه وفضاء المسرح الذي يقوم في جوهره على الحرية والتعدد. فكل تعديل يفرضه الضابط هو محاولة اختطاف حق من حقوق الفنان في تفسير الواقع، وليس تغييراً في النص فقط..
بعد التدخل وانسحاب كريمي تدب الخلافات بين الممثلين وتظهر حقيقتهم، فمنهم الحر الذي يؤمن بالمسرح كفن يجب الحفاظ عليه دون إخضاعه لسلطة الضابط كالأستاذ كريمي الذي ينسحب بهدوء حين يرى أنه غير قادر على المواجهة كاشفاً بذلك صراع المثقف بين الإيمان بالفعل وحدود القدرة على التضحية. ومنهم الانتهازي الذي ينتمي إلى الظرف لا إلى الفكرة، فيختفي مع انهيارها ويتجلى في شخصيتي إبراهيم وفرهاد. ومنهم المنافق الذي لا يغادر الفكرة، لكنه يضعفها من الداخل عير التبرير والمراوغة، كما في شخصية كسرى الذي يقبل التعديلات على النص ومع ذلك يبقى حتى النهاية. أما التحزبي فيتجسد في معيني الذي يرى الفن مجرد أداة ضمن خطاب أيديولوجي ويسعى إلى إخضاع المسرحية لتوجيهات الحزب. في حين لا يمثل الضابط السوفييتي انتهازية بقدر ما يجسد سلطة مهيمنة تفرض خطابها وتظهر وجهها دون قناع. أما حاجي فيمثل النموذج الشعبي العملي، يرتبط بالفعل لا بالشعارات ويستمر في أحلك الظروف. وهناك عاشق المسرح دلشاد… أما شخصية المصور الأرمني رغم أنها تبدو ثانوية ظاهرياً إلا أنها في الحقيقة من أكثر الشخصيات كثافة دلالية، لأنها تعمل كـ “عدسة” تكشف ما تعجز الشخصيات الأخرى عن رؤيته. ولكونه أرمنياً والأرمن في السياق التاريخي تعرضوا للإبادة والتشريد، لذلك يشعر بالألم، ألم الآخر، ويشارك الكردي آلامه وآماله.. وبعد أن يثقل عليه الممثلون في المزح، بعد سماعهم خبر إعلان الجمهورية، ينزعج المصور آرتين:
المصور : ( بحنق ) لا يا سيدي لم أسمعه، لم أسمع، ولم أر اليوم سوى صراخكم وعبثكم و…
كسرى : غريب ؟!
المصور : ( بانفعال ) أستاذ كريمي، سأغادر هذا المكان حالاً، ولن أعود إليكم أبداً . ( يهم بالخروج)
فرهاد : ( يعترضه) مهلاً يا صديقي، لا تنزعج. إن الشباب يمازحونك. اسمع. حدث اليوم يا سيدي الكريم أن .. (يصمت )
المصور : إيه ؟
إبراهيم : أعلن قاضي محمد .. (يصمت )
المصور : إيه ؟
دلشاد : وفي ساحة صابلاغ .. (يصمت )
المصور : إيه ؟
حاجي : أعلن …(يحرك يديه بانفعال معبراً عن الحدث )
المصور : إيه، تكلم .
رحيم : أعلن مهاباد …
الممثلون : جمهورية ذات حكم ذاتي .
المصور : إيه ؟
الممثلون : إيه .. إيه خلاص .
حاجي : انتهى الخبر .
كورش : ( يقف أمامه ) التقط لي صورة يا معلم آرتين .
المصور : ( يبعده ) أنتم سكارى، إنكم تمثلون، إن هذه، إنها مسرحية جديدة، أليس كذلك يا أستاذ كريمي؟ ( المخرج يهز رأسه بالنفي ) يعني ما سمعته صحيح ؟
المخرج : مائة بالمائة .
المصور : يعني صحيح ؟
المخرج : نعم .
كورش : والآن التقط لي صورة.
المصور : ( يقفز عالياً ) هيه .. الآن لنرقص ونغني.
(يغني أغنية أرمنية وهو يرقص. يشاركه الشباب الرقص…) (ص 88 -89)
وهكذا تكشف هذه النماذج أن الصراع في النص هو صراع بين مواقف إنسانية متباينة، وليست مقتصرة بين قوى داخلية وخارجية.. صراع بين من يرى الفن رسالة، ومن يراه وسيلة ومن يحوله إلى قناع.
ورغم هذا التباين، يجمع هذه الشخصيات هم واحد وهو محاولة فهم موقعها داخل لحظة تاريخية مضطربة.
ثم تأتي اللحظة المفصلية حين تنهار الجمهورية فجأة بسبب انسحاب السوفييت، فيختفي الضابط وممثلو الحزب والمنتفعون، بينما يجتمع الباقون في مكان شبه مهجور ليقرروا إعادة المسرحية، ولكن “انطلاقاً من ظروف الواقع الراهن ” هذه المرة كما يقول النص. وهنا يتجلى البعد الفلسفي : حتى بعد موت الحلم السياسي يبقى للفن دور في حفظ الذاكرة وتغذية الوعي. فالنص يعكس هذه الجدلية من خلال لغة حوارية بين دلشاد وكريمي الذي يقول : “المسرح يحتاج إلى أبطال. وأنا لست بطلاً”. وفي هذه الجملة تتلخص معضلة الفنان بين أن يبقى شاهداً صامتاً أو أن يصبح فاعلاً في قلب الصراع.
(تسقط بقعة ضوء على مكان شبه مهجور.. الممثلون يتهامسون بحذر)
حاجي: إنه مكان ضيق وغير مناسب أبداً.
كسرى: لا بأس، المهم أن تستمر.
بهزاد: لا تكثرا من الكلام .. زمان أول تحول يا أصدقائي.
حاجي : (بعد صمت) إن الوجوه الجديدة بيننا كثيرة، ولكن أين فرهاد وإبراهيم ورحيمي؟!
كسرى: هؤلاء لن يأتوا، مهمتهم انتهت. (ص 135)
هنا يتحول المسرح إلى فعل مقاومة ضد النسيان ولا يعود مجرد وسيلة تعبير. فحين تختفي الشخصيات الانتهازية مع سقوط الجمهورية لا يختفي الحدث وإنما يجد لنفسه حياة أخرى على الخشبة، وكأن الكاتب يريد أن يقول إن ما تفشل السياسة في تثبيته ينجح الفن في حفظه.
وإذا كانت مهاباد قد سقطت، فإن الكاتب يجعلها تستمر على الخشبة، ليحول التاريخ إلى عرض دائم. وهنا يلتقي العمل مع المقولة الشهيرة في المشروع المسرحي البريختي “المسرح لا يغير العالم، لكنه يغير من يشاهدونه”، فالفرقة التي تبقى حتى النهاية لا تغير مجريات السياسة، لكنها تغير وعي جمهورها. وإذا كان المسرح عند بريخت يسعى إلى إيقاظ وعي المتفرج عبر كسر الإيهام، فإن هذا النص يذهب خطوة أبعد، إذ يجعل المتفرج شريكاً في السؤال لا مجرد متلق له.
لغة النص حوارية واقعية تتخللها جمل رمزية، كما عمد الكاتب إلى إدماج الغناء والمشاهد الرمزية ليضفي بعداً جمالياً وفكرياً، وكذلك جمع بين الكوميديا الخفيفة والسخرية السياسية والدراما الجادة. ليتركنا في النهاية أمام سؤال شخصي ووجودي: حين يسقط مشروعك الأكبر، هل تترك الخشبة وتغادر، أم تبقى وتعيد كتابة النص بما يلائم الواقع الجديد؟ لا يقدم الكاتب إجابة جاهزة، لكنه يلمح عبر العنوان نفسه أن الفنان الحقيقي لا يغادر، لأن “المسرحية مستمرة” ولأن الحياة أيضاً لا تتوقف إلا إذا أسدلنا الستار بأنفسنا.
- النص من كتاب “عندما يغني شمدينو –ثلاث مسرحيات”، ط 2، مطبعة روژهلات – أربيل، إقليم كردستان –العراق 2019


