حوارات سيرة و فنان

هيثم الرفيعي … رجلٌ صنعَه المسرح

إعداد وحوار: مهدي منصور

 

وُلد هيثم مهدي صادق الرفيعي في بغداد، في حي الكاظمية عام ألف وتسعمائة وأربعة وستين، وكأن المدينة أرادت أن تودع في روحه شيئًا من ضجيجها الأزلي وشيئًا من صمتها المقدس في آنٍ واحد. جاء إلى الدنيا في بيتٍ تفوح منه رائحة الكتب والطباشير، فوالده لم يكن معلمًا عاديًا — بل كان من الرجال الذين أسّسوا نقابة المعلمين في النجف، ووقف على خشبة دار المعلمين العالية يمثّل عام واحد وأربعين وتسعمائة وألف، تحت عين الفنان الكبير حقي الشبلي. كان الوالد، إذن، أوّل جمهور شاهد هيثم، وأوّل مخرج أدار خطاه نحو الضوء.

في الصف الرابع الابتدائي، في مدرسة الرشيد ببغداد، وقف الطفل على المسرح لأوّل مرة. لم يكن يعرف يومئذٍ أنه يشعل شمعة ستضيء نصف قرن. كان عام ألف وتسعمائة وثلاثة وسبعين، وكان الحب داخله أكبر من عمره.

ثم جاءت النجف. انتقل إليها عام أربعة وسبعين، وكأن القدر أراد أن يُعمّق فيه شيئًا لا تمنحه إلا مدن الروح. انضم إلى نادي الطفل التابع لدور الثقافة الجماهيرية، فكان مسرحيًا وموسيقيًا في آنٍ معًا — صوتٌ وجسدٌ وآلة. مسرحية تلو مسرحية، من «السلطان الحائر» إلى «الفيل يا ملك الزمان»، ومن «عزّ الدين قسّام» إلى «محاكمة الرجل الذي لم يحارب»، كان هيثم يبني نفسه حجرًا فوق حجر.

في أكاديمية الفنون الجميلة التي درس فيها من ثلاثة وثمانين حتى خمسة وتسعين، كان الطالب الذي يجلس في مقاعد الأساتذة العظام — إبراهيم جلال، وسامي عبد الحميد، وبدري حسون فريد، وصلاح القصب — ويشرب من ينابيعهم بصمتٍ وشغف. تتلمذ على أيدي أعمدة المسرح العراقي، ولم يكتفِ بالتلقي، بل انخرط في النسيج كممثلٍ ومنفّذٍ موسيقي، ففي مسرحية «العالم في ليلة» للفرقة القومية عام ستة وتسعين، كان هو الذي يرسم الفضاء الصوتي الذي يتنفّس فيه الممثلون.

بعد عام ألفين وثلاثة، فُتحت أمامه أبواب من نوع آخر. صار مشرفًا فنيًا ومخرجًا ومثلًا، يصنع في كل موسمٍ عملًا يحمل بصمته الخاصة. من «النخلة والوالي» إلى «ذاكرة الكلمات»، ومن «الرمح» إلى «رماد»، وحتى «غربال» و«سهم» عام ثلاثة وعشرين — كان هيثم يكتب جملته المسرحية بخطٍّ لا يُقلَّد. وتوّجت مسيرته بمسرحية «مطبخ آخر الليل» عام أربعة وعشرين، التي حملت العلم العراقي وعلم وزارة التربية إلى المملكة الأردنية الهاشمية، وعادت بجائزة أفضل ممثلين في المهرجان المدرسي العربي الأوّل.

في كل هذا الزمن، لم يكن هيثم يمثّل وحسب — بل كان يبني مؤسسات. أمينٌ عام لمؤسسة البارق للثقافة والفنون، ومؤسّس فرقة الطفل المبدع، ونائب نقيب فناني النجف، وسكرتير مهرجان الطفل المسرحي الدولي لثلاثة أعوام متتالية. رجلٌ لا يؤمن بأن الفن ينمو في غرفٍ مغلقة.

وحين أُحيل على التقاعد عام أربعة وعشرين، لم يتقاعد. أخرج مسرحية «يوميات متقاعد» في اليوم ذاته الذي كُرّمت فيه شريحة المتقاعدين — ضحكةٌ عميقة على لسان فنانٍ يعرف أن المسرح لا يمنح بطاقة تقاعد.

 

هيثم الرفيعي رجلٌ صنعَه المسرح، ثم عاد فصنع المسرح.

 

1 — السيرة تُشير إلى أن والدك كان ممثلًا مسرحيًا قبلك بعقود. كيف كان حضوره في حياتك الفنية — هل كان مشجّعًا صريحًا، أم كان تأثيره أعمق وأكثر صمتًا من ذلك؟

كان والدي، الفنان المسرحي مهدي الرفيعي، أول نافذة فتحت لي على عالم المسرح والسينما. لم يكن تأثيره مجرد تشجيع مباشر، بل كان حضوره أعمق من الكلمات. منذ طفولتي كان يأخذني معه إلى العروض المسرحية والسينمائية، وكأنّه يسلمني العالم من بوابة الفن. أتذكر جيدًا عام 1973 حين أخذني إلى قاعة الخلد لمشاهدة مسرحية «البيك والسائق» المقتبسة عن نص برتولد برخت «بونتيلا وسائقه ماتي» ومن إخراج أستاذي الراحل إبراهيم جلال. يومها مُنعت من الدخول لصغر سني، لكن الفنان الكبير يوسف العاني خرج بنفسه من كشك التذاكر وأجلسني في الصفوف الأمامية بعدما قال له والدي: «هيثم هو الذي جاء بي لكي يشاهد المسرحية». تلك اللحظة بقيت محفورة داخلي. كذلك لا أنسى حين حملني والدي فوق كتفيه وسط الزحام في سينما الحمراء لنشاهد العرض الأول لفيلم «أبي فوق الشجرة». من هناك بدأت علاقتي الحقيقية بالفن، ومن هناك فهمت أن المسرح ليس مجرد فرجة، بل حياة كاملة.

2 — بدأتَ في السنة الرابعة الابتدائية، وذلك أمرٌ نادر. ما الذي أشعل تلك الجذوة في سنٍّ مبكرة جدًا — هل كانت لحظةً بعينها، أم كان المسرح ببساطة هو اللغة الوحيدة التي فهمتَ بها العالم؟

أعتقد أن المسرح كان اللغة الأولى التي فهمت بها العالم. طفولتي كانت مليئة بالعروض والسينما والأحاديث الفنية، لذلك بدا دخولي إلى المسرح أمرًا طبيعيًا جدًا. في السنة الرابعة الابتدائية بدأت التمثيل ضمن فريق المدرسة، وكانت المسرحيات آنذاك تدور حول القضية الفلسطينية. لعبت دور البطولة في مسرحية «الفلسطيني الثائر»، وكنت متأثرًا جدًا بالممثل غسان مطر في تلك الفترة. لم تكن هناك لحظة واحدة أشعلت الشرارة، بل كان تراكم المشاهد والذكريات والدهشة هو الذي صنع تلك الجذوة داخلي مبكرًا.

3 — درستَ على يد أساتذة من كبار المسرح العراقي، من إبراهيم جلال إلى صلاح القصب. من منهم ترى أنه ترك أعمق أثرٍ في طريقتك في فهم الفن والحياة معًا؟

أنا محظوظ لأنني تعلمت على يد أسماء كبيرة صنعت تاريخ المسرح العراقي. درست عند إبراهيم جلال، سامي عبد الحميد، بدري حسون فريد، عوني كرومي، جعفر السعدي، صلاح القصب، شفيق المهدي، بهنام ميخائيل، عقيل مهدي، ميمون الخالدي وغيرهم. كنت أشعر أنني أدخل مختبرًا وأخرج من مدرسة للإبداع المعرفي. لكن التأثير الأعمق في بداياتي كان لأستاذي إبراهيم جلال، لأنه علمني كيف أفكر بالمسرح كحياة كاملة، لا كنص أو أداء فقط. كذلك أعتز كثيرًا بشهادة الفنان سامي عبد الحميد حين شاهدني في مسرحية «الأميرة الصلعاء» وأنا أؤدي دور مهرج وعازف إيقاع، واستغرب من قدرتي على ضبط الأداء الموسيقي والحركي معًا.

4 — أنت في آنٍ واحد ممثلٌ ومخرجٌ وموسيقي. هذا التعدد نادر. هل تشعر أن هذه الأدوار الثلاثة تتحاور في داخلك أم تتصارع أحيانًا؟

هي تتحاور أكثر مما تتصارع. الموسيقى بالنسبة لي ليست شيئًا منفصلًا عن المسرح، بل هي روح الإيقاع في الحركة والكلمة. كنت دائمًا أستفيد من الموسيقى في ضبط الحوار والميزانسين فوق الخشبة، لذلك كنت نادرًا ما أخطئ في الحركة أو الإيقاع. حتى أستاذي دخيل العكايشي كان يقول لي إنني أعرف كيف أضبط الميزانسين بخطواتي على المسرح. أشعر أن الممثل داخلي يمنح الإحساس، والمخرج يمنح الرؤية، والموسيقي يمنح الإيقاع، وحين تنسجم هذه العناصر يتكوّن العرض الحقيقي.

5 — مسرحية «مطبخ آخر الليل» فازت عربيًا في الأردن. ما الذي يعنيه لك أن تحمل العراق والنجف خارج حدودهما في عملٍ مسرحي؟

رغم الألم الذي رافق تلك التجربة بسبب عدم إنصافنا بعد العودة، تبقى «مطبخ آخر الليل» من التجارب المهمة جدًا في حياتي. العمل للمؤلف الحبيب عمار سيف، وقد حصلنا من خلاله على جائزة أفضل ممثل في مهرجان المسرح المدرسي العربي الأول. بالنسبة لي، أن تحمل اسم العراق والنجف إلى مهرجان عربي يعني أنك تحمل ذاكرة مدينة كاملة وثقافة بلد عاش الحروب والتعب لكنه ما زال قادرًا على صناعة الجمال. كان شعورًا عظيمًا أن نثبت أن المسرح العراقي ما زال حيًا رغم كل الظروف.

6 — أُحِلتَ على التقاعد عام 2024، فأخرجتَ في اليوم ذاته «يوميات متقاعد». هل كان ذلك موقفًا فنيًا مقصودًا، وماذا تقول هذه المسرحية عن علاقتك بالزمن والاستمرار؟

بالتأكيد كان موقفًا فنيًا مقصودًا. أنا لا أؤمن أن الفنان يتقاعد من شغفه. بعد رحلة طويلة مع المسرح والتعليم، كتبت «يوميات متقاعد» وقدّمها تلميذي المبدع محسن حيدر في احتفالية خاصة لوداع العمل الوظيفي. المسرحية كانت محاولة للحديث عن الزمن، وعن الإنسان الذي يغادر الوظيفة لكنه لا يغادر الحياة. بالنسبة لي التقاعد الإداري لا يعني التوقف عن الحلم أو الإبداع، ولهذا بعد التقاعد بدأت مشاريع جديدة لدعم المواهب في المسرح والسينما والفنون التشكيلية، وما زلت مستمرًا في العمل من خلال المسرح والأفلام والنشاط الفني والثقافي.

 

 

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية