- البداية — حين يناديك الفن للمرة الأولى
إعداد وحوار: مهدي منصور
حسن كعبي، المولود في السابع من أكتوبر عام 1978 في الأهواز — تلك المدينة التي تتنفس رائحة النفط والتراب، المدينة التي تعرف كيف تحتضن ساكنيها وتُبقيهم فيها — أدرك منذ أيام دراسته الإعدادية أن ثمة شيئاً بداخله لا يمكن تسميته درساً ولا عملاً. كان أشبه بالظمأ. أشبه بتلك اللحظة التي تقف فيها على الخشبة وتشعر للمرة الأولى أنك في مكانك الصحيح.
غير أن الحياة لا تأذن دائماً بأن تصل إلى عشقك أولاً. جاء التعليم. جاءت الشهادة. جاءت الخدمة العسكرية. جاء سوق العمل. مرّت السنوات، والفن انتظر في صمت وهدوء — كما تنتظر الأشياء الحقيقية وحدها.
**الاكتشاف — تلك القصة التي غيّرت حياة**
كانت سنوات 2014 و 2015. قصة بسيطة نشرها صديق. لحظة عابرة لم تكن عابرة.
قرر حسن أن يذهب. أن يخضع للاختبار. أن يرى إن كانت تلك الجذوة لا تزال متقدة، أم أن السنين قد أطفأتها.
كانت لا تزال مشتعلة.
مهدي منصور — المخرج والرفيق الذي سيرافق اسمه اسمَ حسن في أغلب أفلامه القصيرة لاحقاً — رأى في ذلك اليوم ما ربما لم يكن حسن نفسه متيقناً من امتلاكه. موهبة لم تنبع من قاعة دراسية، بل من صميم التجربة المعاشة. موهبة جاءت من الأهواز. من سنوات ظن فيها الإنسان أنه يُضيّع الوقت، وهو في الحقيقة كان يصنع شخصيته.
**المسيرة — من القاعة إلى الخشبة، ومن الخشبة إلى الشاشة**
عرف حسن كعبي أن الفن لا يُبنى بالموهبة وحدها. ذهب إلى الدروس. قرأ الكتب. شاهد الأفلام — لا للترفيه، بل للتعلم. من يبدأ متأخراً لا طريق أمامه إلا أن يمضي بكل وجودة ومضى.
*السينما*
(إسفند) / إخراج: دانش اقباشاوي
*المسلسلات*
(شباب) — قناة خوزستان — إخراج: علي زهيري
(بيگانگان (الغرباء)) — القناة الثالثة — إخراج: راما قويدل
*فيلم متوسط الطول*
(الوعد الصادق) / إخراج: محمد داودي
*الأفلام القصيرة*
(تيكر) / إخراج: مهدي منصور
(الضرورة) / إخراج: مهدي منصور
(اليمامة)/ إخراج: مهدي منصور
(الخيط) / إخراج: عباس عفري
(أم سالم) / إخراج: مهدي منصور
(سيمفونية التراب)/ إخراج: علي محمود
لتربتي رائحة مغايرة. هل تلك التربة حاضرة في أدائي؟ هل يحسها المتفرج دون أن يعرف من أين تأتي؟
حين ابتعدت سنوات عن الفن، هل ابتعد الفن عني؟ أم كان يكبر في صمت، في الطبقات العميقة من حياتي؟
سأترجم المقابلة كاملةً إلى العربية بأسلوب صحفي رفيع يليق بمستوى النص الفارسي.
1/ ماذا تفعل بك التمثيل؟ وهل يبقى شيء من الشخصية فيك حين تعيشها؟
التمثيل يجعل الإنسان أكثر حساسيةً ووعياً. حين أعيش شخصياتٍ مختلفة، أجد نفسي مضطراً إلى النظر في العالم من زوايا بشرٍ متباينين؛ أختبر مشاعر ربما لم أواجهها في حياتي العادية قط. أُنحّي نفسي جانباً وأدخل إلى عالم شخصيةٍ أخرى. هذه التجربة تُعمّق معرفتي بالإنسان وتوسّع أفقي، وتُعرّفني أحياناً بمخاوفي أو بالجوانب الخفية من ذاتي. غير أنني إن لم أكن يقظاً، قد تتلاشى الحدود بين نفسي والشخصية التي أجسّدها.
ونعم — شيءٌ من الشخصية يبقى فيّ عادةً. حين أعيش شخصيةً فترةً من الزمن، تترسّب بعض سماتها في داخلي دون أن أشعر: طريقة حديثها، وطريقة نظرتها، حتى ثقتها بالنفس أو قلقها. هذا الأثر ليس دائماً وكاملاً في الغالب — أشعر به أشبه بأثرٍ في الرمل، أو بذاكرةٍ عاطفيةٍ تسكن أعماق الوجدان.
2/ أين تبدأ العلاقة بين الفن والحياة وأين تنتهي؟ هل يحيا الفنان ليمثّل، أم يمثّل ليفهم كيف يحيا؟
تبدأ العلاقة بين الفن والحياة من اللحظة التي لا يعود فيها الإنسان مكتفياً بمجرد العيش. الفن يخرج من رحم الحياة — من الحب والألم والأمل وحتى الخوف — ثم يعود إليها ليجعلها أعمق وأكثر إضاءةً وإدراكاً. لذلك لا ينفصل الاثنان عن بعضهما: الحياة هي مادة الفن الخام، والفن هو المرآة التي نرى فيها الحياة.
أما عن الفنان، فلا هو يحيا ليمثّل فحسب، ولا هو يمثّل ليفهم الحياة فحسب؛ هذان البُعدان متشابكان في بعضهما. يجمع الفنان تجربته بالعيش، ثم يهضمها في أعماقه بالتمثيل. فالتمثيل بالنسبة إليه ليس «أداءً» فحسب — بل هو طريقٌ لفهم الإنسان، وفهم الذات، وفهم العالم.
3/ أنت من الأهواز. لتربتك رائحةٌ مختلفة. هل هذه التربة حاضرةٌ في تمثيلك؟ وهل يحسّها المتفرج دون أن يعرف من أين تأتي؟
نعم، هذه التربة حاضرةٌ في تمثيلي — ليس بالضرورة بشكلٍ مباشرٍ وصريح، بل في الحس والنظرة والصمت وروح الشخصيات التي أجسّدها. هذه المدينة، هذه الحرارة، هذه الحياة — باتت جزءاً من نفَس تمثيلي. لا يحتاج المتفرج أن يعرف من أين تأتي؛ يكفي أن يحسّها. يدرك أن في هذا التمثيل شيئاً مألوفاً وحياً — أصالةً ما، نكهةً ما، دفئاً خفياً يأتي من عمقٍ بعيد. أحمل تربتي معي إلى الخشبة، والمتفرج يحسّها دون أن يعرف اسمها.
4/ حين ابتعدتُ سنواتٍ عن الفن، هل ابتعد الفن عني؟ أم كان يكبر في الصمت، في الطبقات الخفية من حياتي؟
الفن لم يبتعد عني قط؛ كان يكبر في الصمت، في الطبقات الخفية من الحياة. حين نبتعد عن نشاطٍ ما، لا يعني ذلك بالضرورة أنه يبتعد عنا. الذكريات والتجارب والدروس المستفادة والمشاعر التي اكتسبناها في تلك المرحلة — كلّها تبقى في وجودنا، كبذرةٍ تُزرع في التربة وتنتظر.
في تلك السنوات، ربما لم يكن الفن حاضراً في حياتي بشكلٍ مباشر، لكن نظرتي إلى العالم، وإدراكي للمشاعر، وطريقة رؤيتي للتفاصيل — كلّها كانت تحت تأثير السنوات التي عشتها مع التمثيل. فذلك الصمت لم يكن صمت الغياب؛ بل كان صمت النضج والنموّ. كان الفن يتعمّق في داخلي، ويُعيد بناء نفسه، ويتهيّأ ليعود في الوقت المناسب، بشكلٍ جديد وأقوى ربما.
5/ السؤال الأهم ربما: هل الفن اختيار — أم هو ذلك الشيء الذي يعود إليك حتى حين تختار كل شيءٍ سواه؟
الفن كلاهما معاً؛ اختيارٌ وعودةٌ حتمية.
في مرحلةٍ من الحياة نختار أن نُقدّر الفن، أن نأخذه بجدية، أن نمنحه وقتنا وطاقتنا. هذا قرارٌ واعٍ. لكن حيث يصيب السؤال قلب الموضوع هو هنا: الفن في أغلب الأحيان كنيرانٍ داخليةٍ — حين تسلك كل الدروب وتتخذ كل الخيارات — العمل، الأسرة، متطلبات الحياة اليومية — يظل يشدّك إلى نفسه.
الفن، ولا سيما التمثيل، ليس تسليةً أو مهنةً فحسب؛ بل هو جزءٌ من الهوية والنظرة والروح، حاضرٌ في كل حين. وفي نهاية المطاف، يشقّ طريقه نحو الوعي والتعبير — شئنا أم أبينا.

