وُلد في بغداد، في عام 1963، في زمنٍ كانت فيه المدينة لا تزال تتذكّر نفسها. لم يكن الطفل منير راضي يعلم أنه يدخل الحياة من بابها الأصعب باب الجمال في بلدٍ لم يهدأ.
في الرابعة عشرة من عمره، قبل أن يتعلّم العالم كيف يصنّفه، دخل إلى خشبة المسرح. لم يكن ذلك هروباً من شيء، بل كان توجّهاً نحو كلّ شيء. فرقة مسرح الجماهير فتحت له عينيه الأولتين: عين الممثّل التي ترى العالم من الداخل، وعين المخرج التي تعيد تشكيله من الخارج.
وفي عام 1979، حمل العراق على كتفيه صبيٌّ بالكاد عبر عامه السادس عشر ووقف على خشبة محمد الخامس في الرباط، أمام العرب جميعهم. فازت مسرحية “البحر” بجائزة أفضل عمل، وفاز هو بشيءٍ أصعب من الجائزة: اليقين.
درس في كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد، وحصل على دبلوم التمثيل من معهد الفنون الجميلة. لكن الفن لم يكن عنده حكراً على الأكاديميا كان يتجاوزها دائماً إلى الشارع، إلى القاعة، إلى الروح. أخرج أكثر من خمسين عملاً مسرحياً، وكتب ما يزيد على خمس عشرة مجموعة مسرحية، وحين لم يجد نصاً يليق بما يريد قوله، كتبه هو.
شكسبير سكن في روحه سكناً عجيباً. لم يكتفِ بتمثيله أو إخراجه، بل راح يُحاوره في “أنا ماكبث”، في “شكسبير في جبل الأوليمب”، في “أجنة في أرحام شكسبيرية”، في الخماسية المونودرامية التي طاف بها مصر وتونس والعراق. كأنه وجد في شكسبير صديقاً يفهم ما لا يسهل قوله باللغات الحية.
ثم جاء العالم إليه: جورجيا، تركيا، موريتانيا، سلطنة عمان، الأردن، سوريا، المغرب، تونس، مصر. في كل مدينةٍ وقف على خشبة، في كل مهرجانٍ ترك بصمة. وفي كل عودةٍ إلى بغداد، كان يعود أكثر إيماناً بأن المسرح ليس فناً يُمارَس بل هو وطنٌ يُقام.
أسّس مهرجانات من لا شيء: مهرجان العراق الطقوس للسينما والمسرح الدولي، ومهرجان المسرح التجريبي الأول للشباب. ثم تولّى إدارة الفرقة الوطنية للتمثيل، فإدارة المسارح في دائرة السينما والمسرح. صعد إلى حيث تُصنَع القرارات، دون أن يترك خشبة المسرح.
حكّم في أكثر من عشرين مهرجاناً دولياً. جلس إلى جوار نور الشريف ومحمود ياسين. نال درعاً تلو درع. ومع ذلك، ما زال يكتب. ما زال يخرج. ما زال — في جوهره — ذلك الصبي الذي دخل خشبة المسرح قبل أن يتعلّم الخوف
1/ في الرابعة عشرة من عمرك دخلتَ خشبة المسرح — هل اخترتَ المسرح أنت، أم أن المسرح هو الذي اختارك؟
ـ سؤال فلسفي وعميق جداً، في الواقع، يمكننا القول إني انا من اختار هذه الخشبة الناطقة بالحياة والتجدد وصوت الحقيقة التي ستبقى الى ما بقيت الحياة حرة لا تتغير ولا تهادن ولا تجامل رغم مرور الايام والكروب.. كان المسرح لحظة حاسمة قد علقت في خاطري منذ ان اخذت مطالعة ميكي ما واس او الحكايات في المجلات المصرية والعربية طبعا كان ذلك في اواسط السبعينات. فكان هناك شيء قد بدأ يتغير في فسلجت الافكار والرؤى وكذلك قد يكون في ما اشتركت فيه من اعمال مسرحية صفيه حينها عندما كنا نقدمها في احتفاليات المدرسة الابتدائية.. ولكن البداية الحقيقية التي تحققت في مشواري الفني.. عندما كنت في الصف الثاني المتوسط حينها قادني القدر الى مركز شباب الثورة في المدينة عند ذلك الغروب وانا ادخل الى ساحة هذا المركز الثقافي والفني والرياضي ايضا.. حصل القرار في داخلي وبدا كل شيء كأنه جزء من حلم لم أكن أعلم أنني أعيشه. شاهدت الفرقة المسرحية والتي كانت تسمى بفرقة مسرح الجماهير وهم مجموعة من الشباب يجلسون على شكل حلقة دائرية يقرؤون في نص مسرحي يعد لمسابقة مسرحية عراقية كبرى لمراكز الشباب آنذاك.. وكان يترأس هذه الحلقة العراب الكبير المخرج المرحوم خضير محسن الساري… توقفت وترددت ثم عزمت وقاطعتهم بالسلام- صمت الجميع واخترق هذا الصمت صوت الاستاذ خضير الساري الذي كان يملك هدوءًا داخليًا و نظرة ثابتة، وصوتًا لا يعلو على الاخر واستفسر مني بقوله: “تفضل حبيبي”، فقلت له “اني ارغب ان انتمي لهذة الفرقة”. فنظر لي وتفحص في و فجأة حدث شيء غير متوقع حيث قال.. “تعال واجلس..” جلست مرتبكا؟ ثم ناولني احد اوراقه وقال؟ اقرأ الجملة الاولى.. فقرأت تلك الجملة وبعدها تبسم الاستاذ خضير وقال لمدير المسرح، اجعله يمثل الشخصية الثالثة في عملنا الحالي وثبت ذلك في السكربت. كان ذلك نهاية سنة 1977 وكان اعضاء الفرقة لفيف من الفنانين الشباب آنذاك مثل.. نجم الربيعي وكريم محسن وعلي داخل وستار سعداوي ودكتور كريم شغيدل وعصام محسن وفاهم عبيد وعلي الغزي وعماد محمد وكريم جمعة وطالب الربيعي وقاسم رمضان وكريم الربيعي وعلي عقدة وعباس علي باهض وبعد ذلك التحق في الفرقة في نهاية السبعينات الفنانين.. مجيد سعدون وحامد عجلان وحكيم جاسم وخضير ابو العباس وعلي طعمة وشاكر خلاف ومزهر الفوني وكاظم حنون وغيرهم الكثير.. واستمر عملي في الفرقة حتى كنت احد شخوص الوفد العراقي المشارك في مهرجان الشباب العربي الرابع في المملكة المغربية عام 1979 ضمن كادر مسرحية (البحر) والتي قدمت على مسرح محمد الخامس في الرباط.. وفي بداية الثمانينات مارست تجربة الاخراج في مسرحية (جثة على الرصيف) للكاتب العربي سعد الله ونوس وبعد ذلك قدمت مسرحية (الدراويش يبحثون عن الحقيقة) وهذين العملين حصلت فيهما على جائزة الاخراج وجائزة افضل عمل متكامل وبعد ذلك شاركت ممثلا في مسرحية (سربيكا او مشنقة الانتظار) وهي من اخراج الفنان المرحوم محسن العزاوي وقدمت في افتتاح مسرح الرشيد في بداية الثمانينات.. بعد ذلك استلمت ادارة فرقة مسرح الجماهير وبقيت في ادارتها الى نهاية التسعينات وبعد ذلك شاركت في عدت اعمال مسرحية ومن اخراج كبار المسرحيين العراقي سواء على مسرح الرشيد والمنصور والوطني وحصلت على جائزة التمثيل قبل نهاية التسعينات في مهرجان منتدى المسرح التجريبي ثم اكملت مسيرتي الفنية متنقلا بين التمثيل والاخراج والتأليف سواء على المستوى المحلي والدولي حيث حصلت على عدت جوائز وفي كل الاختصاصات الفنية عربيا ودوليا وكذلك كانت لنا مشاركات في اللجان التحكيمية بكل فروعها محليا وعربيا وايضا كان لنا نصيب في العمل السينمائي حيث كتبت واخرجت مجموعة من الافلام الروائية والوثائقية وحصلت على بعض الجوائز ومنها افضل عمل روائي قصير في بغداد والقاهرة وهولندا بفيلم (نفوس مطمئنة) .. كانت المحطات الفنية كبيرة ومتعددة في بغداد والمحافظات وخارج العراق .. المحطات بدأت بمركز الشباب هاويا ثم طالبا في معهد الفنون الجميلة و اكاديمية الفنون الجميلة وبعدها الاستقرار في دائرة السينما والمسرح – فرقة المسرح الوطني العراقي ثم مديرا للفرقة وبعدها مديرا لقسم المسارح في الدائرة- المحطات شملت التمثيل والاخراج والتأليف – بعد سقوط الصنم اللعين قمنا بتأسيس اللبنة الاولى لمسرح التعازي وعملنا عليه بشكل اكاديمي امتد لأكثر من عقدين وتأسيس مهرجان له، عرف بمهرجان العراق للمسرح وسينما التعزية ولا زال مستمرا لحد الان وقد قدمنا العشرات من هذه الاعمال المسرحية وبعضها عرض في بغداد و بعض المحافظات وخارج العراق في ايران وسوريا والنرويج.
2/ شكسبير يسكن كتاباتك سكناً غير عادي — ماكبث، أوليمب، أرحام شكسبيرية — ما الذي وجدتَه في هذا الرجل الإنجليزي الذي لم تجده في موروثك العربي، أو العكس، ما الذي جعلته عراقياً حين لمستَه؟
– من خلال تخمر فكرة ما في دماغي طوال دهور، وهي أن أوجد نسخة عربية من شكسبير، بقوة ألفاظه ذاتها وبمخيلته العميقة المثيرة للعواطف، وبالاستعارات ذاتها، وبالإيقاع الرائع ذاته وبيان كشف المستور في بطون التاريخ وان العمل في عوالم مسرح شكسبير له خصوصية معينة اردت من خلالها ايجاد افتراضات وفرضيات في التأليف من حيث فكرة شكسبيرية بطرح تساؤلات معاصرة انفذ من خلالها الى تصويب الاحداث التاريخية وربطها بما هو معاصر ولكن بقيمة الفعل الشكسبيري من حيث اللغة والحدث الدرامي ودقت الحبكة المسرحية وتناولها بشكل فلسفي عميق فكتبت الكثير من التماثل التأليفي ما بين منير راضي وشكسبير. تقول الباحثة والناقدة العربية الدكتورة آمنة الربيع حول عالم منير راضي في بيئة شكسبير ما يلي…” انجز الكاتب والمخرج المسرحي العراقي منير راضي العبودي كتابه (الثلاثية الشكسبيرية، ونصوص مسرحية… أنا مكبث، وشكسبير فـي جبل الأوليمب، وأجنة فـي أرحام شكسبير) وكذلك ما جاء في كتابه الثاني الخماسية الشكسبيرية والتي تضم خمسة اعمالا مسرحية له تأليفا وليس تناصا او اعدادا و يظهر هذا الاشتغال التأليفي واضحا فـي استدعاء شخصيات درامية استوحاها منير راضي من مآسي الشاعر الإنجليزي ويليام جون شكسبير”. وفـي صفحة «الإهداء» يوجه المؤلف إهداءه التالي: «إلى روحي التي لم تخذلني يومًا… إنها هي…»، ما يشير صراحة إلى إعلاء صوت التصالح مع الذات فـي مستوى ما، وإعلان تمرد الذات أو احتجاجها والمكاشفة نحو مكنونها الثقافـي والوجودي. يليها صفحة «المقدمة» التي يُخصصها بحديث حول المخيال الذي صاحبه طوال عمره، فهو صديقه الذي عشقه؛ «كان وعاء عقلي يلتهم كل ما يتصل فـي أفق الخيال عن كل ما ينتج فـي وعاء الفن من أساطير والخرافة والحكايات الكلاسيكية المعتّقة»، ما يكشف لنا، أن المؤلف لم يتحرر من تأثير تلك الحكايات، بل عاش معها، ونبش أسرارها فأنجب النبش الثلاثية الشكسبيرية والخماسية الشكسبيرية وما أحاط بالعصر الإليزابيثي أو عصر النهضة من ملابسات. فكانت هذه المحطة إحدى الأزمات الخيالية التي أربكته فـي البحث والتقصي والغوص فـي أسرار الثلاثية والخماسية الشكسبيرية المخيفة والمهيبة فـي الوقت نفسه. لقد تتجلى الاشتغال فـي التناص كثورة ضد شكسبير المؤلف، زاحفا منير راضي على سطح من التاريخ الساخن كما يقول: «أصارع وحدي شخصيات استقدمتها واستحضرتها رغم عنادها، ووعيدها لي فـي قادم الأيام من قِبَل ذلك المدعو.. إنها المنازلة الشكسبيرية المنيرية كما قالوا فـيها أهل الفن على المستوى المحلي والعربي…». يلي ذلك صفحة «تقدمة»، بقلم الدكتور جبار صبري، هي أشبه ما تكون بمحاولة شهادة عن أجواء النصوص الثلاثة، والطريق الذي سار فـيه منير مع شخصيات شكسبير، وربطها بالواقع الوجودي والسياسي والسلطوي والثقافـي والمجتمع المحلي والوطني المعاصر دون مواربة. لقد ذهبت الدكتورة آمنة الربيع في بحثها وتحليلاتها العميقة في عالم منير الشكسبيري حيث قالت وبشكل مفصل حول الثلاثية الشكسبيرية
مسرحية:- «أنا ماكبث»… المهزوم إذا ابتسم، أفقد المنتصر لذّة الانتصار.
ألف منير راضي مسرحية (أنا ماكبث)، هدف من العنوان كما يقول: «أن أوجد نسخة عربية من شكسبير، بقوة ألفاظه ذاتها وبمخيلته العميقة المثيرة للعواطف، وبالاستعارات ذاتها، وبالإيقاع ذاته». إن هذه المحاولة تبدو ناجحة إلى حد معقول. حافظ منير فـي نصه الدرامي على أيقونات لازمت ماكبث فـي الساحرات الثلاث اللائي يبدأن الحوار، ويربطن بين الماضي وحوالي السنين والزمن المعاصر، إضافة إلى شبح الليدي ماكبث. كما أن عوالم الكائنات اللواتي يقتسمن عالم الساحرات يتشكل من (القطة جريما لكين، والضفدع بادوك)، أما المغدورون فهم (الملك دنكان، وبانكو، وعائلة النبيل مكدف). إن النص الدرامي يتوفر على شخصيات درامية فاعلة فـي صميم الأحداث الدرامية، فالتناص الموجود على مستوى الشخصيات، يُفهمُ وجودها من اتصالها بنصّ المؤلف الأول (شكسبير)، ونص المؤلف الثاني (منير) حيث سعى إلى إدانة شكسبير واتهامه على لسان (ماكبث) الذي يصرخ ويثور ويغلي كالتنور فـي كل ليلة برفات الموتى بأن التاريخ وحواشي الملوك ومدوني الشعر غدروا به، ويريد الخروج من لعنة التاريخ، وإزاحة الظلم الذي ألحقه به المؤلف الأول. لذلك يلجأ إلى طلب إقامة جلسة طارئة فـي ملكوت العالم السفلي لمحاكمة شكسبير.
الملاحظ أيضا، إن استدعاء شخصيات شكسبير الذي يفصلنا عنه الزمن ما يقارب نحو خمسة قرون محاولة موفقة من منير راضي إدانة وقتنا المعاصر الذي تتجلى هزائمه وخسائره عن طريق اللغة والجمل التعبيرية الضّاجة بالاستعارات التصويرية الدموية. شخصيات ملوك غائرة فـي القِدم وعصر النهضة، وعصرنا الحديث بأغطية المُلوك الذين يبنون المدن وناطحات السحاب لكي يخلدوا فـي طرقات عواصمهم؛ هم أنفسهم «يصنعون القراصنة»، ويزيفون الحقائق، ويدورون الأحداث. كأن عصرنا اليوم، يتخفى وراء عصر النهضة مجازا، إذّ ينجح الملوك الطغاة فـي شراء ذمم الشعراء والكتّاب والمداحين والمغنين والفنانين. هكذا يُدين راضي شهوة العرش والجلوس فوق كراسي ملطخة بالدم، والمتهم الخالد هنا والتاريخي، هو «الشاعر المارق السكير الانتهازي والممثل الفاشل ومفرق الجماعات وقاتل الأفراح وناشر الحزن والنواح والمتحذلق العبقري شكسبير. لا بد من القول: “إن منير ينجح فـي خلط الأزمنة وتداخلها، والشخصيات وتفاعلها، وتخليق فضاء الخشبة الدرامي واللعب على ثنائية التناص تارة وتقنية المسرح داخل المسرح. حيث لغة الشعر تخوض معركة مع النثر، كما يسرد ملوك شكسبير وضعياتهم الدرامية أمام المتفرجين. عندما يدخل شكسبير إلى المحاكمة، يتعرّف على شخصيات ملوكه على النحو التالي: «الملك لير العظيم، والقائد الهُمام ذو الغيرة والعفة عطيل، وهذا الحالم العاشق والباحث عن صندوق الحقيقة الأمير هاملت، وماكبث ملك الجماجم». هي نقطة ارتكاز لنسف المحكمة ومن ثم المسرحية، فـينقلب الحدث والمخيال لسحق المؤلف الثاني، الذي لا يجد قدرة كاملة الإفلات من فكرة صرع الكرامة ودنس الشرف (هاملت)، أو فكرة الغيرة التي انقضت على وسادة الطُهر (عطيل)”.
فـي محاكمة شكسبير المتهم بتزييف الحقائق كما يفعل المُلوك المعاصرين يسأل ماكبث: «أيها السادة أسألكم، لماذا يَحق لهذا الشاعر عرض أعماله داخل البلاط الملكي دون أقرانه الذين يعدون من كبار عصره فـي التأليف والتنظير والبحث؟». بهذا المقطع ننتقل إلى نص الإدانة، بين عبارات تفضح المؤلف شكسبير، وقبح فـي الأنظمة السياسية المعاصرة. فشكسبير فاق أبناء جيله بأنّه «أعظمهم بوقا لتجميل قبائح البلاط الملكي، وأنه وصولي» فالتهم تعكس صورة للواقع المعاصر غير الحضاري لمهنة المثقف أو المؤرخ معا.
مسرحية «شكسبير فـي جبل الأوليمب»… والتاج فخ النفوس.
يرجع كتابة هذا النص الدرامي إلى عام 2021م، إن استعادة شخصيات شكسبير تجري فـي عدد خمس من البقع تُنفذ بواسطة الإضاءة؛ تضم جميعها (عطيل وديدمونة، وهاملت، ويوليوس قيصر، وجولييت والملك لير). من شروط اكتمال الوجود فـي جبل الأوليمب ظهور بروميثيوس للكشف عن غياب التوافق بين طبقات العصور، وتعبير كل عصر عن مصالحه الدنيوية والسلطوية. يستند رسم فضاء المكان فـي هذا النص إلى انتزاع محاكمة أخرى جديدة على غرار المحاكمة السابقة فـي «أنا ماكبث»، لكن منير يجيء بكتّاب آخرين وأدباء من العصر الإليزابيثي ومعاصري شكسبير هم (كريستوفر مارلو، بنجامين جونسون، توماس ميدلتون»، ليشكِّل هؤلاء شكلا من مسرح الوثيقة الدرامية حول الكتّاب الذين تأثر بهم شكسبير (مارلو)، أو نافسوه (جونسون). وكذلك فـي فضاء الأوليمب يحظى زيوس وصفاته؛ العظيم الجبار الحكيم بالحضور الأكبر حيث استدعاء تاريخ حياته وانتصاره فـي حرب الجبابرة مع حلفائه.
إن الإسقاط السياسي فـي هذا الموضع، حيث جميع هؤلاء يلتقون مع زيوس فـي مجلس ينعقد كل دورة شمس للتباحث فـي عصر إليزابيث، أمام المتهمين (ياغو، بروتس، الملكة جيرترود، ريغان، وغونريل)، يمكن أن يشير إلى جذور الشقاق العميقة بين (الآلهة) الإغريقية، وفكرة مسؤولية (المرأة) عن الكيد (بنات لير) والذنب (الليدي ماكبث) التي كما وصفت بأنها امرأة داهية حادة الذكاء وخارجة على التقاليد والأعراف. إزاء قتامة عصر النهضة، فإن ملخص (مارلو) للأحداث المتداخلة الصاخبة غير المعقولة والمزدحمة بالأشخاص واعترافاتهم بجرائمهم وتبريرهم لأفعالهم الشنيعة، إدانة بطريقة مباشرة لعصرنا السياسي المتخم بالجراح.
مسرحية:- (أجنة فـي أرحام شكسبيرية)… تغلق كل منافذ الحياة إلا منافذ الأرواح، تبقى مشرّعة بوجه الناس والحجارة.
الأجنة فـي هذا النص تؤديها شخصيات (السارد والمخرج، وعطيل، وديدمونة، وأوفـيليا، وهاملت، وياجو، والصوت). يرجع تاريخ تأليفه إلى عام 2021م. ومن الواضح أن المؤلف يؤكد فـي هذا النص على سيرورة الإبداع وارتماء النصوص الثلاثة فـي مثلث فضائه: القيامة، وكونفدرالية الأرواح، وأقبية العالم السفلي. نلمح أيضا انهيار حواجز نفس المبدع ولهاثه المتسارع لنقد التاريخ الكلاسيكي وكتابة تاريخ جديد لأحداث ووقائع يؤثثها الإخراج المسرحي وإرشادات التأليف الموزعة فـي مستويين متلازمين؛ الأول لغة النصوص الإخراجية فـي جميع صفحات الكتاب، ومستوى التناص الفني الذي صاغه وفق أساليب بدأها بالذاتية، وأنهاها بالتمرد على كتابة لم يغادر فـي مستوياتها مؤلفه المفضل عنده شكسبير لمحاججته ونقده.
3/ أنت اليوم تُدير وتُؤسّس وتُقرّر — وفي الوقت نفسه لا تزال تكتب وتمثّل وتُخرج. كيف تحمي الفنان في داخلك من الإداري الذي أصبحتَه؟
– اذا كان العمل الاداري من ضمن دائرة التخصص في دائرة متخصصة في الفنون بشكل عام من الممكن ان تكون اداريا ناجحا ضمن المشروع المطروح في دائرتك الفنية ولكن من المستحيل ان يكون الاداري من غير اختصاص ان يكون فنانا في دائرة فنية. رغم إن بعض الاحيان تكون الامور الادارية تشغل الفنان عن عمله الفني ومع ذلك انا الان مدير المسارح في دائرة السينما والمسرح وان هذا المنصب فيه من الامور الفنية الشيء الكثير والمتعبة ولكني ما زلت اكتب واخرج واحضر المهرجان واقيم الورش الفنية والندوات وغيرها من الامور الفنية الاخرى.
4/ عشتَ في العراق وعملتَ فيه طوال هذه العقود — كيف كان المسرح بالنسبة إليك في أصعب الأوقات، ضرورةً تتنفّس بها أم تحدّياً تُثبت به أنك لا تزال حياً؟
– المسرح هو الحلم الدائم لي رغم كل المخاطر والمحن فالمسرح هو السحر الذي يبقيني متماسكا على خشبة المسرح في تحدي ذاتي ومع جمهور لا ينقطع. اذا هي عملية تحدي.. من سيغادر من، وفي النهاية يكون دائم اللقاء الى ما بقيت الحياة. انها لحظات يكون فيها مزيج من عنصر الغرابة يتأرجح بين فرحٍ يكاد يكون صوفيًا، وخوفٍ يستتر خلف عناوين كثيرة.. اذن هناك خيط سحري بقي يشدني رغم الظروف القاهرة وسلطة جائرة كانت في حينها تعد انفاسك واشاراتك من على خشية المسرح وهي دائمة المراقبة في كل ما تطرحه على سطح الخشبة وعند كل عمل مسرحي نقدمه كنا نقول في انفسنا او نعترف لبعضنا بأننا وُلدنا من جديد.
5/ كتبتَ للإذاعة وأخرجتَ للسينما ووقفتَ على الخشبة — في أيٍّ من هذه الفضاءات تشعر أنك أنت، دون أقنعة؟
ـ نعم تشعر دون قناع او لثام فلكل منجز فني في هذه المستويات هي تجربة، فاذا كنت فنانا متنورا علميا واكاديميا ومجتهدا ومسلحا بقاعدة انطلاق منذ البدء بأول تكوينك للفن ستبدع في كل مجالات الفن على المستوى المسرح والاذاعة والسينما ايضا رغم الجهد الكبير الذي قد يأخذ منك مأخذا في الصحة والفكر. فقد مثلت في الكثير من الاعمال المسرحية على المستوى المحلي والعربي وكذلك مارست الاخراج بحرفية المخرج الخلاق الذي يحاول ان يجرب ويخلق له سياق فني خاص به كما في مجال التأليف والذي انتشر محليا وعربيا ودوليا وايضا السينما كان لنا نصيب في مجموعة من الاعمال السينمائية الروائية القصيرة والوثائقية ايضا وفاز قسم منها بجوائز محلية وعربية ودولية وايضا للاذاعة لنا مشاركات كبيرة وكثيرة على مستوى التأليف والتمثيل ايضا. اذن عندي الفن واحد ولا يتجزأ
6/ كُرِّمتَ مع نور الشريف ومحمود ياسين في القاهرة، ثم عدتَ إلى بغداد لتؤسّس مهرجاناً للشباب. لماذا؟ ما الذي يجذبك إلى البداية دائماً، وأنت في المكانة التي تستحقّ أن تستريح فيها؟
– الشباب يتجدد دائما في الفن عموما فلزاما عليك ان تكون متجددا في كل شيء طالما انت تعمل في دواليب الفن. لقد اقمت بتأسيس مهرجانين هما مهرجان العراق لسينما ومسرح التعزية وهو الان في دورته السادسة وكذلك ايضا اقمت مهرجانا بدورة واحدة وهو المسرح التجريبي الاول للشباب على منتدى المسرح نهاية سنة 2010 ولكن توقف بعد ذلك لاسباب معينة. كنت اغذي نفسي بشيء أكبر من الجوع الا وهو الشغف في الفن.. فعندما يتوقف هذا الاثر فسوف اغادر الفن دون رجعة اكيد. ولأني احمل أسرارًا خفية لا يعرفها أحد سواي فسوف استمر طالما كنت في دائرة الضوء الذي ينكسر على خشبة المسرح وكأنها بداية لرحلة حياةٍ جديدة. ولا زالت الخشبة قائمة، وما زال الستار يرتفع كلما أفتح عيني ويعلو صوتي بين جنباته وان جف الحبر فسأكتب بدم اصابعي وسوف تحلق مصابيح عيني في عدسات الكاميرا والضوء. ان سر وجودي هو القدرة على الاستمرار في الحلم.. ولا زلت احلم رغم اليقظة وضجيج الحياة. اذن انا اعيش الحياة في الفن.
.

