مقالات

“ليالينا”: الجروتسك مرآة للقهر المستدام

أحمد محمد علي

 

“ليالينا”.. كما غنت وردة، عنوان يستدعي حنينا ممزوجا بمرارة الفقد، ويفتح منذ اللحظة الأولى على عالم تتجاور فيه الأحلام والانكسارات. ومن هذه المفارقة يبدأ العرض رحلته.

في ليلة سكندرية حارة، ضمن فعاليات المهرجان الدولي لقسم المسرح وعلى خشبة المسرح الصغير بقصر ثقافة الأنفوشي، لم تكن حرارة الصيف هي ما أثقل الهواء، وإنما ذلك البدروم الذي فتح أبوابه على عالم تتجاور فيه السخرية مع المرارة. ومع الدقائق الأولى، يتضح أن محمد الحضري لا يعود إلى نص نعمان عاشور “الناس اللي تحت” بوصفه وثيقة اجتماعية من الخمسينيات، وإنما باعتباره نصا ما زال قادرا على مساءلة الحاضر. ومنذ هذه اللحظة يفرض العرض سؤاله: ماذا يستطيع الجروتسك أن يفعل؟ هل يكتفي بتشويه الواقع حتى نراه بوضوح، أم يمنحنا مسافة تكفي للتفكير فيه؟

السؤال ليس عارضا، فهو يكاد يكون مشروع فرقة جروتسك نفسها، كما ظهر في عروض سابقة للحضري، مثل “الرجل الذي أكل الورق” و”سابع سما”، حيث يتحول التشويه إلى أداة جمالية تكشف ما تعجز الواقعية المباشرة عن قوله. وفي “ليالينا” يستكمل الحضري هذا المسار، مع احتفاظه بقدر من الحميمية الإنسانية يجعل الشخصيات أقرب إلى البشر منها إلى الرموز.

ويبدأ التفكيك من العنوان. فالانتقال من” الناس اللي تحت” إلى “ليالينا” ينقل مركز الثقل من التصنيف الطبقي إلى الذاكرة الوجدانية، من غير أن يمحو أثر البنية الاجتماعية. غير أن هذا الاختيار يثير سؤالا: هل أدى هذا الاتساع الإنساني إلى تعميق الصراع الطبقي، أم إلى تخفيف حدته؟ في بعض اللحظات يبدو العرض منحازا إلى القلق الوجودي أكثر من انشغاله بآليات إنتاج القهر الاجتماعي، فيغدو “التحت” حالة إنسانية عامة، بينما تتراجع البنية التي صنعت هذا “التحت” إلى الخلف.

وتصنع بسنت مصطفى فضاء بصريا يتسق مع هذا التصور. البدروم ليس مكانا تدور فيه الأحداث، وإنما علامة دائمة على الانحباس. الأثاث الكلاسيكي المتجاور مع الجدران المتهالكة ينتج مفارقة بصرية ساخرة بين الحلم والواقع، ويجعل الشخصيات تعيش داخل صورة أكبر من قدرتها على امتلاكها. غير أن ثبات هذا الفضاء، رغم قوته الرمزية، يجعل بعض المقاطع أقل حيوية بصريا، وكان من الممكن أن تمنح تحولات أكبر في تشكيل الفضاء أو الإضاءة المشاهد إيقاعا أكثر تنوعا دون المساس بدلالته.

ويواصل العرض بناء منطقه عبر الجسد. الحركة في هذا العرض نظام علامات يكشف علاقات السيطرة والاستلاب. يتحول الجسد إلى أداة أو حامل لثقل الآخرين، وتصبح التكوينات الجماعية أقرب إلى أجساد تتحرك داخل قفص واحد. ومع ذلك، يظل هذا الاشتغال أقوى في مشاهده الصامتة منه في بعض الانتقالات الحوارية، حيث يتراجع الزخم البصري لمصلحة الإيقاع الكلامي.

وتشارك الأشياء اليومية في إنتاج هذا المعنى. المكنسة تتحول من أداة للكسب إلى رمز للاحتفال الساخر، والراديو يصنع عالما موازيا يخفف قسوة الواقع، أو يؤجل مواجهته. غير أن قراءة هذه العلامات لا ينبغي أن تنتهي إلى اعتبار الشخصيات سجينة وعي زائف فحسب؛ فربما كان التمسك بالحلم، حتى وهو هش، صورة من صور المقاومة اليومية، لا مجرد استسلام للوهم. وهنا يترك العرض بابا مفتوحا لأكثر من تأويل، وهي مساحة تمنحه ثراء يتجاوز القراءة الأحادية.

وتأتي أزياء لبنى منسي ومكياج محمد شاكر امتدادا لهذه اللغة. الوجوه المشوهة لا تدين أصحابها أخلاقيا، وإنما تكشف مقدار ما أحدثه الواقع من تصدعات داخلهم، بينما تحتفظ شخصيات عزت ولطفية ومنيرة وفكري بقدر من البساطة، ليس لأنها أكثر نقاء بالضرورة، وإنما لأنها ما زالت قادرة على تخيل حياة أخرى.

أما الإضاءة التي صممها أحمد طارق، فجاءت مقتصدة في معظم المشاهد، ثم بلغت ذروتها في لقاء رجائي وعزت، حيث منح الضوء الأزرق المشهد لحظة شاعرية خالصة. ورغم جمالها، فإنها استندت إلى دلالة لونية مألوفة، ولم تستثمر بالكامل الإمكانات التعبيرية التي يتيحها عالم العرض الجروتسكي.

ويحسب للحضري أنه اعتمد بطولة جماعية حافظت على توازن العرض. قدم المبدع أحمد نادي شخصية رجائي بحضور إنساني دافئ، ووعي بطبيعة الشخصية، وجسد أدهم فيتو عزت بإيمان هادئ بالحلم جعل الشخصية قلب العرض النابض. ومنحت دينا السواح لطفية رقة صادقة، فيما رسمت عالية الحقباني بهيجة بخط كاريكاتيري متماسك كشف هشاشتها أكثر مما سخر منها. كما قدمت فيرونيا شكري فاطمة بأداء يوازن بين المفارقة والألم، وأضفى محمود مكرم على عبد الرحيم (الكمساري) حسا ساخرا يخفي انكسارا داخليا، بينما منح يوسف طنطاوي مرزوق طاقة كوميدية منضبطة. وأكملت سندس عرفة وزياد كمال، في دوري منيرة وفكري، صورة الشخصيات التي لا تزال ترى في الحلم وسيلة للبقاء.

وفي المشهد الأخير، يتخلى العرض عن الإيهام الكامل، ويقترب من الميتامسرح، حيث تبدو الشخصيات واعية بأنها تدور داخل دائرة يصعب كسرها. غير أن هذا الختام، على قوته البصرية، يبقى أكثر نجاحا في تشخيص المأزق منه في خلخلته، فيترك المتفرج أمام صورة مكتملة أكثر مما يدفعه إلى مساءلة أدواتها.

ولعل أكثر ما يميز “ليالينا” أنه لا يتعامل مع الجروتسك بوصفه شكلا زخرفيا، وإنما بوصفه منهجا جماليا يواصل الحضري تطويره عبر تجربته مع فرقة جروتسك. ومع ذلك، فإن جماليات التشويه نفسها تطرح سؤالا نقديا: هل يظل التشويه، حين يستقر كأسلوب مألوف، قادرا على إحداث الصدمة الأولى؟ أم أنه يحتاج في كل تجربة إلى إعادة اكتشاف لغته حتى لا يتحول إلى توقيع بصري متوقع؟

في تلك الليلة السكندرية، خرج الجمهور من القاعة مبتهجا، رغم أنه لم يحمل إجابات، خرج من قاعة العرض يحمل ذلك السؤال الذي ظل معلقا بعد انطفاء الأنوار: إذا كان المسرح قد نجح في أن يجعلنا نرى القهر بوضوح، فهل امتلك، بالقدر نفسه، القدرة على زعزعة آليات إنتاج القهر؟ هنا تكمن قيمة “ليالينا” ، وهنا أيضا تبدأ المسافة التي تظل مفتوحة بين المرآة… والمطرقة.

* أحمد محمد علي/ ممارس وباحث مسرحي

Alfurja

Alfurja

About Author

موقع مجلة الفرجة صادر عن: مركز الفنون العربية الفرجة.
الملف الصحافي: 37/ 2014ص.
الايداع القانوني: ردمد 9452/2421

اشترك في نشرتنا الإخبارية

    خلف الكواليس وفي قلب الحدث.. اشترك لتعرف كل جديد وتصلك كواليس المسرح وأخباره إلى بريدك

    جميع الحقوق محفوظة © 2026

    error: نعتذر، نسخ المحتوى غير مسموح به لحماية حقوق الملكية