مونودرامــــا
تأليف: إسماعيل العباسي
(ظلام كامل)
(صوت نبض خافت يتصاعد)
(ضوء خافت جدًا على الرجل)
الرجل: هل وُلدتُ حقًا… أم أنني صُنعتُ لاحقًا؟
(صمت)
قالوا لي إنني أنا…فصدّقت. قالوا إن هذا اسمي…فحملته كأنني لا أملك غيره.
لكنني اليوم أسأل: هل الاسم دليل… أم قيد؟
(يضحك بخفة)
كل شيء بدأ من تصديق بسيط…تصديق العالم.
(يخرج ورقة بيضاء)
كانت هذه…أنا. قبل أن يفسرني أحد. بياضٌ مخيف…لأنه لا يقول شيئًا.
(يتأملها)
ثم جاءوا.
(أصوات خارجية متداخلة)
صوت الأب (خارج الخشبة): كن مثلنا.
صوت الأم: لا تتعب نفسك.
صوت المجتمع: كن طبيعيًا.
صوت المدرسة: احفظ… لا تفكر.
الرجل: وهكذا…بدأت الطباعة الأولى.
(يمثل ختمًا على الورقة)
ختم. ثم آخر. ثم آخر. حتى لم يعد البياض يُرى.
(صمت)
كنت أظن أنني أُربّى…لكنني كنت أُكتب.
(إضاءة أضيق)
صوت الخوف (همس): لا تفعل.
الرجل: من أنت؟
الخوف: أنا الذي يحميك منك.
الرجل:لكنني أريد أن أكون…
الخوف: كن أقل… تعش أكثر.
(صمت)
الرجل:فصمتُّ. وكان هذا أول موت صغير.
(ضحكة قصيرة مريرة)
لم أمت دفعة واحدة…كنت أُطفأ ببطء.
(إضاءة جانبية، ظل)
الرجل: رأيتني…لكني لم أكن أنا. هو… كان يعيش. وكان يخطئ. وكان يحب. وكان يقول “أنا أريد”. أما أنا… فكنت أقول “لا بأس”.
(يتقدم نحو الظل)
من أنت؟
النسخة: أنا ما كنتَ تستطيع أن تكونه.
الرجل: وأين ذهبتُ أنا؟
النسخة: بقيتَ في السلامة.
(صمت)
الرجل: ظننت أنني تحررت. أنني سأبدأ من جديد. أن البياض فرصة. لكن…
ماذا لو كان البياض نفسه خدعة؟
(صمت)
ماذا لو كان عليّ أن أكتب… ولا أعرف من يكتبني؟
(إضاءة مضطربة)
الرجل: أنا…لا. لا أستطيع قولها بعد الآن.
(يكرر ببطء)
أنا… أنا… أنا…أي “أنا” هذه؟ أي واحد منها أنا؟ الأب؟ الطفل؟ الخائف؟ الحالم؟ أم كلهم معًا؟
(يضحك ثم يسكت فجأة)
ربما…لا يوجد أحد.
(صمت طويل)
الرجل: قضيت عمري أبحث عن نفسي…لكنني كنت أبحث في مكان خاطئ. كنت أبحث عن شيء ثابت…بينما أنا تغيّر كل لحظة.
(صمت)
ربما لا توجد ذات أصلًا…ربما هناك فقط…حركة.
(ينظر إلى الورقة)
هذه الورقة…ليست بداية. ولا نهاية. إنها سؤال فقط.
(يمزق الورقة ببطء)
(صمت)
(يترك القصاصات تتساقط)
الرجل:ما تبقّى مني…ليس أنا. ما تبقّى مني…هو ما لم يُكتب بعد.
(صمت طويل جدًا)
الرجل (بهمس):أو ربما…ما تبقّى مني…هو أنني لا أعرف.
(إطفاء تدريجي للضوء)
(صوت قلم بعيد… ثم يتلاشى)
ستــــــار
* اسماعيل العباسي — العراق، ديالى 2026 ©

