من الظاهرة إلى كل الشاشات — فنانٌ يصنع الوجوه
إعداد وحوار: مهدي منصور
ثمة فنانون يعملون خلف الكاميرا ولا يراهم أحد، لكن أثرهم يسبقهم إلى كل مشهد. إبراهيم بن مطر حميد الجساسي واحدٌ من هؤلاء — رجلٌ يجلس أمام وجهٍ بشري فارغ كما يجلس الشاعر أمام ورقةٍ بيضاء، ثم يبدأ.
لا يرسم إبراهيم على الوجوه — بل يُحرّرها. يرى في كل ملمحٍ إمكانيةً لم تُقَل بعد، وفي كل بشرةٍ قصةً تنتظر من يُخرجها من صمتها.
البداية — حين اختار الوجه على كل شيء
في سلطنة عُمان، تلك الأرض التي تحتفظ بشيءٍ من الأصالة حتى في أشد لحظاتها حداثةً، نشأ إبراهيم وفي داخله سؤالٌ لم يجد له إجابةً في الكتب المدرسية: لماذا يتحول الإنسان حين يقف أمام الضوء؟ لماذا يصير الممثل شخصاً آخر؟ ومن الذي يُساعده على العبور؟
كان الجواب مخبأً في فرشاةٍ وعلبة ألوان.
منذ ذلك اليوم الأول حين وضع يده على أدواته، أدرك أنه لن يكون أمام مرآة فحسب — بل أمام رسالة. المكياج السينمائي ليس تجميلاً، بل تحويل. وليس إخفاءً، بل كشف.
سبع سنوات تكفي لعمرٍ كامل
سبع سنوات في المكياج السينمائي قد تبدو للبعض رقماً عادياً — لكنها في عالم الإنتاج المحلي العُماني، حيث كل مشروعٍ يُولد من شُح الإمكانيات وسخاء الإرادة، تعني شيئاً مختلفاً تماماً.
1/ سبع سنوات من الوقوف أمام وجوه الآخرين وتحويلها.. هل تذكر اللحظة الأولى التي أدركت فيها أن هذا هو طريقك، لا مجرد هواية عابرة؟
ـ كنت أجرب بدافع الفضول أكثر من أي شيء وقتها فهمت إن الموضوع مو مجرد هواية أنا أحب فكرة إني أخلق شخصية من الصفر وأخلي الناس تصدّقها.
2/ المكياج المسرحي يختلف عن المكياج السينمائي، والمكياج التعبيري يختلف عن مكياج الرعب.. في أيٍّ من هذه العوالم تشعر أنك أكثر صدقًا مع نفسك؟
ـ أكثر مكان أحس نفسي فيه هو المكياج التعبيري والمسرحي خصوصًا الشخصيات الثقيلة أو الغريبة… أحب التحدي اللي يخليك ما تشتغل على الجمال فقط تشتغل على الإحساس والروح وحتى نظرة العين مكياج الرعب بعد قريب مني لأن فيه مساحة خيال كبيرة لكن المسرح له شعور مختلف جدًا.
3/ جسّدت شخصيات تاريخية عمانية حقيقية — السيد سعيد بن سلطان، السيد أحمد بن نعمان، عمرو بن العاص — ما الذي يعتريك حين تضع آخر لمسة على وجهٍ يحمل وزن التاريخ؟ هل يداك ترتجفان؟
ـ أكيد فيه رهبة… خصوصًا لما تكون الشخصية حقيقية ولها قيمة بتاريخ عمان آخر لمسة دائمًا تكون لحظة صمت بالنسبة لي مو خوف قد ما هو احترام للمكانة والتاريخ وأحيانًا فعلًا أحس بثقل المسؤولية أكثر من أي عمل ثاني.
4/ قدّمتَ أكثر من خمسين ورشة في دول عدة، للأطفال وطلاب الجامعات وفرق المسرح المحترفة.. من هو الجمهور الذي يُخرج منك أفضل ما فيك؟
ـ أحب أشتغل مع الناس اللي عندهم شغف حتى لو كانوا مبتدئين خصوصًا الأطفال وطلاب المسرح الحماس الصادق يطلع منك طاقة مختلفة لكن بنفس الوقت العمل مع الفرق المحترفة ممتع لأنه يدفعك تتطور أكثر وتتحدى نفسك.
5/ الجائزة تُعطى لعملٍ واحد، لكن خلف كل عمل فائز هناك لحظات فشل وإرهاق وربما خيبة. ما العمل الذي منحك أعمق الجروح وأكثر الدروس؟
ـ في أعمال تعبت فيها نفسيًا وجسديًا أكثر مما الناس تتخيل أحيانًا تضغط الوقت أو تكون الفكرة أكبر من الإمكانيات أو ما يطلع العمل بالشكل اللي كنت تتخيله تعلّمت إن النجاح الحقيقي مو الجائزة النجاح إنك تطلع من كل تجربة أقوى وأكثر فهمًا لفنك.
6/ إذا سُئلت عن المكياج السينمائي بعد عشرين عامًا من الآن، ماذا تريد أن يكون قد تغيّر في نظرة الناس إليه في العالم العربي — وما الذي تريد أنت أن تكون قد صنعته؟
ـ أتمنى الناس تشوف المكياج السينمائي كفن حقيقي مو مجرد فرشاه وألوان كثير ناس ما يعرفون حجم التعب والتفاصيل اللي خلف شخصية وحدة وأتمنى أكون أنا ساهمت ولو بشي بسيط في رفع مستوى هذا الفن وقدمت أعمال تخلي الناس تقول هذا شغل عربي يقدر ينافس عالميًا”


