د. علي علاوي
ملخص البحث الموسوم ب” المسرح فن الغيرية” الذي قدم ضمن فعاليات الندوة العلمية المصاحبة للدورة الثامنة والثلاثين للمهرجان الدولي للمسرح الجامعي (4 – 9 يوليوز 2026)، الذي تنظمه كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك، التابعة لجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، تحت شعار «المسرح والحياة المشتركة»
***********************
يسعى هذا البحث إلى مقاربة المسرح من زاوية فلسفية، معتمداً على فلسفة إيمانويل ليفيناس في مفهوم الغيرية، ليؤكد أن المسرح بتعدده وتنوعه هو فن الغيرية بامتياز. تنطلق الورقة من علاقة التضايف التي تجمع المسرح بالحياة، حيث يعد المسرح تعبيراً حياً وحيوياً عنها، وهو فن حي تاريخياً منذ التراجيديا اليونانية، وحي من خلال تدفق مقولاته الجمالية كالتطهير والملحمي والعبث، وحي بوصفه أبا الفنون التي تغتني به ويغتني بها. يستند البحث إلى فلسفة ليفيناس التي تنقد الأنطولوجيا الغربية التي جعلت “الأنا” مركزاً للوجود، وتؤكد أن الغيرية التزام أخلاقي بالآخر المطلق الذي لا يمكن اختزاله إلى الذات، ولا يظهر إلا عبر “الوجه” الذي يفرض مسؤولية لا مشروطة تجاه الآخر، والوجه عند ليفيناس هو الآخر بذاته، حضور حسي وتجريد مطلق يقطع مع كل سياق تاريخي، وهو أثر لا متناه يفتح البعد الأخلاقي ويدفع الذات نحو مسؤولية غير محدودة. ومن هنا يرى الباحث أن المسرح هو فن الغيرية لأنه فن الوجه، فالممثل يتخلى عن وجهه ليعبر عن وجه الآخر حاملاً آلامه وأفراحه، والأنا المسرحية تناقض الأنا الديكارتية لأنها لا تتحقق إلا بالآخر متفرجاً متفاعلاً، فتؤسس لكوجيطو جديد هو “أنا أواجه وجوهاً، إذن أنا موجود”. كما يتطرق البحث إلى الصمت بوصفه صناعة مسرحية، مفرقاً بين مستويين للغة عند ليفيناس، مستوى “ما يُقال” الخاضع للمنطق والسياق، ومستوى “القول” الأخلاقي القائم على المسؤولية تجاه الآخر، وهو لغة صامتة تجعل الحديث ممكناً، فالمسرح يشترط الصمت لقيامه بخلاف السينما التي تعرض في الضجيج، والصمت هنا إعلان لوجود الآخر، والتصفيق عدوى تنتشر في كنفه، ولذلك يظل المسرح المكان الوحيد الذي يخاطب فيه شخص حي شخصاً حياً. وتشير الورقة إلى رسالة المسرح العالمية التي تتلى في يومه العالمي، بوصفها رسالة للأحياء ولمن سيأتون بعد، مؤكدة أن التراجيديا العظيمة تعلم المصالحة بين البشر. وتخلص الورقة إلى القول إن المسرح مهما تعددت مفاهيمه يبقى فناً محايثاً للشرط الإنساني فكرياً وإبداعياً، والفلسفة تغتني من المفاهيم المسرحية والمسرح يتقوى بالرؤيا الفلسفية لأن مسارهما واحد، كما يقول عبد الله العروي: “الفلسفة سلوك، والكون مسرح”، مؤكدةً أن المسرح من خلال الغيرية يؤكد أن وجود الأنا لا يتحقق إلا بالآخر، وأنه فن الضيافة والمسؤولية والوجه والصمت.
* د. علي علاوي/ أستاذ فلسفة الفن، والمسرح بالمعهد الوطني العالي للموسيقى والفن الكوريغرافي، بالرباط.

